رئيس المفوضية الأوروبية يؤكد ضرورة وجود مؤسسة مستقلة لمراقبة انضباط موازنة دول منطقة اليورو باريس ـ بروكسل ـ ا ف ب ـ رويترز: تعقد في ستراسبورغ الخميس قمة مصغرة تجمع نيكولا ساركوزي وانغيلا ميركل وماريو مونتي وتشكل مناسبة لرئيس الوزراء الايطالي الجديد لطمأنة الرئيس الفرنسي والمستشارة الالمانية بشأن الجهود التي تبذلها بلاده للاسهام في وقف انتقال عدوى ازمة منطقة اليورو.
وبحسب القادة الاوروبيين الثلاثة، فان المسألة تتعلق ـ’تسريع’ خطة انقاذ منطقة اليورو عبر زيادة الانضباط المالي في الدول الاعضاء السبع عشرة لتجنب وصول الازمة الى كل من ايطاليا او اسبانيا وانتشارها لتشمل منطقة الاتحاد النقدي بكاملها. والهدف في الجانب الفرنسي مضاعف استنادا الى رغبة الرئيس ساركوزي قبل خمسة اشهر من الانتخابات الرئاسية في فرنسا، في المحافظة على التصنيف المالي لبلاده عند درجة ‘ايه ايه ايه’ والذي يسمح له بتمويل ديونه باقل كلفة ممكنة. وهذا التصنيف تستحقه فرنسا، لكنه قد يتهدد اذا ما تفاقمت الازمة، كما حذرت وكالة التصنيف الائتماني فيتش الاربعاء. اما المانيا، اكبر قوة اقتصادية في الاتحاد الاوروبي، فلها مصلحة هي الاخرى في عدم ترك جيرانها، وهم ابرز شركائها التجاريين، غارقين تحت الديون اذا ارادت ان تحافظ على نموها الاقتصادي. وفي حين وصف رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون هذا اللقاء الثلاثي بانه ‘لقاء مهم’، حرص نظيره الايطالي على التقليل من شانه. وقال انه ‘لقاء غير رسمي، لقاء عمل’ من دون ‘جدول اعمال محدد له’. يذكر ان نائب رئيس المفوضية الاوروبية السابق من انصار ادارة اعمال الاتحاد الاوروبي عبر ‘الطريقة المشتركة’ بدلا من طريقة ثنائية فرنسية المانية، منفتحة على بلاده. وعلى اي حال، فان روما مستاءة من تولي فرنسا والمانيا بمفردهما ادارة الازمة، او ما سماه نائب حاكم مصرف ايطاليا المركزي فابريزيو ساكوماني الثلاثاء ‘الادارة المصغرة’. ويرى الايطاليون في هذا اللقاء قبل اي شيء فرصة لهم للعودة الى مسرح الدول الاوروبية الكبرى بعد اخفاقات عهد سيلفيو برلوسكوني. ولبلوغ هذا الهدف، يتعين على ايطاليا التي تقف اليوم على شفير الاختناق بسبب ديون ضخمة بقيمة 1900 مليار يورو، ان تبدي تصميمها على احترام تعهداتها. وينبغي ان تطمئن الثنائي الفرنسي الالماني بشان قدرتها على ضبط حساباتها وتحريك عجلة النمو المتوقف. والثلاثاء في بروكسل ترك مونتي الشك يخيم حول عودة التوازن الى المالية العامة الايطالية للعام 2013، نظرا للتباطؤ الاقتصادي العام. وفي ستراسبورغ، سيبحث القادة الثلاثة في اسلحة مكافحة انتقال العدوى التي تمكن من اخراج منطقة اليورو من الضائقة التي تمر فيها، وبالتالي طمأنة الاسواق: دور متزايد للبنك المركزي الاوروبي وتعزيز صندوق التضامن الاوروبي واستحداث سندات باليورو (تسمح بالتعاون في مجال الديون…). وتضاعفت الضغوط على المانيا في الايام الاخيرة لكي تقبل بقيام البنك المركزي الاوروبي بشراء