إسطنبول ـ «القدس العربي»: منذ أسابيع، تتصاعد الاشتباكات في محيط منطقة عين عيسى شرقي نهر الفرات بين فصائل المعارضة السورية والجيش التركي من جانب والوحدات الكردية من جانب آخر، في ظل تعقيدات عسكرية وسياسية لا تؤشر إلى إمكانية حصول عملية عسكرية جديدة واسعة للجيش التركي في شمالي سوريا، في الوقت القريب على أقل تقدير.
وعلى مدار الأسابيع الماضية، تجري بشكل شبه يومي مناوشات واشتباكات ومحاولات تسلل واقتحام إلى جانب ضربات مدفعية وصاروخية ومحاولات للتقدم البري بين الجانبين في محيط منطقة عملية “نبع السلام” وبشكل خاص في محور منطقة عين عيسى التابعة لمحافظة الرقة والتي تتمتع بأهمية استراتيجية للجانبين.
وفي الشهر الأخير، يعلن الجيش التركي بشكل شبه يومي عن “تحييد عدد من الإرهابيين من تنظيم بي كا كا/ي ب ك الإرهابي” وتقول وزارة الدفاع التركية في بياناتها إنها تتصدى لمحاولات تسلل يقوم بها عناصر التنظيم باتجاه منطقة نبع السلام أي (تل أبيض ورأس العين) لتنفيذ هجمات ضد القوات التركية وفصائل المعارضة هناك، حيث أعلنت عن قتل وإصابة أكثر من 100 مسلح مؤخراً في بيانات منفصلة.
وفي وقت سابق من الشهر الماضي، أعلنت فصائل من المعارضة السورية المدعومة من الجيش التركي عن بدء عملية عسكرية للسيطرة على منطقة عين عيسى وسط قصف مدفعي وصاروخي متصاعد للجيش التركي، إلا أن الجيش التركي لم يشارك بشكل مباشر براً أو بتوفير غطاء كبير لهذا التقدم الذي بقي في إطار هجمات الكر والفر مع الوحدات الكردية والسيطرة الجزئية المتبادلة على مناطق محدودة فقط من عين عيسى.
وبالتزامن مع التصعيد العسكري، كان يجري حراك سياسي كبير بين الوحدات الكردية من جانب وروسيا والنظام السوري من جانب آخر، حيث استغلت روسيا الضغط العسكري التركي لمطالبة الوحدات الكردية بتسليم المنطقة للنظام السوري لضمان عدم السيطرة عليها من قبل الجيش التركي، وهو ما رفضته الوحدات الكردية قبل أن تبدأ بالتراجع تدريجياً مع تزايد حدة هجوم فصائل المعارضة على المنطقة.
أي عملية عسكرية تركية شرق الفرات تحتاج إلى تنسيق مع روسيا
ومؤخراً، قبلت الوحدات الكردية بإنشاء نقاط عسكرية للجيش الروسي في المنطقة، وهو ما يؤشر إلى أن روسيا معنية بانتشارها في المنطقة تمهيداً لجلب النظام السوري وهي تغض الطرف عن الضغط العسكري التركي لزيادة الضغط على الوحدات الكردية وهو أمر لا تعارضه تركيا كثيراً وذلك بعدما تغيرت الأولويات التركية في الملف السوري وباتت الأولوية طرد الوحدات الكردية وإضعافها لا إسقاط نظام الأسد.
وتشير كافة التطورات في الأسابيع الماضية إلى أن ما يجري لا يوحي بأنه تمهيد لعملية عسكرية تركية واسعة في المنطقة، حيث اتسمت كافة العمليات العسكرية التي نفذها الجيش التركي في السنوات الماضية بظروف مختلفة عن ذلك، وكان يسبقها أشهر من التهديدات والتحشيد العسكري والمناورة السياسية، لكن هذه الأجواء لم تتكرر بعد في الأسابيع الأخيرة حيث لا يلحظ أي تحركات عسكرية غير اعتيادية أو تحشيد يوحي بالتحضير لعملية عسكرية واسعة.
هذه المؤشرات ترجح أن ما يجري هو مجرد محاولة من الجيش التركي للسيطرة على منطقة محدودة تتمثل في عين عيسى الصغيرة وذات الأهمية الاستراتيجية أو مجرد ضغط على الوحدات الكردية لدفعها لتسليم المنطقة للقوات الروسية والانسحاب منها، مع عدم وجود أي مؤشرات على التحضير لعملية عسكرية واسعة على غرار “نبع السلام” أو “غصن الزيتون”.
الأولويات التركية في الملف السوري طرد الوحدات الكردية
كما أن أي عملية عسكرية واسعة في شرق الفرات تحتاج إلى تنسيق ومفاوضات طويلة مع روسيا كما جرى في العمليات السابقة، حيث أن أي عملية واسعة بحاجة لغطاء جوي وهو ما يتطلب الحصول على ضوء أخضر روسي أو توافق لمنع الصدام الذي لا ترغب أنقرة الدخول فيه مع موسكو في الوقت الحالي.
ومن جانب آخر، فمن شأن أي عملية عسكرية واسعة شرق الفرات أن تدفع باتجاه مواجهة سياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم الوحدات الكردية وتنشر قواتها هناك، وفي ظل رغبة أنقرة بعدم الدخول مبكراً في صدام مع الإدارة الأمريكية الجديدة فإنها سوف تتجنب عملية كبيرة في الأشهر الأولى من إدارة بايدن للبيت الأبيض في ظل مساع حثيثة لبناء أرضية للحوار بين اردوغان وساكن البيت الأبيض الجديد.
لكن عدم وجود مؤشرات على عملية عسكرية واسعة للجيش التركي في الوقت القريب شرق الفرات، لا يعني استبعاد ذلك على الإطلاق، حيث أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عاد مؤخراً للتهديد بتفتيت “الممر الإرهابي” على طول الحدود السورية مع تركيا، وفي ظل تصاعد هجمات الوحدات الكردية على مناطق سيطرة المعارضة والجيش التركي يمكن أن نشهد تحولاً في الموقف التركي والبدء بالاستعداد لعملية عسكرية جديدة قد تستهدف منطقة أوسع من عين عيسى وصولاً إلى الشرق حيث القامشلي.