هل تشهد الساحة العربية في إسرائيل هرولة للأحزاب الصهيونية.. وهل ينجو نتنياهو بفضل “الفرج العربي”؟

حجم الخط
0

الناصرة – “القدس العربي”: هل تنذر زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للناصرة وإعلان رئيس بلديتها عن دعمه له بـ نجاح الأحزاب الصهيونية بالعودة للشارع العربي بحثا عن أصواته وسط استغلال لـ أزمة المشتركة؟ يأتي هذا التساؤل في 2021 بعدما تخلص فلسطينيو الداخل من هيمنة هذه الأحزاب الصهيونية لصالح الأحزاب العربية التي نهضت قبل 3 عقود ونيف لترميم الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل لجانب الحزب الشيوعي الإسرائيلي القائم والناشط من قبل نكبة 1948.

غداة النكبة وقيام الدولة اليهودية شهد العام 1948 أول انتخابات للكنيست وشارك فيها الحزب الشيوعي الإسرائيلي ضمن قائمة قادها الراحلان الرفيقان ماير فلنر وتوفيق طوبي ومعهما قائمة إسرائيلية تسميتها عربية ومرشحوها عرب ودارت في فلك الحزب المؤسس لـ إسرائيل “مباي”. وتكررت هذه القوائم المغلفة بغلاف عربي حتى نهاية سبعينيات القرن المنصرم. بعد هذه الفترة بدأت أحزاب صهيونية خاصة التي عرفت نفسها يسار ووسط بـ ترشيح مرشحين عرب (من “العمل”، “ميرتس” إلى “أزرق- أبيض” وغيره) وكذلك “الليكود” ضمّن قائمته ببعض المرشحين العرب خاصة من أبناء الطائفة المعروفية في محاولة لاقتناص الأصوات. هذه المرة تشهد الحلبة الانتخابية الإسرائيلية حالة التعادل الشديد بين معسكرين كلاهما في اليمين بالأساس بين معسكر نتنياهو وبين معسكر مناوئيه يقوم الأول بـ حرب بقاء ساعيا للفوز بكل صوت للبقاء في الحكم وتحصين نفسه أمام محاكمته في تهم فساد خطيرة. على خلفية هذه المعركة المصيرية جاء نتنياهو للناصرة بهدف اصطياد ثلاثة عصافير بحجر دعائي واحد: إضعاف المشتركة كي لا تكون فعالة وجزءا من عملية حرمانه من تشكيل حكومة كما حصل في الجولات الانتخابية الثلاث الأخيرة، الفوز بمقعد أو مقعدين من الشارع العربي واستعادة جمهور “الليكود” اليهود الذين تركوه من خلال الظهور بصورة القائد القوي الذي يدخل المدن العربية رغم الاحتجاجات والمظاهرات ودغدغة غرائزهم مثلما فعل في الماضي ودفعهم للتصويت مجددا له.