قروض ـ دولة عائدة للدول الضعيفة، وهو ما تعارضه برلين خشية ان يزيد من حدة التضخم او يضر باستقلالية المؤسسة النقدية. الا ان وزير الاقتصاد الفرنسي فرانسوا باروان اكد الاربعاء ان ‘التجارب الخارجية اظهرت انه لم يحدث شيء من هذا’، مشيرا الى حالات مصارف مركزية اخرى. وترى باريس، انه بالفعل السد الوحيد الموثوق الذي يمكن ان يقف في وجه انتشار عدوى الديون حيث تبين ان القرارات التي اتخذت اثناء قمة منطقة اليورو في 26 و27 تشرين الاول (اكتوبر) لتعزيز الصندوق الاوروبي للاستقرار المالي، معقدة جدا في مجال التطبيق وباتت غير كافية لمساعدة ايطاليا. وافيد في باريس ان برلين والبنك المركزي الاوروبي سيضطران الى التحرك وتغيير موقفهما اذا ما تفاقمت الازمة. وقد اكد الرئيس ساركوزي للتو رغبته في اعادة النظر بالمعاهدات بهدف تحقيق انضباط مالي اكبر، وهو اجراء تتمسك به المانيا، بما يمكن المستشارة الالمانية في المقابل ربما من اقناع بلادها بتغيير موقفها في مسالة تحرك البنك المركزي الاوروبي. ومن جهته قال رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو الأربعاء إنه لا يمكن الثقة في أن حكومات منطقة اليورو ستطبق الانضباط في الموازنة من تلقاء نفسها. وأيد اقتراحا بأن تمارس المفوضية ومقرها بروكسل سلطات الإشراف علي تطبيق الانضباط في الموازنة. وذكر رئيس الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي في بروكسل ‘مع كل الاحترام للحكومات، لا يمكن أن نترك مسائل الإشراف والتطبيق للدول الأعضاء فقط’. وأشار باروسو إلى الحاجة لوجود مؤسسة مستقلة مثل المفوضية لمراقبة الانضباط في موازنات الدول الأعضاء في منطقة اليورو التي تتصرف على هيئة ‘رد الفعل’. وقال ‘شاهدنا تلك المواقف في الماضي حيث لم ترغب حكومات ائتلافية في احترام اتفاقية الاستقرار’ منوها إلى الخطوة الناجحة عام 2005 بقيادة فرنسا وألمانيا لقبول قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن العجز في الموازنة. وانتقدت ميركل الأربعاء’مقترحات”المفوضية الأوروبية’بشأن’طرح مشترك للسندات من جانب حكومة منطقة اليورو الـ17 ووصفتها بأنها ‘غير ملائمة’. وقالت ميركل خلال المناقشة البرلمانية للموازنة الاتحادية الألمانية التي تبلغ 2. 306 مليار يورو (410 مليارات دولار ) لعام 2012 ‘أعتقد أنه لأمر مقلق للغاية و غير المناسب ‘أن تركز المفوضية الأوروبية على سندات اليورو الآن’. وأضافت ميركل إن الرسالة التي سوف ترسلها مثل هذه السندات هي أن الأخطاء الهيكلية للاتحاد النقدي يمكن تعويضها بدمج الديون’. وقالت ‘هذا لن يجدى نفعا’. وقالت المستشارة الالمانية ‘هذا الامر لن ينجح’ لانه من غير الممكن بحث هذه المسألة قبل تحقيق اندماج وثيق اكثر لاقتصادات منطقة اليورو. وعرضت بروكسل ثلاثة خيارات: ‘الاكثر فاعلية بينها’ يقوم على اساس استبدال قروض سندات الخزينة الوطنية التي تصدرها حاليا كل دولة على حدة من الدول الـ17 الاعضاء في منطقة اليورو بسندات الخزينة الاوروبية