النخيل في فلسطين.. ذهب أسود وسط الرمال المتحركة

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:

يكشف تقرير لمؤسسة الدراسات الفلسطينية عن أزمة  خطيرة تهدد قطاع مزارع النخيل الفلسطينية بسبب فقدان فرص تسويق المنتوج وبقائه داخل ثلاجات جراء وباء كورونا وتضييق الخناق عليه من قبل الاحتلال.

وتقول المؤسسة إنه رغم تسجيل قطاع التمور في الضفة الغربية زيادة قياسية لهذا العام في كميات الإنتاج وصلت إلى 13 ألف طن، فإن هذا القطاع، لسوء الحظ، شهد انخفاضاً كبيراً في حجم تصدير التمور إلى الخارج جرّاء أزمة جائحة كورونا في العالم.

وحسب  التقرير، يعيش مزارعو النخيل في الأغوار الشرقية المحاذية للمملكة الأردنية الهاشمية، بعد انتهاء مرحلة جني محصول أشجار النخيل، هاجساً وقلقاً بشأن تسويق محاصيلهم التي تكدست في الثلاجات بانتظار تصديرها، وتأمين السيولة النقدية من أجل تغطية نفقاتهم المالية من دفع رواتب العمال أو أثمان المستلزمات الزراعية واللوجستية استعداداً للموسم المقبل.

ويعد التمر الفلسطيني وخصوصاً المجهول من أجود أنواع التمور في العالم، كونه يزرع في أخفض نقطة على الأرض، الأمر الذي يعطيه نكهة استثنائية، ويحظى التمر الفلسطيني في العادة بطلب أكبر من كميات الإنتاج المتوفرة، وهو ما جعل البعض يطلق على هذا القطاع “بترول فلسطين” لما يحمله من أبعاد استراتيجية تؤثر إيجاباً في الدخل القومي الإجمالي.

26 دولة

يُصدر التمر الفلسطيني إلى 26 دولة في العالم، ومعظم صفقات التصدير تتم بالدولار الأمريكي. ويعمل في هذا القطاع نحو 5 آلاف عامل وعاملة، وتتركز زراعة النخيل في منطقة الأغوار الفلسطينية. وأوضح رئيس مجلس النخيل الفلسطيني إبراهيم دعيق، أن كمية الإنتاج لهذا العام بعد انتهاء موسم القطاف كانت مماثلة لتقديرات وزارة الزراعة قبل بدء الموسم، وهي 13 ألف طن عندما يتم الانتهاء من جني المحصول، وأكثر من 60% منه يمكن تصديره كونه بجودة عالية.

ولفت دعيق إلى وجود مشكلة كبيرة في تسويق التمور خلال العام الجاري بسبب جائحة كورونا، قائلاً: “في شهري أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر من كل عام، يكون 50% من محصول التمر الذي جرى قطفه محجوزاً للتصدير، لكن حتى كانون الأول/ ديسمبر الجاري فإن ما جرى الاتفاق عليه أو تصديره لا يتعدى 15% فقط.

وأشار دعيق إلى أن التجار في الدول التي تستورد التمور يعانون في معظمهم من مشكلات اقتصادية، وهذا ما أدى إلى تراجع الطلب على التمور نظراً إلى عدم وجود السيولة المالية للدفع. وألقى تراجع التسويق بظلاله السلبية على المزارعين وتحديداً، الصغار منهم الذين كانوا في مثل هذا الوقت من كل عام يسوّقون محصولهم نقداً، فيتمكنون من تسديد التزاماتهم المالية لتجار المواد الزراعية مثل السماد والأدوية، وكذلك تغطية رواتب العمال، والتحضير للموسم الجديد، وتحقيق ربح مادي جيد، لكن هذا العام لم يتحقق ذلك.

محنة المزارعين الصغار

وأضاف دعيق  أن المزارعين الصغار يواجهون مشكلة كبيرة بسبب عدم توفر ثلاجات “برادات” لتخزين محصول التمر بشكل كاف، وهو ما اضطر معظمهم إلى بيع المحصول للتجار بأسعار أقل للتخلص من محصول الموسم، لأن بقاء المنتج لديه يعني تلفه.

