سفارة الإمارات في أنقرة وقد أسمت تركيا في 2018 شارعها فخر الدين باشا ردا على حملة إماراتية (أ ف ب)
إسطنبول – “القدس العربي” :
للمرة الثانية خلال أيام قليلة، أطلق وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش رسائل إيجابية غير مسبوقة للتقارب مع تركيا وتجاوز الخلافات، وذلك بالتزامن مع المصالحة الخليجية والمؤشرات المتزايدة على إمكانية حصول مصالحة قريبة بين تركيا والسعودية.
والخميس، صرح قرقاش في تصريحات لوكالة “بلومبرغ” الأمريكية أن أبو ظبي “هي الشريك التجاري الأول لأنقرة في الشرق الأوسط”، مضيفاً: “نحن لا نعتز بأي خلافات مع تركيا”، معتبراً أن “المشكلة الرئيسية للإمارات مع تركيا، تكمن في سعي أنقرة إلى توسيع دورها على حساب الدول العربية”.
والأحد، قال قرقاش في تصريحات لقناة سكاي نيوز الإماراتية إن بلاده ترغب في تطبيع العلاقات مع تركيا، معرباً عن تطلعه لتحسين العلاقات بين أنقرة والقاهرة، وأضاف: “نقول لتركيا بأننا نريد علاقات طبيعية تحترم السيادة (..) لا يوجد لدينا أي سبب لكي نختلف مع تركيا، فلا توجد مشكلة، ونرى اليوم أن المؤشرات التركية الأخيرة مثل الانفتاح مع أوروبا مشجعة”، وتابع: “أي مؤشر إيجابي من تركيا تجاه مصر سنرحب به، لأن مصلحة تركيا هي علاقات عربية سوية.. نريد لأنقرة ألا تكون الداعم الأساس للإخوان المسلمين، نريد لأنقرة بأن تعيد البوصلة في علاقاتها العربية”.
تصريحات الوزير الإماراتي جاءت بالتزامن مع بدء تطبيق المصالحة بين قطر ودول الحصار الأربع ومنها الإمارات، حيث أعلنت أبو ظبي إنهاء الخلافات مع الدوحة وفتح الخطوط البحرية والجوية بين البلدين، لكن بنود المصالحة المعلنة حتى الآن لا تشير إلى أن قطر رضخت لأي من الشروط الـ14 التي كانت تصر عليها الرياض وأبو ظبي طوال السنوات الماضية.
كما تأتي تصريحات قرقاش بالتزامن مع المؤشرات المتزايدة على إمكانية حصول تقارب تركي سعودي خلال الفترة القريبة المقبلة وذلك عقب الاتصال الهاتفي الذي جري بين أردوغان والملك سلمان واللقاء الذي جمع وزيري خارجية البلدين والتصريحات الإيجابية التي أطلقها كبار مسؤولي البلدين والتي توحي برغبة مشتركة في تجاوز الخلافات.
وفي مقابل الرسائل الإماراتية الصريحة لأنقرة بالتقارب وتجاوز الخلافات، لم تصدر أي تصريحات تركية رسمية تتعلق بالإمارات بشكل مباشر، باستثناء تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان، الجمعة، التي عبر فيها عن رغبة بلاده بالعمل مع مجلس التعاون الخليجي كحليف استراتيجي لتركيا.
وعلى الصعيد الإعلامي، اكتفت وسائل الإعلام التركية الرسمية والخاصة بإبراز تصريحات الوزير الإماراتي ووضعها في قالب التراجع الإماراتي عن مهاجمة تركيا واعتبارها رغبة صريحة في الحوار والتصالح، لكن المنصات الرسمية وكبار الكتاب المقربين من الحكومة لم يقدموا أي إشارات جديدة توحي بوجود رسائل تركية محددة باتجاه أبو ظبي أو تغيير في لغة الخطاب الإعلامي.
