«موسيقى الحجرة» هي موسيقى للعزف في مكان ضيق، أو في حجرة، وهو عنوان وسم به الكاتب الشهير جيمس جويس مجموعته الشعرية اليتيمة. وجويس بدأ شاعرا قبل أن يتحول إلى روائي عظيم، خرج من معطفه جل روائيي العالم الكبار في القرن العشرين. ولهذا العنوان قصة طريفة: فقد كان أحد أصدقاء جويس يقضي وقتا ممتعا، كلما دعته الحاجة، في بيت أرملة شابة. وذات يوم اصطحب معه جويس إلى البيت. كان جويس قد حمل معه قصائده وزجاجات من البيرة. وفي لحظة انتشاء، أخذ ينشدهما قصائده؛ وكان صاحب صوت غنائي جميل. حتى إذا أتوا على الزجاجات كلها، انتحت المرأة ركنا من الحجرة؛ لتقضي حاجتها، خلف ستار في مبولة حجرة النوم. وفجأة صدر عنها صوت رن في الحجرة؛ عندما أطلقت الريح. وإذا بصديق جويس يصيح ساخرا: «الله، إنها لذواقة للشعر، ألم تسمع صوت تذوقها لقصائدك؟» وعقّب جويس ببداهته المعروفة:»ذواقة أم لا.. لا يهم.. لقد وهبتني عنوانا لكتابي. سأسمي قصائدي: موسيقى الحجرة».
عدت إلى هذه القصة، لا لطرافتها فحسب؛ وإنما لأن كثيرا من الشعر قديما وحديثا، يمكن أن يُحمّل على هذا النوع من الموسيقى التي هي أقرب إلى ما كان يسميه ميخائيل نعيمة «الشعر المهموس» مثلما يمكن أن يحمّل على نوع من الهذر والتخليط والوسواس، بمصطلحات العرب القدماء. وكانت حجتهم لذلك، وهم الذين لم يطالبوا الشاعر بأن يكون صادقا؛ أن الشعر عند أهل العلم به هو «حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورَد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له، وغير منافرة لمعناه؛ فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق، إلا إذا كان بهذا الوصف».
وحاصل كلامهم أنه لابد من صحة المعنى وصحة التأليف؛ وهذه الثانية رهن باجتناب الحشو وفضول الكلام، لأن الكلام إذا «استعمل منه فوق الحاجة خرج إلى الهذر». ومن المفيد أن نتنبه إلى أن الزيادة ليست كلها حشوا ولا فضول كلام ولا اتكاء كما سماها بعضهم، فـ»قد يأتي في حشو البيت، ما هو زيادة في حسنه، وتقوية لمعناه». وذكر ابن رشيق من ذلك التتميم والالتفات والاستثناء؛ وإنما الحشو أن يكون في داخل البيت من الشعر لفظ لا يفيد معنى، ولا فائدة فيه.
وتمثل لذلك بقول أبي تمام يصف قصيدته :
خُذْها ابنةَ الفكر المهذبِ في الدجى والليلُ أسودُ رقعةِ الجلبابِ
وكانوا عاب عليه هذا البيت، وقالوا: قوله «في الدجى» وقوله «والليل أسود رقعة الجلباب» شيء واحد. وقال ابن رشيق:»الدجى» حشو، لأن في القسيم الثاني ما يدل عليه من زيادة استعارتين مليحتين، فإن لم يكن في القسيم الأول حشو كان القسيم الثاني بأسره فضلة».
يعنينا مما تقدم أن صحة المعنى عند القدامى، تضطرب ما اضطربت صحة التأليف، أو زاد الكلام على الحاجة أو نقص عن التمام؛ فلا زيادة ولا نقص فالشاعر ملزم أن يتنخل عبارته بغربال اللغة، وكأنه يقيسها بالفرجار. فإذا عدم الشاعر هذه الخلال، ولم يضع الألفاظ في مواضعها، ولم يستعر للشيء ما يليق به، خرج الكلام إلى الهذر أو صار مبتورا؛ لأن البلاغة في عرفهم: «إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصانا يقف دون الغاية». وفي سياق كهذا يمكن أن نفهم عبارات مثل «التخليط» و«الوساوس» و«الهذر» تتردد في غير موضع من مدونة النقد القديم. من ذلك قول الآمدي في خاتمه تحليله الاستعارة المكنية التخييلية في:
مقصرٌ خطواتِ البث في بدني علما بأنيَ ما قصرتُ في الطلبِ
«وبعد فإن أعجب الوسواس خطوات البث في البدن».
أو قوله متهكما، بعد أن توسع في شرح البيت وفي توضيح»التخليط» في مصراعيه:
جارى إليه البينُ وصْلَ خريدةٍ ماشتْ إليه المَطْلَ مشيَ الأكبدِ
«فيا معشر الشعراء والبلغاء ويا أهل اللغة العربية: خبرونا كيف يجاري البين وصلها؟ وكيف تماشي هي مطلها؟ ألا تسمعون؟ ألا تضحكون؟».
