قد يجد القارئ ـ في العبارات التي اختارتها الأردنية فداء الحديدي تذييلا على الغلاف الأخير لمجموعتها القصصية «رجل في مكر امرأة» (بيروت: 2019) ما يلقي الضوء على دلالات هذه القصص «لا يعرف بأنني امرأة قاسية. أنثى متمردة. أعرف متى تستكين الأنثى داخلي. متى أحن إلى الهدوء. ومتى أخرج أنثى ثائرة حد الجنون. هو لا يعرف أنني امرأة تهوى الاقتحام متى تريد. وأهوى الانتقام عندما يحين».
فالقصص العشر التي تتألف منها المجموعة تشبه تقاسيم متكررة على وتر واحد هو الأنوثة، والأنثى المتمردة، أو تلك التي تتعرض للطعنات المتلاحقة من الرجل الذي يتغيب عامدا، فيما هي تتوق لحضوره، أو يقصيها عن اهتماماته، فيما هي تسعى لإسعاده، أو تقديم المساعدة له والعون عند الضرورة. ففي القصة الأولى «شموعٌ تحترق» صورٌ من العناد الذي تتمسك به المحامية (ياسمين) في مواجهة الشاب العشريني (كارم) الذي اكتشف بعيد رحيل والده الثري، أنه ترك وصيته لدى هذه المحامية. وهي الوصية التي يعهد إليها فيها بالإشراف على ودائعه في المصارف سحبا وإيداعا. ومع أن كارما هذا معروف بطيشه، وعدوانيته تجاه الآخرين، إلا أن ياسمين لا تخضع لا لتوسلاته، ولا لدسائسه ومؤامراته، فما كان من موقفها الصلب هذا إلا أن أضعف هذا الشاب، الذي يظن نفسه سلطانا، وشرع جسمه النحيل بالذبول يوما بعد يوم. ولم تفده الصفقة المشبوهة، التي أبرمها مع تاجر فرنسي، إذ تبين في اللحظات الأخيرة أنه وقع في الفخ، الذي نصبته له المحامية ياسمين التي استولت على ما كان يود تهريبه لذلك التاجر، مقابل شيك بـ700 دولار. فكانت الصدمة أكبر من أن يحتملها هذا الرجل الذي تغلبت عليه ياسمين بما لديها من دهاء ومكر.
وترى (نجلاء) في قصة بعنوان «حبيبتي الغائبة» في نفسها، هي الأخرى، نموذجا للمرأة الصارمة، والأنثى المتمردة، التي لا تضعف عزيمتها، ولا تلين. فهي تعمل في دار المسنين، وتستمد شخصيتها القوية من رعايتها لوالدها الطاعن في السن. وتحرصُ عليه حرص الأم الرؤوم على طفلها في كثير من الحنان. ولا تفتأ تكرِّر لو لم يكن أبي في حاجة لرعايتي لأصبت بالجنون. وهذه الرعاية تتخطى دائرة الذات إلى رعاية الآخر، فهي ترعى أيضا الجار المسن، وترعى نزلاء دار المسنين، وتقوم إلى جانب ذلك بغير قليل من الأعمال: دراسات، وأبحاث، وإجراء الصيانة اللازمة لمرافق الدار، والمتحف الملحق بها. وفي الأثناء تظهر شخصية جديدة في فضاء النص. «زائر جديد.. من غير مقدمات يجلس بقربي». وظهور هذا الزائر يترتب عليه تحول جذري في بنية القصة، إذ ينصبُّ تركيز الساردة على التوقعات التي تداعب خيال الفتاة (نجلاء) وهي تخيلات تبتعد بها عن الواقع، إذ تظن في هذا الزائر الأنيق رجلا معجبا بها، بل محبا لها شديد الوله والعشق. والدليل على ذلك تظاهرُهُ في إحدى الزيارات بنسيان معطفه الجلدي ليعود ثانية بذريعة استعادة المعطف، لكن الهدف الحقيقي هو اللقاء بنجلاء التي ما تزال تعيش، وتحلق، بنسيج خيالي يتألف من حكاياتٍ، وقصص عن العشق الذي تقودُ إليه مصادفاتٌ عابرة. ويظل الشابُ، الذي يعمل في صحيفة أخبار شارع الثقافة، يراسلها عبر مقالاته المتكرّرة، بطريقة غير مباشرة، ومُلْغزة. فهي وحدها التي تدرك بأن ما يبعثة من أشواق لها مخبوءٌ بين سطوره، وفي مقالاته التي يكتبها بحنكة واحتراف. لكن الشاب الذي لم تذكر اسمه اختفى فجأة، انقطعت