ويعتبر الإعلام من أبرز تجليات الخلاف بين تركيا والإمارات، حيث تشن وسائل الإعلام الإماراتية (مثل سكاي نيوز) حملات إعلامية واسعة ضد تركيا منذ سنوات وصلت ذروتها في الأسابيع الأخيرة، كما توجه وسائل الإعلام التركية المختلفة انتقادات حادة للإمارات ودورها في المنطقة، ومن شأن أي تقارب حقيقي بين البلدين أن ينعكس على شكل تراجع في الهجمات الإعلامية المضادة بين البلدين، وهو ما لم يلمسه المتابعون حتى اليوم.
ورغم عدم وجود إشارات رسمية من تركيا بعد، فإن الرغبة التركية في تجاوز الخلافات مع أكبر قدر ممكن من دول المنطقة هي رغبة معلنة صرح بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي بدأ مؤخراً بإطلاق رسائل إيجابية مختلفة شملت الإدارة الأمريكية الجديدة والاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، حيث يسعى أردوغان لتحقيق الاستقرار السياسي والعودة للدبلوماسية في المنطقة عقب سنوات من العمل العسكري، وذلك في مسعى لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
هذه الرغبة ظهرت بشكل واضح مؤخراً، عندما أعلن أردوغان نهاية العام الماضي حملة تعيينات واسعة للسفراء الأتراك حول العالم، وشملت تعيين سفير تركي جديد في الرياض، وتعيين سفير في أبو ظبي خلفاً للسفير الذي سحب مؤخراً عقب تصاعد الخلافات بين البلدين.
وإلى جانب ذلك، يعتبر الاقتصاد من أبرز ملفات التعاون بين البلدين، حيث تصنف أبو ظبي بالفعل من أبرز الشركاء الاقتصاديين لتركيا في المنطقة ولم يتأثر التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة رغم الأزمات السياسية المتلاحقة التي عصفت بالعلاقات بين البلدين، كما أن العلاقات الدبلوماسية والسفراء لم يتم المساس بها باستثناء سحب السفير التركي لفترة قصيرة من أبو ظبي.
وفي عامل مساعد آخر، يعتبر تراجع الخيار العسكري في ليبيا إلى درجة كبيرة وتصدر المسار السياسي دافعاً مهماً لإمكانية طي جانب من الخلافات التركية الإماراتية وذلك عبر الاتفاق على دعم المسار السياسي، حيث كان الملف الليبي من أخطر حلقات الخلاف بين البلدين في السنوات الأخيرة، كما أن التهدئة في نزاع شرق المتوسط وتراجع التدخلات الإماراتية في هذا الملف يمكن أن يدفع أيضاً نحو التقارب المنشود.
إلا أن ذلك لا يعني سهولة إنهاء كافة الخلافات بين البلدين، حيث يعتبر ملف دعم المعارضات العربية واستضافة تركيا لقيادات وعناصر تنظيم الإخوان المسلمين من أصعب هذه الملفات، وهو ما لا يعرف حتى الآن كيفية التغلب عليه. في المقابل يرى محللون أنه يمكن حل هذا الخلاف على نفس الطريقة التي جرى فيها حل هذه النقطة مع قطر التي تستضيف هي الأخرى على غرار تركيا قيادات وعناصر من تنظيم الإخوان المسلمين، وذهب البعض إلى أبعد من ذلك للحديث عن إمكانية أن تلعب قطر دوراً إيجابياً في المصالحات الخليجية مع تركيا لا سيما عقب تصريح وزير الخارجية القطري الذي أعرب فيه عن استعداد بلاده للعب هذا الدور.
وتشير تقديرات في تركيا إلى أن الإمارات باتت تخشى العزلة عقب المصالحة الخليجية والتقارب التركي السعودي المحتمل وقدوم الإدارة الأمريكية الجديدة، وبالتالي زادت رغبتها في إنهاء الخلافات مع تركيا وفتح صفحة جديدة من التعاون مع اقتناعها المتزايد بصعوبة معاداة تركيا التي أثبتت قوتها الإقليمية عقب العمليات العسكرية في سوريا وليبيا وأذربيجان وشرق المتوسط.