هذه الأمثلة وغيرها مما استوقف الآمدي وغير الآمدي من القدامى، تنضوي عندهم إلى خطاب يمكن أن نصفه بـ«غير النافع» أو بـ«الهذر» أو «اللغو» عديم الجدوى. وليس لنا إلا أن نتقبل هذا الوصف الذي يسبغه الآمدي على استعارات وصور غير قليلة في شعر أبي تمام؛ لأن المسألة لا تتعلق، من زاوية التلقي، بفهم صحيح وآخر سيئ أو خاطئ، كأن نقرر أن قراءة أبي العلاء أو المرزوقي أعمق من قراءة الآمدي، أو أدق، فلسنا بصدد المفاضلة بين قراءة وأخرى، فضلا عن أن مقارنة كهذه، تعيدنا إلى مقولة الخطأ/ الصواب القديمة وما يتعلق بها من أحكام القيمة، وتجعلنا نأتي الشعر من الباب الذي أتوه، بل إن ما ينأى بنا عن هذه المفاضلة أن المبادئ النقدية العامة، التي صدر عنها القدامى تكاد تكون هي ذاتها في مدونة النقد والبلاغة والإعجاز. وربما ساق بعضهم البيت تمثيلا لما يستحسن أو ما يستقبح، وأصدر حكمه الجمالي بدون تفسير أو تعليل. وربما أصدره بعضهم معللا أو اتخذوا موقفا وسطا، وراوح بين حكم مجرد طورا وآخر معلل تارة. و«الموازنة» إنما تنضوي إلى هذه الطريقة؛ ويمكن أن نلتمس فيها الأسس الجمالية التي بنى عليها الآمدي أحكامه النقدية. وهي أسس تتكرر بشكل ملحوظ في مدونة القراءة التي نحن بها، ويكاد الفارق بين قارئ وآخر لا يتعدى في الأغلب الأعم، الحكم أو حد مصطلح لم يستقر عند البعض، وتثبيته.
الحكم الجمالي عند القدامى، قائم على أساس «الجمالية النفعية» حيث الجميل أو الحسن لا يستقل بجماله أو حسنه عن «النفع» أي حصول الفائدة المعنوية. وهي فائدة لا تتحصل إلا «بخلتين» واجبتين في شعر كل شاعر، هما صحة التأليف وصحة المعنى.
وأقدر أن ضم تفاريق «النظرية النقدية» القديمة، وإعادة قراءتها في ضوء ما استجد من نظريات أدبية حديثة، من شأنه أن يوقفنا على العلة في استعمالهم كلمات مثل «الوسواس» و«التخليط» و«الهذر» أو ما أسميه تجوزا «موسيقى الحجرة؛ من أجل فهم الجوانب الخفية في إنشائية الخطاب الشعري قديما وحديثا. ومن محاسن النقد القديم أنه لم يقم في أي طور من أطواره على أساس أخلاقي أو ديني. وقول الأصمعي: «الشعر نكد، بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف» أو قول قدامة بن جعفر، غير حافل بالناحية الأخلاقية أو «المعنى الفاحش»: «وليس فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه، كما لا يعيب جودة النجارة في الخشب رداءته في ذاته» أشهر من أن أذكر به.
إن الحكم الجمالي عند القدامى، قائم على أساس «الجمالية النفعية» حيث الجميل أو الحسن لا يستقل بجماله أو حسنه عن «النفع» أي حصول الفائدة المعنوية. وهي فائدة لا تتحصل إلا «بخلتين» واجبتين في شعر كل شاعر، هما صحة التأليف وصحة المعنى. ويتضح من كلامهم أن الألفاظ ليست حسنة في ذاتها، وإنما هي حسنة عندما تكون في مواضعها، وقبيحة عندما تكون في غير مواضعها. وهذا إقرار منهم بأن صفة الحسن موضوعية مستقلة عن الشاعر. يقول الآمدي: «وليس العمل على إرادته (الشاعر) وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه» أي إدارتها على جهة من التأويل السائغ المستفاد من النص، المقيد بأحكام اللغة وعادة الاستعمال فيها، وما تجوزه من صور التحول.
على أن استخدام الآمدي صيغة الحصر في حد الشعر: «وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها.»..، هو ما يجعل فهم «المهموس» في الشعر أو «المضمر» أو «العزف الخاص» متعذرا على أصناف من القراء. من ذلك أن الصفات التي يشترطها، صفات عامة وليست مما يختص به الشعر دون سائر أنماط القول. وعليه فإن حكمه على بعض استعارات أبي تمام بأنها «قبيحة» أو «سخيفة مسترذلة» أو «وسواس» و«تخليط» و«هذر» لا سند له في الظاهر إلا ذوق شخصي يدعمه حكم تاريخ ورؤية دينية لا غير.
من ذلك أن المعرفة بصناعة الشعر، تقتضي من الناقد أن ينظر «ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض «فإنْ عرف علة ذلك فقد علم، وان لم يعرفها فقد جهل». ولم يذكر الآمدي من هؤلاء الشعراء إلا شعراء الجاهلية والطور الإسلامي الأول، لما أسبغه التاريخ أو الأسطورة عليهم، من هالة ووضاءة من جهة، ولأن الحكم عليهم، صدر عن شخصيات قوية «الأئمة في علم الشعر» من جهة أخرى. والحكم التاريخي حكم مطلق نسبي في آن؛ إذ هو لا يأبه للانقلابات الحاصلة في هيئة الشعر زمانا ومكانا؛ حتى وهو ينشد في حجرة ضيقة.
شاعر وناقد تونسي