ويوضح أن “بعض التجار اشترى قسماً من هذا المحصول بأسعار أقل من السعر المعتاد، إذ إن عدداً من المزارعين باع كيلو التمر بـ7 أو 8 شواكل، وهذا السعر بالكاد يغطي التكاليف، في حين كانت الكيلو تباع قبل ذلك بـ15 شيكلاً”، وهذا يعني أن “المُزارع الذي اضطر إلى البيع قد خسر ربحه وفائدته”، لافتاً إلى أن التجار والمزارعين الكبار لا يعانون هذه المشكلة، إذ تقتصر مشكلتهم على تصدير المحصول وتسويقه.

ويقول تقرير مؤسسة الدراسات الفلسطينية إن ناصر أبو قطان، مزارع نخيل من مدينة أريحا، يمتلك مزرعة نخيل تضم 3 آلاف شجرة، وتنتج سنوياً ما يقارب 140 طناً، لكنه حتى الآن لم يبع أي حبة تمر من محصوله المكدس في الثلاجات، قائلاً: “لا يوجد طلب على التمر، لذلك هو مكدس في الثلاجات، قمنا بالتواصل مع التجار في الخارج لكنهم أخبرونا أن منتج العام الماضي لا يزال لديهم.

محصول داخل الثلاجات

ولفت أبو قطان إلى أن “محصول المزارعين في الثلاجات، وهذا انعكس سلباً على أوضاعهم الاقتصادية بسبب المصاريف العالية التي تحتاج إلى تغطية مالية من رواتب للعمال وكهرباء وأدوية وأسمدة وغيرها. وأشار أبو قطان إلى أن إنتاجه من التمر العام الماضي كان قد باعه بالكامل في مثل هذا الوقت، بل كان الطلب أكثر من الكمية الموجودة، لافتاً إلى أنه يقوم بتصدير محصوله إلى تركيا والخليج وأوروبا. وأعرب أبو قطان عن أمله بتحسن الأسواق وزيادة الطلب على التمور الفلسطينية، إذ تشير التوقعات إلى أن الربع الأول من العام الجديد قد يشهد ارتفاعاً في الطلب على التمور لأسباب عديدة، منها قرب شهر رمضان، وعودة المناسبات الدينية من أداء العمرة والحج، وهو ما يرفع الطلب على التمور محلياً وخارجياً. ويتفق دعيق مع توقعات أبو قطان بحدوث انفراجة في الأسواق الخارجية في الطلب على التمور في الربع الأول من العام الجديد قائلاً “نتوقع تطوراً إيجابياً في ظل ارتفاع الطلب عليه مع حلول شهر رمضان وعدم قدرة الناس على الاستغناء عن هذا المحصول”.

وأضاف: “هناك طلب على التمر الفلسطيني، فلا يمكن لأحد الاستغناء عن التمر خلال شهر رمضان. نتوقع أن تُصدر كمية خلال الفترة المقبلة”. لافتاً إلى أن إنتاج العام الحالي يزيد على إنتاج العام الماضي، ومن المتوقع أن ترتفع كمية الإنتاج العام المقبل نظراً إلى كبر أعمار الأشجار وهو ما يعني زيادة إنتاجها.

قطاع واحد

يعد قطاع النخيل من القطاعات الواعدة في فلسطين، وقد جرى خلال السنوات الماضية استثمار ملايين الدولارات فيه من شركات القطاع الخاص، لكنه يواجه تحديات مصيرية تهدد استمراره، أبرزها محدودية تطور المساحات المزروعة ونقص المياه، والاحتلال الإسرائيلي. وقال دعيق في هذا المجال: “هناك محدودية في التطور والتوسع في زراعة النخيل، نظراً إلى أن الكثير من الأراضي تمت مصادرتها من جانب قوات الاحتلال، ولذلك فإن المساحات التي يمكن التوسع فيها محدودة جداً”. وأشار إلى وجود مشكلة في المياه، تزداد حدتها مع مرور السنوات، فأشجار النخيل كلما تكبر يزداد استهلاكها للمياه، لافتاً إلى أن التمر عليه طلب، فلو كان هناك مجال لمزيد من التوسع في الزراعة وتوفير المياه لزيادة الإنتاج فلن يكون هناك مشكلة في التسويق. ولفت إلى أن الظروف المناخية في الأغوار استثنائية تسمح بإنتاج تمر مميز، وقد حاول كثير من الدول العربية زراعة ملايين أشتال النخيل للحصول على حبة التمر كما في الأغوار لكن هذه المحاولات فشلت، مضيفاً أن “حبة التمر في الأغوار لا مثيل لها في العالم، ستبقى مميزة عن بقية تمور العالم”.