أخباره، وتوقفت مقالاته عن الظهور في مواعيدها المحددة، وهاتفه المحمول لا يجيب على الرغم من أنه غيرُ مُغلق. أعياها البحث والسعي لمعرفة سر تغيُّبه هذا. تحاول الاتصال بالصحيفة فيخبرونها بعزوفه عن الكتابة، وأنه لا يرسل إليهم مقالاته كالعادة. ثلاثون يومًا هي المدة التي استحوذ عليها فيها القلق، ليتضح أن ما كانت تظنه حبًا لا يتعدى الوهم العذب، والحلم الرائع، الذي عاشته أياما بلياليها، فقد ظهر أخيرا في سيارته، وإلى جانبه سيدة في ملابس أنيقة. وكانت الصدمة كبيرة إذ اكتشفت أن هذه السيدة زوجته. نجلاء – إذن – وقعت ضحية الخداع، والمكر، أو هذا ما تظنه على وجه الحقيقة. فالزائر الذي لوح لها بالطعم، وعلقت به الصنارة، هو المسؤول في رأيها عما جرى لها وأصابها من قلق. والسؤال هو: هل كان هذا الصحافي مسؤولا فعلا عما أصيبت به من خيبة مرة، لا تجيبنا القصة عن هذا التساؤل، وإن كان الواقع يجيب عنه، واقعُ هذه الفتاة التي شغلها حبّ والدها عن الحب بمعناه الذي يجمع بين الذكر والأنثى.
وفي «الموعد الأخير» يتعرف القارئ على امرأة من نوع آخر، فهي الفاتنة بثوبها النيلي المرصَّع، التي ما برحت أن أصبحت زوجة (جمال) رجل الأعمال الثري. يسافر إلى باريس ويقضي أياما عالقا في مفاوضات، قدّم فيها الكثير من التنازلات المؤلمة للآخرين، بلا فائدة. وفي اللحظة الحرجة يتذكر أنّ زوجته (ليانا) محامية بحجم الدنيا، وتجيد فن التفاوض، وحلّ النزاعات. ويتردد قبل الاتصال بها، فقد كان عرض عليها مرافقته إلى باريس، ولكنها رفضت بشدة، بحجة أن لديها التزامات اجتماعية كثيرة لا تستطيع التحلل من تبعاتها. علاوة على أنه يعرف صعوبة السفر إلى باريس في هذا الوقت القصير الضيق، وعلى الرغم من ذلك اتصل، فجاءه الرد سريعًا «عند الساعة السادسة صباحًا أصل باريس» وكانت صدمة التجار الأربعة كبيرة عند مشاهدتهم لها في الاجتماع. وازداد نقرُ الأصابع على سطح المنضدة تعبيرا عن التوتر. وعلى الرغم من أن الاجتماع مُدِّد مرارا، وطال وقته كثيرا، إلا أن ذلك لا يهم، ما دامت النتيجة مكسبًا لم يتوقعه جمال، ولا توقع ما يسفر عنه من أرباح ومنافع. تلك واحدة من المناسبات التي أثبتت فيها ليانا، بصفتها امرأة، قدرتها على تحقيق المعجزة التي يعجز عنها الرجل بدهائه ومكره.
لا تكتفي فداء الحديدي من قصصها هذه بوحدة المآل الذي تنشده للأنثى، ولكنها أيضًا تُضفي عليها من أساليب السرد ما يضمن لها وحدة التشكيل الفني الأدبي.
مكرُ النساء إذن لا يقلّ عن مكر الرجال، إن لم يزد عليه ويتفوَّق. ففي قصة «امرأة في حياتها أسير» تستغرب الساردة (نايا) عدم فهم الدكتور ناجي لها بصفتها أنثى غير طيِّعة، ولا شديدة الإذعان. تقول في مونولوج داخلي: احذرني أيها الرجل. من أنت لتعاملني بتلك الطريقة؟ ثم «سوف أجعله يندم على معاملته القاسية لي» وأخيرًا تتغلب على العقبات التي واجهتها في الطريق. ستة أشهر من البحث والإصرار انتهت بالعثور على ما تريده من معلومات، ووثائق، لتحرير الأسير المعْتقل، أو المُخْتطف، بكلمة أدق. وسرعان ما حجزتْ مقعدًا على أول طائرة إلى حيث يمكن تحريره من الأسْر. لقد تمتعت نايا في القصة بإرادة حديدية، لقَّنت الدكتور ناجي درسا في الإصرار والتحدي. فالأنثى ها هنا ليست ضعيفة، ولا اتكالية، فهي تنتزع ما تريده بنفسها، ولا تنتظر من يمنّ عليها بالمساعدة.
