من منا لم يسعد بثورات الربيع العربي؟على الأقل انصار التغيير، من منا لم يجلس أمام شاشة التلفاز اوقاتا طويلة وهو يشاهد البث المباشر الذي كانت تقوم به بعض الفضائيات العربية لنقل الحدث الأهم على الإطلاق في حاضرنا، كأنه فيلم خيال وحلم ،إنها الثورة ،نعم، العالم العربي يثور، يملأ الشوارع والأزقة والميادين ،بالشباب وكل فئات المجتمع يصدح بما أعتبر ممنوعا ومحرما قانونا وخيانة عظمى سابقا .
وإكتساحها في فترة وجيزة تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ،جعلنا نعتقد من سذاجتنا انها إعصار سيسقط كل الدكتاتوريات الجاثمة على أنفاسنا،ومما زادنا غرورا بعض الدراسات القادمة من وراء البحار التي لاتعرف عمق انظمتنا ولا مكائدها،بأن الثورات العربية لن تستغرق أكثر من 7أشهر حتى تسقط جميع الأنظمة العربية البائدة،فزادتنا تيها .
أسقطت الشعوب بالفعل زين العابدين بن علي ومعمر القذافي وحسني مبارك،وعلي عبدالله صالح، ولاتزال منذ أزيد من ثلاث سنوات تسعى لإسقاط بشار الأسد لكن لأنه يجيد المتاجرة بالوطن وبيعه قطعة قطعة وتدمير دولة بأكملها وجد من يستثمر في آمال الشعب السوري ويشتري ، وقضى او يكاد ،على وطن بأكمله ،فقط ليبقى رئيسا للدولة لم يبقى منها سوى الإسم «سوريا» على الخرائط والورق فقط لاغير..
هيأ لنا ان الأنظمة سقطت بسقوط رؤوسها،وباركت لنا الشعوب الأرض جميعها، حتى ان براك اوباما ألقى كلمة هنأ فيها الشعب المصري بإنتصار ثورته وأنه أذهل الدنيا بسلميته، وبصموده، وإنهالت القصائد والأشعار على الشعوب العربية ،وكتبت دراسات وألفت كتب عن ثورة الياسمين وثورة المصريين والليبين والسوريين واليمنيين.
وقلنا التاريخ يعيد نفسه،هي الثورة التي حدثت في فرنسا وإجتاحت كل اوروبا من بعد، تعاد لتكتب بحروف عربية و في زمن مختلف،فنحن لسنا إستثناء،نحن اهل للحرية والديمقراطية والتغييرايضا. لكن ما طبخ في الخفاء لم يخطر على بال الشعوب العربية قليلة الخبرة في عمق أنظمتها وفي ما يمكنها الإقدام عليه لإجهاض ثورتهم آن ذاك. وسحب الثورة من تحت أرجل الثوار،بل وبمشاركتهم ومباركتهم من حيث لايدركون.
فقد منحت الأنظمة لنفسها إستراحة معتبرة أعادت فيها ترتيب أوراقها وأولوياتها،بينما الثوار تملأهم السعادة بما حققوه من إنتصار كاسح منقطع النظير في تاريخ الثورات»كما ظنوا»،وعادت الدولة العميقة رويدا رويدا،حتى أحكمت سيطرتها بالكامل على مفاصل الحكم والقضاء والإعلام،»هذا الأخير سيكتب التاريخ عن دوره الكثير يوما ما»،وإنقلبوا بالصناديق المزورة على الثورة وأسقطوها .
تونس تقاتل الآن سياسيا وتتمسك بأمل الثبات على الثورة قبل ان تعصف بها الثورة المضادة،وليبيا يتقاتل رفقاء السلاح سابقا فيما بينهم وزاد عليهم خليفة حفتر قائد الإنقلاب تقهقرا والدخول في متاهة لا يعرف أحد في ليبيا كيف الخروج منها،ومصر إنقلب العسكر فيها على الشرعية وزج بثوار 6أبريل/نيسان والإخوان وكل معارض لحكم العسكر في السجون وبقية القصة معروفة،واليمن السعيد بات تعيسا بعد الإنقلاب الأول والأخير الذي تتزعمه ايران في المنطقة بأيدي الحوثيين.
وليكتمل المشهد حكم اليوم القضاء المصري لصالح حسني مبارك ونجليه وحبيب العدلي وزير داخليته سابقا وباقي المجموعة ،التي لم تقم الثورة إلا لإسقاطهم بالذات في مصربالبراءة،وإنهار أهالي ضحايا ثورة 25 يناير من شدة الصدمة وهم على مايبدوا يحاولون التجمع او الدخول الى ميدان ثورتهم ورمز الثورة المصرية ،ميدان التحرير.
اذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.
رغم كل ما نشهده من قهر ورجوع للوراء إلا أن الأمل لايزال قائما ،ومازالت الشعوب العربية على موعد مع الثورة الكبرى ،لأن الرعب الذي سكن النفوس دهرا،إختفى لم يعد موجودا،وستباغت الشعوب العربية من سلبوها حريتها يوما قريبا ليس بعيدا،وتنتزع هذه المرة كرامتها وحقها في الحياة آمنة مستقرة مزدهرة.
منى مقراني