كثير من الدراسات والمقالات والكتب، صدرت وسُطرت عن التلفزيون المصري.. المبنى والمعنى، لكن قليل منها هو الذي أصاب المعنى المُستهدف، واقترب من عالم الخيال والأسرار، ولعل الدراسة القيمة المعنونة بـ«التلفزيون.. ذلك المجهول» التي أعدها الإعلامي والكاتب دويدار الطاهر، وصدرت في كتاب من الحجم الكبير، عن الدار للطباعة والنشر قبل فترة، كان لها أثر في تحديد السياقات المهمة المُتصلة بالنشاط الفعلي للتلفزيون العربي، الذي تحول اسمه مع بداية العصر الساداتي في سبعينيات القرن الماضي إلى التلفزيون المصري، لتبدأ أولى مراحل التغير الجذري في طبيعة الرسالة الموجهة عبر القناتين الأولى والثانية، قبل أن تُضاف إليهما القناة الثالثة المحلية، وتتعدد المحطات عبر مراحل التطور الفضائي، وإطلاق الأقمار الصناعية، فتزداد أهمية الرسائل الإعلامية وتخرج عن السيطرة.
الكتاب الذي يقع في 208 صفحات حدد الكاتب محاوره بدقة في عدة أسئلة طرحها على القارئ مُستفسراً.. هل التلفزيون وسيلة لنقل الفنون؟ أم إذاعة مرئية؟ أم تراه سينما مع إيقاف التنفيذ؟ أم أنه فن مُختلف له كاتبه وموضوعه ونصه وأشكال برامجه الخاصة والمتخصصة؟
وهنا يخرج دويدار بالأسئلة من خصوصية التلفزيون المصري إلى عمومية المفهوم المتصل بالدور الرئيسي لكل تلفزيون، يؤدي دوره المرئي والمسموع ويشكل رؤية الجماهير ووعيهم، بحسب الرسائل الموجهة إليهم وطبيعة أشكالها ومضامينها والهدف منها، وهو ما يجعل حيز القضية الجدلية أكثر اتساعاً، ويُضاعف من الأسئلة المراد طرحها للإجابة عليها بشكل علمي يُحيط بكل الجوانب والزوايا، فلا يتبقى ما يثير الدهشة أو الحيرة حول محددات الدور الإعلامي، في ظل تعدد النوافذ وشراسة المنافسة، التي تحتم الخروج عن النسق الصحيح للرسالة المصورة والمرئية، وتنحرف بها إلى هاوية التجارة والترويج، وتُفقدها موضوعيتها أمام إغراء الاستقطاب وسطوة الإعلان، التي صارت تتحكم في طبيعة الشكل والمضمون والجوهر، وتذهب بالمنظومة الإعلامية برمتها إلى ذلك المجهول المخيف، الذي يشير إليه الكاتب، ويصدره في العنوان كهاجس يشغله ويُقلقه، ويُشكك في أهداف التلفزيون ونتائجه.
في تصدير مهم قبل الدخول في عمق المضمون يورد المؤلف الكلمة المأثورة للكاتب الفرنسي بيير ليجندر إذ يقول: إن كل ما هو رمزي ويجعلنا آدميين يتم التخلي عنه بهدوء.. وهي إشارة ذكية إلى ما يثار من أقاويل وشائعات حول عقد النية لتصفية التلفزيون وتفريغه من محتواه الإعلامي ومواده الأرشيفية، ليبقى مجرد بناء تاريخي يرمز فقط إلى مراحل سابقة من التنوير والتثقيف، وهو ما يخشاه العاملون، الذين أفنوا حياتهم من أجل رسالتهم الإعلامية، وتحملوا الشاق والصعب، ليظل المبنى العريق العتيق كائناً وقائماً كصرح له قيمته ومكانته ودورة الإعلامي الرائد، قبل ظهور المحطات الفضائية بأزمنة وعقود.
وتحت عنوان اغتصاب الذاكرة يذهب دويدار الطاهر إلى مدارات قياسية بعيدة للقياس التكنولوجي والتطور العلمي السريع لوسائل الاتصال الحديثة، مُعرباً عن قلقة من هيمنة النظم التقنية وسطوتها، لافتاً النظر إلى صعوبة المنافسة وخطورتها على وسائل الإعلام التقليدية، التي بات دورها يتراجع تدريجياً، بعد الفتوحات العالمية للميديا، والاستخدام الفردي والجماعي لآليات التواصل الحديثة، على مستوى الصوت والصورة، مُرجعاً ذلك إلى العولمة كمنهج آخذ في التنامي، ومُنذر بعواقب كارثية، من شأنها أن تُصيب الهوية العربية ذاتها في مقتل، وتؤدي إلى التحلل التدريجي من القيم الإنسانية، وتطيح بالمبادئ العامة للثقافة والفكر، فلا يتبقى إلا النمط الاستهلاكي كمكون رديء للمُحصلة النهائية في شتى المجالات الحيوية المختلفة.
وتؤكد الدراسة الإعلامية مُتعددة الأبعاد على عدة مرتكزات جوهرية من أهمها، الوجود العربي الذي هو بالأساس وجود ثقافي لأنه تولد من المُدركات الجماعية، التي أحاط بها العقل بفعل اللغة والدين والتاريخ والعادات والتقاليد، وغيرها من الموروثات العربية والإسلامية، حتى إن اختلفت هويات الأوطان العربية، تبعاً للمُدركات الذاتية لكل وطن على حدة.
ويضيف الكاتب إلى هذه الأبعاد بعداً مهماً يتمثل في ارتباط النهضة العربية في العصر الحديث بحدثين مؤثرين، أولهما محاولة استلاب فلسطين وزرع كيان استعماري داخل أراضيها، ثانياً تفجير الثروة البترولية وتراكم عائداتها الهائلة، وهذان الحدثان كانا يستوجبان إعمال العقل العربي للتصدي، لكن غياب الحقيقة التاريخية، وعدم النظر إلى تعدد الأشكال الاستعمارية، وتغير سياساتها القديمة من احتلال الأرض إلى احتلال العقول والثقافات والمعلومات والاقتصاديات، أدى إلى تعاظم مكامن الخطورة، في تطور نظم الهيمنة ونفاذ الخطط المُحكمة إلى العمق الاستراتيجي، الهادف إلى السيطرة على المقدرات الفعلية للشعوب العربية.
ويتنوع محتوى الكتاب التلفزيوني الشامل لمؤلفة دويدار الطاهر، فيخرج عن إطار القضية الإعلامية، لنرى أوجه التميز مُتضمنة في بعض العناوين ذات الصلة مثل فن كتابة السيناريو ـ الفيلم التسجيلي واتجاهاته ـ مذكرات وأبحاث درامية ـ لغة الصورة في السينما المعاصرة، وغيرها من أدوات التأثير ودلالاته، حيث تتشكل الرؤية النهاية للكتاب والكاتب، عبر مستويات العرض ومجالات النقاش والجدل والتحليل.
كاتب مصري