من الصعب جدا ضبط التوصيف المفهومي للعدالة والقانون، وحتى صعوبة ضبط التداول الديمقراطي لهما في مجالات الحقوق، وفي المصالح، والسبب يعود في ذلك إلى السلطة، بوصفها القوة الخفية التي تملك الحق العمومي للتوصيف والسيطرة والمراقبة والعنف والثروة، مثلما تملك التأثير في صياغة النسق الحاكم لتطبيقاتها في الفعاليات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية، وبالتالي التأثير في السياق الذي تتحرك فيه.
التحولات الحادثة في العالم المعاصر تكشف عن هذا المأزق، وعن طبيعة القوى الجديدة التي تعوّق تطبيق العدالة، وتعزل ما هو إنساني وأخلاقي عن القوانين، حتى بدت الصراعات والهيمنات وكأنها محاولة للعودة إلى ما يشبه القرون الوسطى، حيث تمثل ثنائية السلطة والكنيسة القوة والمقدّس، واليوم تتبدل الأدوار التمثيلية، عبر ثنائية السلطة والرأسمالية التجارية، التي أسهمت في تغويل «القوة البشعة» للأصوليات والنزعات الشعبوية، وعلى نحوٍ فاضح في التسلّح، وفي الاحتكار، وفي فرض سياقات ضاغطة على الإدارة والسوق والتعليم، والصحة، وحتى في تمثيل هوية القوى الفاعلة في المجتمع، لاسيما وأن تداعيات الأزمات الصحية والمالية، قادت إلى نشوء نوع من الدوغمائيات الداعية إلى العنف، والعنصرية والفاشية، فضلا عن نشوء نوعٍ آخر من اليسار الشعبي المهووس بالتمرد ووهم الثورة، والاحتجاج، ورفض سلطة الرأسماليين الكبار المسؤولين عن الإفقار والاحتكار.
قد تبدو حيثيات ذلك مرتبطة بـ«صدمة الحضارة» وتضخم القطبية الواحدة، لكن ذلك ليس بعيدا عن»ضعف الديمقراطيات التقليدية» الذي أسهم إلى حدٍّ ما في تقويض المجال العمومي للحقوق والأخلاق، ولقيم التعايش بين الهويات والجماعات، فضلا عن اقتران ذلك بصعود قوى اليمين القومي المتعصب، والباحث عن فكرة «الغرب النقي» إزاء تحديات الهجرة والأسلمة والعنف، وهي قضايا باتت تشكّل عقدا بنيوية خطيرة في مسار المجتمعات الغربية، وفي تعاطيها مع أزمات الصراع والإرهاب والخوف من المستقبل.
الخوف الديمقراطي
الخوف على الديمقراطية، والخوف من الديمقراطية ثنائية ملتبسة، لكنها أضحت جزءا من إشكاليات الواقع السياسي، ففرضية المشاركة والقبول بالآخر فرضت واقعا جديدا، لم تقبله الجماعات الأصولية الأوروبية، وحتى عند «البيورتانيين» في الولايات المتحدة، وهو ما أفضى إلى ردود فعل أنثروبولوجية، تقوم على رفض ذلك الآخر، والمجاهرة بعزله وطرده. كما أن الخوف من الديمقراطية أسهم في إنتاج «براديغم الطاغية» وفي صياغة فلسفية لمفهوم حول رفض النمط الذي يصنعه الآخر، الذي يهدد، افتراضيا، الأنماط المكرسة في اللاوعي الجمعي، بوصفها أنماطا فائقة لقيم النوع الغربي، وقيم الحرية، والسوق والعمل والهوية، وهي قضايا ليست بعيدة عن الثنائية الهيغلية «السيد والعبد» ولا عن طبيعة النظام الرأسمالي ذاته، الذي يقوم على مركزة القوة والسوق والبراديغم، والذي ساعد في مراحل متعددة على دعم الديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية، وفي افريقيا، ودول مستبدة في آسيا، فضلا عن دعم الديكتاتوريات الصغيرة في السوق وفي العمل وحتى في الأيديولوجيا السياسة وفي الديمقراطية أيضا.