ويتكرَّرُ ـ مثلما قلنا- الإلحاحُ ذاته على الإرادة الصلبة، والمتينة، التي تتمتع بها فتاة فقدت أمها قبل أسابيع، وتنتظر أن يبعث لها الله بشريك العمر بلا شروط. ذلك الذي سبق لسماح صديقتها أن حدثتها عنه، في إشارة للزواج منه، فهو قريبها الذي تعرفه عن قرب. بيد أن اللقاء الذي جرى ترتيبه بين سيرينا ـ بطلة القصة ـ والشاب، تمخّض عن مفاجأة صُدمتْ بها سيرينا، فأسئلته تثير الاشمئزاز، إذ كان همه الوحيد في اللقاء أن يعرف كم هي مصروفاتها اليومية، وكم مرة تتناول اللحوم في الأسبوع. فهو بخيل إلى درجة الشحّ، ولهذا لم يترك لها فرصة الرفض «والمفاجأة أنه هو من رفضني. لا يستطيع تحمّل مصروفاتي» لم تكن حجته تلك الصدمة الوحيدة التي تتعرض لها سيرينا بعيد وفاة الوالدة. فأفراد الأسرة تفرَّقوا، الأب، والأخ ثائر، والشقيقة سارة، كل منهم مضى في سبيله إلا هي. ويزيد الطين بِلّة ما اكتشفته في شخصية صديقتها سماح، تلك التي دعتها للقاء في منزلها، وتبين أنها تراجعت عن الدعوة بطريقة مهينة، ومُزْرية، بالمعنى الحقيقي. وبدلا من أن تشعر سيرينا بالأسى لهذا ترى في ذلك سبَبًا للسَعادة، فذلك اليوم الذي سقط فيه القناع أسعد أيام الحياة. ذلك أنها اكتشفت ما يخفيه الآخرون، واستطاعت أن ترى في اللقاء الذي لم يتم ضوءا يُظهر ما يحاول الآخرون إخفاءه، وهذا يعقبه الشعور بالسعادة، سعادة الواثق بنفسه لا الطيّع المتأثر بالخذلان.
لا تكتفي فداء الحديدي من قصصها هذه بوحدة المآل الذي تنشده للأنثى، ولكنها أيضًا تُضفي عليها من أساليب السرد ما يضمن لها وحدة التشكيل الفني الأدبي. فحيثما قلّب القارئ نظره ألفى الأنثى هي الساردة، وهي أيضًا التي تقع عليها الأضواء من علٍ، فتنير جوانبها من كلِّ النواحي، لا من جهةٍ واحدة. هي التي تروي وهي التي تحتل موقع الراوي عنه. وتتلاعب الكاتبة بالخِطاب، فتارة يغلب عليه ضمير المتكلمة، وطورًا تنتقل من هذا إلى ضمير الغائب، فيتنحى الراوي المُمَسرح لغيره، ويغدو الحديث عن المرأة جليًا باستخدام ضمير الغائبة المفردة، ولا تفتأ تنقلب مرة أخرى للراوي المُمَسرح، الذي يحكي الحكاية بضمير المتكلم، وهذه المراوحة تبدد الشعور بالرتابة عن القصص. وبصفةٍ خاصة القصص التي ترصدُ فيها المشاعر الداخلية للأنثى بعبارات قصيرة، مجزأة، قد تكون الكلمة الواحدة بمنزلة جملة تامة. عدا عن هذا تتجَّنب استخدام حروف العطف، ما يبعث في السرد ديناميكية خاصة بالتصوير المشهدي، لذا يشعر القارئ بوجوده أمام شريط يعرض الحكاية تارة بالتصوير السريع، وطورا بالبطيء، وطورا ثالثا بالطبيعي. ولو أنَّ القصص وجدت من يعيد النظر فيها مُحررًا منقحًا لخلت من بعض الهنات اللغوية القليلة التي لا تنتقصُ من هيبة السردِ، وجمالياته.
ناقد من الأردن