330 ألف شجرة تمر

 من جانبه، قال مدير عام زراعة أريحا والأغوار الجنوبية المهندس أحمد الفارس، إن قطاع النخيل قطاع واعد ومهم استراتيجياً، لافتاً إلى أن عدد الأشجار المزروعة في الأغوار بلغ 330 ألف شجرة. وأشار الفارس إلى أن الطلب على التمر في السوق العالمي والمحلي متدنٍ حتى اللحظة مقارنة بالأعوام الماضية، مشيراً إلى أنه في شهر أيلول/سبتمبر الماضي جرى تصدير 650 طناً من التمر، بينما لم يتجاوز 160 طناً في العام الحالي. وأضاف أن الأوضاع الاقتصادية متذبذبة، فهناك خوف على طلب التمور نظراً إلى غياب المناسبات الدينية والاجتماعية، وفي المقابل هناك تحسن طفيف في الطلب على التمور مع خروج العالم من الإغلاق الذي عاشه بسبب جائحة كورونا. وأضاف الفارس أنه من المتوقع أن ترتفع مساحة الأراضي المزروعة بالنخيل العام المقبل إلى 24 ألف دونم، مشيراً إلى وجود صعوبات في التوسع الأفقي في زراعة النخيل، وأن ما يجري من توسع يكون على حساب المحاصيل الزراعية الأُخرى وليس على أراضٍ جديدة.

كنز اقتصادي

يقدّر الفارس حجم قطاع النخيل الاقتصادي بنحو 300 مليون دولار سنوياً من حيث البنية التحتية، سواء المزارع أو التعبئة والتغليف وثلاجات التخزين والأيدي العاملة. تعد منطقة الأغوار الفلسطينية المكان الأفضل لزراعة النخيل، وهي بمثابة كنز اقتصادي استراتيجي نظراً إلى تنوع موارده الطبيعية، ولهذا تتمسك إسرائيل بالسيطرة عليها وترفض بشكل مطلق التخلي عنها والانسحاب منها.

ومنذ احتلال الضفة الغربية وإسرائيل تتوسع في استثماراتها الاقتصادية في الأغوار، من تدشين مزارع النخيل والعنب، وبينما تتذرع بحجج أمنية لسيطرتها على الأغوار، فإن ما تجنيه مالياً من استثماراتها هناك يدحض تلك المزاعم. وتفرض إسرائيل الكثير من القيود على الفلسطينيين بشأن استخدام الأراضي في تلك المناطق بذرائع عديدة، كإعلان بعضها مناطق عسكرية مغلقة، أو مناطق محميات طبيعية. وفي منتصف العام الحالي كنا على موعد مع إعلان حكومة الاحتلال ضم 30% من أراضي الضفة الغربية من بينها منطقة الأغوار، وعلى الرغم من تأجيل إعلان تنفيذ المخطط فإنه لم يسقط نهائياً عن طاولة حكومة الاحتلال، التي تعمل على الأرض لتنفيذه بوتائر متعددة.

وحسب التقرير، فمنذ احتلال الضفة الغربية، قامت إسرائيل ببناء نحو 37 مستوطنة وبؤرة استيطانية في الأغوار معظمها مستوطنات زراعية، تدر أرباحاً بمئات ملايين الدولارات على المستوطنين، إذ تعد أراضي الأغوار ومنطقة البحر الميت كنزاً اقتصادياً لإسرائيل لن تفرط فيه بسهولة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية