بغداد ـ «القدس العربي»: جددت منظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، أمس الخميس، انتقادها لـ«تقاعس» الحكومة العراقية، برئاسة مصطفى الكاظمي، في وضع حدّ للانتهاكات التي تطال المتظاهرين، وفيما وثّقت جملة «انتهاكات» وانتزاع اعترافات بـ«القوة» للمعتقلين، سلطت الضوء على إجراءات الحكومة «لإسكات» الصحافيين والنشطاء.
وتناول تقرير «مطوّل» للمنظمة الحقوقية، عدة ملفات عراقية، خلال عام 2020 المنصرم، تضمنت (القوة المفرطة ضد المتظاهرين، وقمع حرية التعبير، والاحتجاز التعسفي، وانتهاكات المحاكمة العادلة، وظروف الاحتجاز، وعقوبة الإعدام، وجرائم داعش ضد المجتمع الإيزيدي بما فيه العنف الجنسي، والعقاب الجماعي، و(حقوق المرأة والهوية الجندرية والتوجه الجنسي وقوانين الآداب) والتعليم، والجهات الفاعلة الدولية الرئيسية).
تقاعس
وحسب التقرير «أدت الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء للمتظاهرين على يد قوات الأمن العراقية في أواخر 2019 و2020 إلى استقالة الحكومة وتعيين رئيس وزراء جديد، هو مصطفى الكاظمي، في مايو/أيار 2020. رغم الاستعداد الأولي على ما يبدو للتصدي لأخطر التحديات الحقوقية في العراق، تقاعست حكومة الكاظمي عن وضع حد للانتهاكات ضد المتظاهرين».
وأضاف: «يشوب نظام العدالة الجنائية العراقي استخدام واسع للتعذيب وانتزاع الاعترافات القسرية، ورغم الانتهاكات الجسيمة للإجراءات القانونية الواجبة، نفذت السلطات العديد من عمليات الإعدام القضائية» مشيراً إلى أن القانون العراقي يضم «مجموعة من أحكام التشهير والتحريض التي استخدمتها السلطات ضد المنتقدين، بمن فيهم الصحافيين والنشطاء والمتظاهرين لإسكات المعارضة».
القوة المفرطة
في موجة الاحتجاجات التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2019 واستمرت حتى أواخر 2020، «أدت الاشتباكات مع قوات الأمن، بما فيها «قوات الحشد الشعبي» (تحت سيطرة رئيس الوزراء شكليا) إلى مقتل ما لا يقل عن 560 متظاهرا وعنصرا في قوات الأمن في بغداد ومدن أخرى جنوب العراق»..
وفي يوليو/تموز 2020، «أعلنت الحكومة أنها ستعوّض أهالي القتلى خلال الاحتجاجات واعتقلت ثلاثة من ضباط الأمن من الرتب الدنيا». لكن على حد علم «هيومن رايتس ووتش» لم يُقاضَ أي من كبار القادة. بعد سلسلة من عمليات قتل ومحاولات قتل للمتظاهرين في البصرة في أغسطس/آب 2020، فصلت الحكومة رئيس شرطة البصرة ومدير الأمن الوطني في المحافظة، لكن يبدو أنها لم تُحِل أي شخص إلى المحاكمة. في مايو/أيار 2020، عندما تولّى الكاظمي منصبه، شكّل لجنة للتحقيق في مقتل المتظاهرين. لم تعلن اللجنة عن أي نتائج حتى أواخر 2020.
اعتقالات في كردستان
في مايو/أيار، «اعتقلت قوات الأمن في إقليم كردستان العراق عشرات الأشخاص الذين كانوا يخططون للمشاركة في احتجاجات ضد تأخر الرواتب الحكمية، وهي قضية مستمرة منذ 2015. وفي أغسطس/آب 2020، ضربت قوات الأمن التابعة لحكومة إقليم كردستان المتظاهرين والصحافيين واحتجزتهم تعسفيا خلال احتجاجات من قبل موظفين مدنيين في إقليم كردستان يطالبون بدفع أجورهم».
وحسب التقرير، ينصّ قانون العقوبات العراقي، الذي يعود تاريخه إلى 1969، على العديد من «جرائم التشهير» مثل «إهانة المجتمع العربي» أو أي مسؤول حكومي، بغض النظر عما إذا كانت النقد صحيحا. رغم أن قلة من الأفراد قضوا عقوبة السجن بتهمة التشهير، إلا أن العملية الجنائية نفسها بمثابة عقوبة. الإبلاغ عن الفساد والانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن محفوف بالمخاطر بشكل خاص.
قالت إن لا معايير أساسية للمحاكمة العادلة للمتهمين بالإرهاب… والقوات العراقية تستخدم التعذيب لانتزاع الاعترافات
وتذرعت السلطات أيضا، وفق التقرير، بقوانين وأنظمة أخرى للحد من حرية التعبير. فقد أصدرت «هيئة الاتصالات والإعلام» وهي «مؤسسة مستقلة ماليا وإداريا» مرتبطة بالبرلمان، في 2014 إرشادات «إلزامية» دون أساس قانوني لتنظيم الإعلام أثناء «الحرب على الإرهاب» – وهي عبارة لم تُعرّفها. وتم تحديث هذه الإرشادات في مايو/أيار 2019، وسُميّت بـ «قواعد البث الإعلامي» وهي تقيّد حرية الصحافة لدرجة تتطلب تغطية موالية للحكومة.