من هنا ندرك الخطوة التي تقترن بصعود الخطابات المتطرفة من اليسار ومن اليمين، لأن كليهما سينتج أصوليات أيديولوجية إكراهية، لا تهدد النمط الغربي ولا النظام الرأسمالي فقط، وإنما تهدد ما يسمى بـ«مجتمع القرية الكونية» كما سمّاها ماكلوهان، التي بدأت تعاني من أعراض التشظي، والتفكك إلى «كانتونات» اجتماعية وهوياتية ولغوية، حيث تتخلى عن أيّ مشروعية لتداول مفاهيم الاندماج والتعايش، وحيث يجد كثير من الجماعات نفسه أمام استعادة بشعة لأنثروبولوجيا «الطبيعة والثقافة» وعبر اجتراح سياسات عنفية قائمة على فكرة روبنسون كروسو في السيطرة على الطبيعة، وفي صناعة التابع، وفي سياسة» الإدماج القسري» وتطبيقاته المتعسفة في التعايش والقبول بالهيمنة الثقافية للآخر، أو رفضها عبر خطاب العنف والعزل.
نهاية اليسار القديم
تفكك اليسار القديم يؤشر إلى تفكك عميق في البنى الساندة لهذا اليسار، وأقصد هنا البنى الأيديولوجية، والنقابات العمالية، والاتجاهات الفكرية، والأحزاب الشيوعية، مقابل ذلك صعود يسار أكثر تطرفا، رغم أنه لم يُختبَر في إدارة السلطة، إلّا أنه كشف عن ممارسات أيديولوجية أكثر راديكالية من جانب، وأكثر تمردا على اليسار الشيوعي التقليدي الذي تغيرت ملامحه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. هذا الصعود يقود – حتما- إلى صراع أكثر حدّة، وهو ما صرّح به مؤخرا الرئيس الأمريكي- المنتهية ولايته – دونالد ترامب، بأن على الأمريكيين أن لا يتخلوا عن انتصارنا، وأن يقبلوا بصعود اليساريين الراديكاليين، ويقصد الحزب الديمقراطي بزعامة بايدن، وبالجماعات التي صوتت للمرشح الرئاسي السابق برني سندرس، الذي دعا إلى دعم حملة الديمقراطي جو بايدن للرئاسة.
الخوف على الديمقراطية، والخوف من الديمقراطية ثنائية ملتبسة، لكنها أضحت جزءا من إشكاليات الواقع السياسي، ففرضية المشاركة والقبول بالآخر فرضت واقعا جديدا، لم تقبله الجماعات الأصولية الأوروبية، وحتى عند «البيورتانيين» في الولايات المتحدة، وهو ما أفضى إلى ردود فعل أنثروبولوجية، تقوم على رفض ذلك الآخر، والمجاهرة بعزله وطرده.
الحديث عن أفق التغيير قد يبدو غامضا، أو مكشوفا على معطيات من الصعب التكهن بها، أو حتى من الصعب وضعها في سياق القبول بحقائق الواقع، وبقدرتها في الحفاظ على الديمقراطية، وعلى قيم العدالة، لاسيما وأن البعض في الولايات المتحدة دعا إلى تظاهرات مسلحة، وهو ما يعني تسويغ استخدام العنف ضد الآخرين، وتحت يافطة عدم التفريط بـ«النصر» الذي ظل ترامب يتوهمه لخدمة مشاريعه الشخصية، ولتغيير معادلات مهمة في إدارة العالم، وأعتقد أن أيَّ حدث في «الديمقراطية الأمريكية» سينعكس كثيرا على أوروبا، وسيكون «العالم الحر» أمام كوارث قد تقود إلى حروب أهلية، أو إلى احتجاجات على طريقة الثورة الطلابية في فرنسا عام 1968، أو إلى تهيئة البيئة السياسية والاجتماعية، لإنتاج نسخة أورو أمريكية للإرهاب الأصولي، أو ربما سيقود ذلك إلى أزمات حقوقية وقانونية وأخلاقية، ستنعكس على صور الغرب التنويري العقلاني، وعلى الحريات والحقوق، بما فيها حرية الفرد الليبرالي، التي جاهر بها الغرب كثيرا.