بكاء سارة الصغيرة وابتسامات سارة الكبيرة

وربما لا بد من العودة للوراء ثلاثة عقود من أجل التثبت من نوايا ومخادع نتنياهو بالقاطع ففي مايو/أيار 1996 تغلب نتنياهو على شيمون بيريز وصار رئيس حكومة بفارق 29 ألف صوت بعدما قاد نتنياهو حملة دعائية عنصرية بعنوان “نتنياهو جيد لليهود”. في 08.05.1997 زار نتنياهو الناصرة زيارة رسمية ضمن ما يعرف بـ احتفالات “يوم الاستقلال” الـ 49. شارك رئيس البلدية وقتها رامز جرايسي ونائبه الرئيس الحالي للبلدية علي سلام وبعض رؤساء الحكم المحلي العربي في إحدى قاعات المدينة وقاطع الاجتماع كثيرون من رؤساء السلطات المحلية العربية. جرايسي في كلمته طالب وقتها نتنياهو بالعمل بـ صدق لتحقيق السلام والمساواة والتعامل مع الفلسطينيين على “أساس الندية والتكافؤ”. وقتها أيضا قدم نتنياهو كلمة معسولة عن السلام والمساواة بقيت حبرا على ورق كما هو متوقع ممن بات رمزا للكذب والحنث بالوعود والتضليل ومن وقتها لم يزر الناصرة حتى الأسبوع الفائت.
كانت في القاعة في زيارة 1997 طفلة من مجد الكروم في الجليل أسماها والدها الراحل (سعيد مناع) المقرب من “الليكود” سارة على اسم زوجة نتنياهو الذي بادر لـ مداعبتها. فيما كانت سارة الكبيرة تملأ القاعة ابتسامات ومصافحات بدأت سارة الصغيرة تملأ القاعة بكاء فبادرت الكبيرة وأعطت الصغيرة لنتنياهو ليداعبها علها تسكت. عندما فتح باب الأسئلة كان كاتب هذه السطور حاضرا فوجه السؤال لنتنياهو متى ستحصل سارة الصغيرة على حاسوب كبقية أترابها اليهود ضمن مشروع “حاسوب لكل ولد” وهو مشروع أطلقته حكومته وقتذاك فلم يجب نتنياهو إلا بعد تكرار السؤال ثلاث مرات وعندها اخترع جوابا على طريقته: “أولا أعمل أن أحقق لها السلام ومن ثم سـنحصل على حاسوب… واختتم خطابه الدعائي بالعربية “كل عام وأنتم بخير”. سارة نتنياهو من وقتها أخذت ثلاثة أرباع إسرائيل طمعا وفسادا كما يتهمهم الإعلام العبري ويحولها لـ إنسانة صغيرة بسبب جشعها وسارة الصغيرة صارت كبيرة بالعمر والقدر بعدما أعلنت أن الحاسوب لم يصلها بعد. خلال كلمته هذه المرة داخل بلدية الناصرة كرر نتنياهو وعده الكاذب بـ ضبط قتلة زوج وولدي سهام هيكل اغبارية من مدينة أم الفحم بعدما قتلوا في 2012 داخل بيتهم وبقي المجرمون طلقاء. “القدس العربي” عادت للزوجة والأم الثاكل سهام اغبارية اليوم وسألناها فقالت: “نتنياهو بارع في الكذب ويستغل مأساتي للترويج الانتخابي فقد وعد بالعثور على القتلة عشر مرات ولم يصدق مرة. من وقتها تركنا بيتنا الذي وقعت فيه الجريمة وانتقلنا لبيت جديد لكنني ما زلت مرعوبة: كلما دق أحدهم باب بيتي أظن أن القاتل جاء ليكمل جريمته ويقتلني أنا. أنا خائفة ونتنياهو كاذب”.

الأحزاب العربية تكنس الأحزاب الصهيونية

غداة يوم الأرض الأول والمدّ الفلسطيني الوطني كانت سنة 1977 أول مرة يفوق عدد المصوتين العرب للأحزاب العربية عدد أصواتهم للأحزاب الصهيونية خاصة عقب نشوء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وبعدها وبشكل ثابت منذ عام 1996 حتى اليوم تحظى الأحزاب العربية بـ الأغلبية الساحقة من أحزاب العرب. تبدو عودة الأحزاب الصهيونية للشارع العربي وتكالبها على أصواته محاولة لاستغلال أزمة المشتركة الناجمة عن خلافات شخصية وسياسية وعقائدية بين مكوناتها وفي الواقع هي أزمة أعم وأعمق تطال كل السياسة العربية الفلسطينية في أراضي 48. ولذا فإن مواجهة نتنياهو والليكود والغزوة الانتخابية الصهيونية التي تقوم بها أحزاب صهيونية أخرى هذه المرة أصعب لعدة أسباب وهي برأي خبراء كثر لن تتأتى بالشعارات والصراخ بل تحتاج لرؤية سياسية إعلامية هادئة للتأثير على مواقف وسلوك ناخبين عرب محتملين للتصويت لصالح الليكود وغيره.