وعلّقت هيئة الاتصالات ترخيص وكالة «رويترز» بموجب لوائح تنظيم البث الإعلامي لمدة ثلاثة أشهر وغرمتها 25 مليون دينار عراقي (21 ألف دولار أمريكي) بسبب مقال بتاريخ 2 أبريل/نيسان 2020 يزعم أن عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا في البلاد أعلى بكثير من الإحصاءات الرسمية المعلنة. رفعت السلطات التعليق في 19 أبريل/نيسان. واستخدمت حكومة إقليم كردستان قوانين مماثلة سارية في الإقليم لقمع حرية التعبير، بما فيه قانون العقوبات وقانون الصحافة وقانون منع إساءة استخدام معدات الاتصالات.
في نوفمبر/تشرين الثاني، نجحت جهود المجتمع المدني في منع إقرار مسودة قانون جرائم المعلوماتية التي تشوبها عيوب كبيرة.
واحتجزت القوات العراقية تعسفيا عناصر من تنظيم «الدولة الإسلامية» لشهور، وبعضهم لسنوات، حسب شهود وأقارب، واعتقلت بانتظام المشتبه بهم دون أي أمر من المحكمة أو مذكرة توقيف، وفي كثير من الأحيان لم تقدم سببا للاعتقال.
واحتجزت السلطات أيضا متظاهرين تعسفيا وأفرجت عنهم لاحقا، بعضهم في غضون ساعات أو أيام، والبعض الآخر في غضون أسابيع، دون توجيه تهم إليهم. رغم المطالبات، لم تكشف الحكومة المركزية عن الهياكل الأمنية والعسكرية التي لديها تفويض قانوني لاحتجاز الأشخاص، وفي أي منشآت.
انتهاكات المحاكمة العادلة
في يناير/كانون الثاني 2020، نشرت «بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق» (يونامي) تقريرا يقيّم نظام العدالة الجنائية، بناء على مراقبة مستقلة لـ 794 محاكمة جنائية، 619 منها لرجال ونساء وأطفال متهمين بموجب قانون مكافحة الإرهاب الفضفاض بشكل خطير في العراق. أيّد التقرير النتائج التي توصلت إليها «هيومن رايتس ووتش» عن عدم احترام المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة في المحاكمات المتعلقة بالإرهاب. ويُحاكِم القضاة العراقيون بشكل روتيني عناصر التنظيم المشتبه بهم فقط بتهمة فضفاضة تتعلق بالانتماء إلى التنظيم، وليس بسبب جرائم عنيفة محددة ربما ارتكبوها. وكانت المحاكمات متسرعة بشكل عام، وتستند إلى اعتراف المدعى عليه، ولم تتضمن مشاركة الضحية. وانتهكت السلطات بشكل منهجي حقوق المشتبه فيهم بالإجراءات القانونية الواجبة، مثل الضمانات المنصوص عليها في القانون العراقي أن يمثل المحتجزون أمام قاض في غضون 24 ساعة وأن يتمكنوا من الاتصال بمحام أثناء الاستجواب، وأن يتم إخطار عائلاتهم، وأن يكونوا قادرين على التواصل معهم أثناء الاحتجاز.
وأدلى المحتجزون بشهادات قاسية عن التعذيب أثناء الاستجواب في سجون الموصل الخاضعة لسيطرة وزارة الداخلية، والتي أدت في بعض الحالات إلى وفيات. تتوافق هذه الشهادات مع التقارير التي تتحدث عن الاستخدام الواسع للتعذيب من قبل القوات العراقية لانتزاع الاعترافات بدلا من إجراء تحقيقات جنائية سليمة.
وحسب التقرير، يمكن للسلطات مقاضاة الأطفال المشتبه بهم الذين لا تتجاوز أعمارهم 9 سنوات بتهمة الانتماء المزعوم إلى التنظيم في المناطق الخاضعة لسيطرة بغداد و11 سنة في إقليم كردستان العراق، في انتهاك للمعايير الدولية التي تعترف بالأطفال المجندين من قبل الجماعات المسلحة كضحايا يجب إعادة تأهيلهم وإعادة دمجهم في المجتمع وتدعو إلى حد أدنى لسن المسؤولية الجنائية يبلغ 14 عاما أو أكثر، حسّنت إحدى اللجان في الموصل من تعاملها مع مقاضاة الأطفال المشتبه فيهم.