أسئلة ما بعد العولمة
إذا كانت العولمة هوية افتراضية للأمركة، والأوروبة، فإن ما يحدث من أزمات خطيرة، بما فيها أزمة السيطرة على فيروس كوفيد -19 يعدّ مدخلا للحديث عن تقويض تلك العولمة، وربما الإعلان عن «نهايتها» بوصفها مشروعا فاشلا، لم تستطع سياساتها أنسنة العالم، بل إنها كانت أكثر توحشا في صناعة الأزمات الكبرى، بما فيها أزمات الحروب، ودعم الصراعات الأهلية و«الثورات العشوائية» في الشرق الأوسط، والحرب التجارية مع الصين، والحرب السياسية مع روسيا، فضلا عن حرب الحصار ضد إيران والعديد من البلدان الأخرى، ناهيك من أزمات الاقتصاد والنفط وبيع الأسلحة الفتاكة إلى مناطق ساخنة بحروبها البينية والأهلية.
السؤال عن ما بعد العولمة، هل هو سؤال مفهومي؟ أم إجرائي؟ أم له علاقة بأزمة برامج العولمة ذاتها، التي لا يمكن عزلها عن اشتغالات مفهومية أخرى، موائمة أو متقاطعة، مثل الهوية والآخر والسوق والدولة والجماعة والثورة، التي باتت تخضع إلى أنساق مضمرة تحكمها قيم اللاوعي الجمعي، والتاريخ الهووي للعقل الغربي، وهذا ما يجعل أي تداول تعسفي للعولمة سيكون من باب الإكراه، والفرض، إذ سيكشف عن تقاطع القيم والأفكار وآليات تطبيق الجوانب المفهومية للعدالة والحق والقانون والعمل والديمقراطية والقبول بالآخر. فإذا كانت العولمة تعني في جوهرها «تبعية متبادلة بين اقتصاديات الدول» كما يصفها حسين الزاوي، فإن انهيار هذه التبعية الناعمة، هو إعلان صريح عن «المابعد» بوصفه تشفيرا للتقويض، ولبدء مرحلة جديدة ستقوم على فكرة الهروب من المركز، كما فعلته بريطانيا بخروجها الاقتصادي من الاتحاد الأوروبي، فضلا عن الخروج من العمل المنظماتي الدولي كما فعلته الولايات المتحدة بخروجها من منظمة التجارة الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، وكذلك خروجها من العديد من الاتفاقات الدولية، مثل اتفاقية باريس للمناخ، واتفاقية الصواريخ المتوسطة مع روسيا والاتفاقية التجارية مع الصين وغيرها، وبهذا فإن العودة إلى المركز «البيورتاني» سيكون نقطة البدء لنشوء نظام عالمي جديد، قد تنتهي معه منظمة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وكذلك المنظمات والأحلاف الأوروبية، لاسيما حلف الناتو، الذي تحول إلى عبء على الكثيرين بعد الأزمة الأوروبية مع تركيا.
لكن الآخر في هذه المرحلة قد يكون ضحية لحرب عبثية يمكن أن تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران – رغم المحاذير منها- إلا أن البعض يؤسس على هذه الحرب، تصورات تدخل في حسابات عولمة السيطرة، وفرض إدارة على السياسة والمصالح والجغرافيا، مثلما تدخل في حساب مواجهة افتراضية مع دول بدت أكثر تنمرا مثل الصين وروسيا، ودول أكثر عسكرة مثل كوريا وإيران، ودول مسكونة بروح اليسار القديم مثل فنزويلا وبوليفيا والمكسيك والأرجنتين، ودول تتجوهر حول فكرة القوة الراديكالية للأصوليات الدينية والأيديولوجية والعسكرية مثل، العراق ولبنان وسوريا واليمن، وأحسب أن عالم ما بعد العولمة سيكون عاجزا عن مواجهة ذلك، لأنه سيتفرغ لمواجهة التشظيات العميقة في داخل نظامه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
ناقد عراقي