أزمة السياسة العربية

كما تبدو هجمة الأحزاب الصهيونية عارضا من أزمة السياسة العربية برمتها لا أزمة المشتركة فحسب وعارضا من عوارض نجاح مشروع الأسرلة وتراجع النشاط الحزبي والجماهيري والطلابي وعودة الأميين والمخاتير للسلطات المحلية وغيره. وهناك جذور الأزمة متنوعة وعميقة منها تكلس وتقادم الفعاليات السياسية كما هو الحال مع الفصائل الفلسطينية خاصة اليسارية، التركيز على البرلمان على حساب الميدان (كما يظهر في فقدان فروع الأحزاب والنوادي الثقافية والشبابية الفعالة داخل البلدات العربية) والانتقال للنضال الإعلامي المسرحي واختلال ميزان الأفعال والأقوال والانجرار للعبة للنجومية الشخصية وتراكم المشاكل الحياتية (العنف والجريمة وهدم البيوت والبطالة الخ) واستفحال الضغط والترهيب الإسرائيلي اليميني على المجتمع العربي بالاستعداء والاحتواء وحالة الانهيارات العربية (منذ تشوش مسار الربيع العربي) والفلسطينية وضعف الإعلام العربي المحلي غياب النقد والمساءلة الحقيقية للسياسيين.

كذلك جاءت المشتركة في 2015 وأضعفت العمل والتنافس الحزبيين بعد الارتهان لها ورفعها سقف التوقعات منها ليعمّق خيبة الأمل بعد انقلاب وخيانة رئيس حزب “أبيض – أزرق” بيني غانتس الذي أوصت عليه لإسقاط نتنياهو لكنه تحالف معه وأيضا خلافاتها الراهنة تنعكس سلبا على كل السياسة العربية. مع استمرار نزيف المشتركة وبقائها “لا مطلقة ولا معلقة” واستمرار تفشي الجريمة في الشارع العربي في ظل الكورونا وتبعاتها يؤدي لـ تعميق الإحباط وعزوف الجمهور عن التصويت وفتح الباب للمزيد من الأسرلة. وبشأن المخرج من الأزمة يرى مراقبون كثر بـ ضرورة البناء من جديد ومن الأساسات وهذه مسيرة ليست قصيرة لكن تربة الشعب الفلسطيني طالما كانت خصبة وهو معطاء ويبحث عن مشروع يوازن بين الكرامة وبين الحقوق المدنية وقيادة مستعدة للعمل الحقيقي أكثر وأبعد من الشعارات. كما يرون أنه بدون تحقيق هذه الموازنة والبقاء أسرى للمفاهيم والهياكل السياسية القديمة للسياسة العربية بمصطلحاتها ولغتها ووسائل عملها وفقدان خطتها سيذهب الجيل الجديد لمعادلة فيها تركيز أقل على كرامة وهوية سياسية وأكثر على حقوق ومطالب حياتية ولسان حال التغيير يقول: “ليس بالشعارات وحدها تحيا المجتمعات والشعوب”.