ظروف الاحتجاز
احتجزت السلطات المشتبه بهم جنائيا في ظروف مزدحمة وفي بعض الحالات غير إنسانية، حسب تقارير إعلامية، وأطلقت السلطات سراح 20 ألف سجين في أبريل/نيسان كإجراء وقائي للتصدي لتفشي فيروس كورونا، لكنها لم تكشف أي معلومات عن هويات المفرَج عنهم ومعايير اختيارهم. ورفضت السلطات الرد عندما طُلب منها الكشف أو الإعلان عن عدد الأشخاص في السجون العراقية، مما يجعل من المستحيل تقييم ما إذا كانت عمليات الإفراج خففت بشكل كاف من الاكتظاظ الحاد لتمكين التباعد الاجتماعي. في يوليو/تموز، وكان هناك 31 إصابة بفيروس كورونا مُبلَغ عنها في أحد سجون بغداد.
التقرير بين، أن كان لدى العراق أحد أعلى معدلات الإعدام في العالم، إلى جانب الصين وإيران والسعودية. وأصدر القضاء أحكاما بالإعدام على عديد من المدانين بالانتماء إلى داعش بموجب قانون مكافحة الإرهاب ونفذ إعدامات دون الكشف عن الأرقام الرسمية. وفي أغسطس/آب 2019، أصدرت السلطات بيانات من وزارة العدل والتي أظهرت أن 8,022 محتجزا ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام وأن الدولة أعدمت أكثر من 100 بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2019، لكنها لم تقدم إحصاءات لعام 2020. وفي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، أعدمت السلطات 21 محتجزا على الأقل كانوا ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام بحقهم، حسب تقارير.
وقد «ساهمت الطبيعة المتسارعة لمحاكمات عناصر التنظيم المشتبه بهم في إثارة مخاوف من أن المحاكم تصدر أحكاما بالإعدام رغم أوجه القصور الخطيرة في الإجراءات القانونية الواجبة».
وفي إقليم كردستان، أبقت حكومة الإقليم على تجميد فعلي لعقوبة الإعدام منذ 2008، وحظرته «باستثناء حالات قليلة جدا اعتُبرت ضرورية» وفقا لمتحدث باسم حكومة إقليم كردستان.
العقاب الجماعي
في الأثناء، لم تمنح قوات الأمن التصاريح الأمنية المطلوبة للحصول على بطاقات هوية وغيرها من الوثائق المدنية الأساسية لآلاف العائلات العراقية التي ترى السلطات أنها تنتمي إلى التنظيم، عادة بسبب اسم العائلة أو الانتماء العشائري أو المنطقة الأصلية. وحرمهم ذلك من حرية التنقل، وحقهم في التعليم والعمل، والحصول على المزايا الاجتماعية وشهادات الميلاد والوفاة اللازمة لوراثة الممتلكات أو الزواج مرة أخرى. حسب التقرير.
وعلى مدى سنوات، منعت السلطات آلاف الأطفال الذين ليست لديهم وثائق مدنية من الالتحاق بالمدارس الحكومية، بما فيها المدارس الحكومية داخل مخيمات النازحين، تبعاً للتقرير.
وسمحت السلطات لبعض العائلات بالحصول على تصريح أمني إذا كانت على استعداد لفتح شكوى جنائية للتنصل من أي قريب يشتبه في انضمامه إلى التنظيم. بعد أن يفتح الأفراد الدعوى الجنائية، تُصدر لهم المحكمة وثيقة لتقديمها لقوات الأمن تُمكنهم من الحصول على الموافقات الأمنية. في أواخر 2020، أطلقت السلطات جهودا ترمي إلى إغلاق جميع المخيّمات التي تضمّ عائلات النازحين، ومنحت في ذلك السياق تصاريح أمنية لعدد أكبر من الأشخاص وأصدرت لهم وثائق مدنية جديدة. إلا أنه وبسبب منح السلطات العائلات في بعض الحالات إشعارا بأن عليها إخلاء المخيمات التي كانت تعيش فيها لسنوات في غضون 24 ساعة، حُرِمت بعض العائلات من إمكانية الحصول على الغذاء والمياه والرعاية الصحية وأصبحت بلا مأوى.
واحتُجِز ما لا يقل عن 30 ألف عراقي فروا من العراق بين 2014 و2017، بمن فيهم بعض الذين لحقوا «الدولة» أثناء انسحابها من الأراضي العراقية، في مخيّم الهول وما حوله في شمال شرق سوريا. في 2019، ناقشت الحكومة العراقية خططا لإعادة ونقل واحتجاز هذه العائلات وغيرهم ممن يُعتقد أنهم ينتمون إلى التنظيم في مخطط حبس جماعي في العراق، لكنها لم توافق بعد على مثل هذه الخطة. حتى أواخر 2020، لم تكن قد اتخذت أي إجراءات أخرى بشأن العراقيين المحتجزين في شمال شرق سوريا.
ومنعت حكومة إقليم كردستان آلاف العرب من العودة إلى ديارهم في قرى في ناحية ربيعة وقضاء الحمدانية، وهي المناطق التي طردت فيها قوات حكومة إقليم كردستان التنظيم عام 2014 وفرضت سيطرتها على الأراضي. في الوقت نفسه، سمحت حكومة إقليم كردستان للقرويين الأكراد بالعودة إلى تلك المناطق.