التي تستفيد من ضمانات مشتركة. والخيار الوسطي سيكون اصدار سندات خزينة اوروبية تستفيد من ضمانات مشتركة لكن لا تغطي سوى قسم من احتياجات اعادة تمويل الدول. اما الخيار الثالث وهو الوحيد الذي لا يتطلب تغييرا للمعاهدة الاوروبية فينص على ان تحل سندات الخزينة الاوروبية جزئيا محل السندات الوطنية والتي سيطلب من كل دولة ان تقدم ضمانات عليها. ووعد المفوض الاوروبي للشؤون الاقتصادية اولي رين بان يرفق اصدار سندات خزينة اوروبية محتملة بشروط صارمة لضبط الموازنة. ومن اجل ذلك تقترح بروكسل تحديدا تعزيز معايير ضبط الموازنة بشكل اضافي في منطقة اليورو بما يتجاوز الاجراءات التي اعتمدها الاتحاد الاوروبي في الاونة الاخيرة والتي تنص على فرض عقوبات مالية على الدول المتراخية كثيرا، بشكل اسهل واسرع بالمقارنة مع ما كانت عليه الحال في السابق. وسيطلب من كل دول منطقة اليورو عرض مشاريعها السنوية للموازنة على المفوضية ومجموعة اليورو- منتدى وزراء مالية الدول الـ17 الاعضاء في منطقة اليورو- في الخريف الذي يسبق اعتماد الموازنة. وهناك كثير من الدول تقوم بذلك اساسا لكن الاجراء سيصبح الزاميا ومنسقا بين الدول الـ 17 في منطقة اليورو. وسيتم درس مشاريع الموازنة الوطنية على المستوى الاوروبي حتى قبل ان تصوت عليها البرلمانات الوطنية وسيمكن لبروكسل ان تطالب بتعديلها اذا كانت لا تتوافق مع ميثاق الاستقرار والنمو. وهذه الالية تحظر عجز الموازنة الذي يفوق معدله 3 بالمئة من اجمالي الناتج الداخلي. اما بخصوص الدول التي وضعت اساسا في اطار اجراء العجز المفرط، فانها ستخضع لرقابة مشددة. وستتمكن بروكسل من فرض ‘قراءات ثانية’ على البرلمانات او تعديلات اذا لزم الامر. ودرجة الرقابة القصوى، التي تعتبر اقرب الى الوصاية، مرتقبة للدول الاكثر هشاشة في منطقة اليورو اي تلك الخاضعة لبرنامج مساعدة خارجية كما هو الوضع حاليا بالنسبة لليونان والبرتغال وايرلندا او تلك التي تواجه مخاطر جدية بعدم استقرار مالي. وستخضع ‘لرقابة وثيقة من قبل المفوضية بالتوافق مع البنك المركزي الاوروبي’. ومشروع الرقابة المعززة هذا سيكون موضع نقاشات محتدمة في البرلمانات الوطنية. وسبق ان اثار جدلا في البرلمان الاوروبي حيث ندد النائب الاوروبي التشيكي يان زاهراديل ‘بشكل من اشكال ديكتاتورية الموازنة تتم ادارتها من بروكسل وفرانكفورت وباريس وبرلين’ رغم ان باروزو اكد الثلاثاء ان اجهزته ستتحرك ‘بشكل يحترم بشكل كامل الصلاحيات الوطنية’. وتعتبر المانيا من جهتها انه يجب الذهاب ابعد في مجال ضبط الموازنة وان ذلك يتطلب تغييرا للمعاهدة. وقال وزير المالية الالماني وولفغانغ شوبل الثلاثاء ان المفوضية ‘تستخدم كل هامش المناورة الممكن بدون تغيير المعاهدة، لكننا نعتقد ان ذلك غير كاف’. وتريد برلين خصوصا اعطاء محكمة العدل الاوروبية صلاحية اطلاق ملاحقات بحق الدول المتراخية جدا واعطاء صلاحيات لمفوض اوروبي اعلى لكي يتدخل في شؤون الموازنة للدول التي تتعثر ماليتها العامة.