تقبيل الوجه الذي بصق عليه

وعلى خلفية كل ذلك يتساءل محللون إسرائيليون عن مصير نتنياهو وعن إمكانيات عثوره على عجل نجاة عربي وعما إذا سيأتيه “الفرج العربي” من جهة فلسطينيي الداخل بعدما منعوه من تشكيل حكومة مستقرة في العامين الأخيرين وبعدما قاد حملات تحريض عليهم. مثلما يطرح التساؤل هل يسعى نتنياهو للتطبيع مع فلسطينيي الداخل بعد التطبيع العربي الذي يلوح به يوميا، ومحاولة الإفلات من الموت السياسي بدعم ولو 50% منهم لـ حزبه على غرار التطبيع مع الإمارات والبحرين والمغرب؟ عن ذلك يقول المحلل الحزبي في “هآرتس” يوسي فرطر إنه طيلة سنوات طويلة ونتنياهو ينكّل بالجمهور العربي، يسن قانوناً ضده ويحرّض عليه ويقصيه ويقسّمه. ويتابع: “في سنة 2015 حذّر من اقتراع جماهيري (لم يحدث فعلياً). النواب العرب يصفهم “بأنصار الإرهاب”. قاد قانون القومية العنصري وقانون الكاميرات العنصري. في المعارك الانتخابية الأخيرة، عندما تخوف من استعانة حزب أزرق أبيض بأصوات أعضاء الكنيست العرب، فقد كل الضوابط. العنصرية وكراهية العرب سيطرتا على حملات الليكود. كل شيء كان يمليه مقر رئاسة الحكومة والكل جرى بإيحاء منه. خطاباته كانت تحريضية ونصوصه مرعبة. “يهود وغير يهود”، اعتاد القول في جلسات الكنيست. فقط شخص مستهتر كلياً مثل نتنياهو قادر على تقبيل الوجه الذي بصق عليه مرات عديدة والتظاهر بأنه يتمتع بذلك”.

بدل الاستعداء بالاحتواء

ويقول إن لليكود كان دائماً موطئ قدم ما في الشارع العربي. هذه المرة رأى نتنياهو نافذة فرصة يستطيع من خلالها توسيع موطئ القدم هذا وإن القائمة المشتركة خيبت الآمال، وضعفت. مذكرا بأن الناخبين يُظهرون لامبالاة داعيا للاعتراف أن حكومة نتنياهو ضخت أموالاً إلى الجمهور العربي. ويضيف: “استراتيجيته (الذكية يجب الاعتراف) لا تهدف فقط إلى الحصول على مقعد إضافي هنا. هذا سيكون جائزة إضافية. الهدف الأساسي من ناحيته هو تهيئة ناخبيه لتقبُّل أن يشد بعد الانتخابات عدة أعضاء كنيست من العرب إلى عجلة الحصانة/ القانون الفرنسي. بالتأكيد سيكون هؤلاء أصدقاءه الجدد من قائمة الحركة الإسلامية التي يتزعمها منصور عباس”.
وخلص فيرطر للقول مقارنا بين ما جرى مع كل الفلسطينيين: “على طرفي الخط الأخضر بعد استعراضات الحب والحضن التي ستزداد وتكثر حتى 23 آذار/مارس، أيضاً أنصار بيبي المتحمسون والتحريضيون لن يتذمروا إذا عيّن نتنياهو منصور عباس وزيراً، أو إذا تحول أعضاء القائمة الإسلامية إلى شركائه المخلصين في الكنيست. سيبدو هذا طبيعياً لهم. ومجدداً يجب أن يقولوا إن هذا طبيعي، وأنه حان الوقت لدمج السياسيين العرب في السلطة. لن يكون في إمكان اليساريين أن يتذمروا: ما تخوف سياسيوهم من فعله على الدوام، خوفاً من أن توصمهم آلات التشويه الليكودية بحب العرب وكراهية اليهود، سيفعله نتنياهو ومن دون تردد. هذا ما فعله عندما صافح يد ياسر عرفات، وعندما اعترف بدولة فلسطينية في خطابه في جامعة بار إيلان، وعندما جمّد البناء في المستوطنات بضغط من الأميركيين”. من جهتها تعلن الأحزاب العربية أنها واثقة من أن فلسطينيي الداخل أكثر وعيا من أن يغرر بهم نتنياهو بشعاراته التضليلية لكن هل يكفي الشعار في ظل استفحال مشاكل حياتية وحالة سياسية مترهلة لديهم ومن حولهم؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية