ليس من الضروري أن يحشر المثقف أنْفَه في كل شيء، فارتباط المثقف بحقل معرفي أو إبداعي ما، هو نوع من التَّخَصُّص الذي يفرض على هذا المثقف، أن يتفرَّغ، بنوع من البحث والتنقيب، لهذا الحقل، أو لمجال اشتغاله الأول هذا، الذي عادةً ما يأخذ كُل أو جُلّ وقتِ الكاتب. فكما يكون الروائي متفرِّغاً للعمل الروائي، كذلك المسرحي يكون منشغلاً بكل ما يدخل في سياق اشتغاله هذا، وهو ما ينطبق على المفكر، وعلى الناقد، والقاصّ، وغيرهم ممن يعملون في حقول المعرفة والإبداع.
لكن، هذا الارتباط الحَصْرِيّ، لا يعني تقييد يَدِ المثقف أو الكاتب، أو حَصْر فكره وخياله، في أرض دون غيرها. فتوسيع مجال الفكر والإبداع، يفرض فَتْح نوافذ وشُرفاتٍ على أكثر من حقل، وعلى أكثر من أرض. فالشاعر مثلاً، مُلزَمٌ بمنح بَصَرهِ مُتْعَة النَّظر، أو تنويع زوايا نظره، من خلال فنون، كانت على صلة دائمة بالشِّعر، أو بالكتابة الإبداعية عموماً، مثل الرسم، أو التشكيل والمعمار أيضاً، خصوصاً أنَّ دوالَّ النص الشعري، اليوم، تَوَسَّعَت مع مفهوم الكتابة، الذي أصبحت فيه الصفحة دالاًّ بصريا، لا يمكن تفاديه في قراءة، و«فهم» النص. كما هو مفروض على الشاعر أن يقرأ التاريخ، والمحكيات التراثية القديمة، بما فيها من سُرود وكتاباتٍ، فيها اختلاق وإضافة وإبداع، لا يمكن وجود مثيل لها في الشِّعر نفسه، إذا ما بَقِيَ الشَّاعر مرتبطاً بالشِّعر وحدَه، ولا يخرج لغيره من الفنون أو المعارف الأخرى. حتَّى السياسة تُفيد في انشراح النص الشِّعري، وفي توسيع أفق الرؤية فيه.
أن نَأْسَر المثقف المبدع، في غرفة مُغْلَقَة بأثاثٍ واحد، وربما بنافذة واحدة، تُطِلُّ على الزرع نفسه، والخضرة نفسها والشجر نفسه، فهذا فيه قُصورٌ في الرؤية، وفي النظر، وقد ينعكس، هذا «الانغلاق» على إبداعية النص الشِّعري نفسه، وعلى الخيال الشعري عند الشاعر، كما يكون نوعاً من الأسْر الذي يمنع الانشراح، كما يمنع المُجازَفَة أو التجريبَ والاختراق، ويجعل من معنى كلمة «إبداع» غير ذات معنى، ولا تُفيد في شيء، لأنها مخنوقة، لا تدخلها شموس المعارف والفنون الأخرى، التي هي بمثابة الشّرفات التي نفتحُها كُل صباح على أكثر من نشيد، وأكثر من غناء. المثقف، هو ملتقى معارف وفنون وهو، كما تفرض ذلك صفته، أو هذه التسمية التي نصفه بها، شخص على صلة بكل ما يجري حولَه من علوم ومعارف، ليس ليصير عالِماً فيها، أو مُخْتَصّاً في أكثر من علم من هذه العلوم، بل إنَّ هذه العلوم والمعارف، هي ذلك الماء الذي يتزوَّد به هذا المثقف لإضفاء طراوةٍ على ما يشغله كفن، أو علم، أو معرفة، أو إبداع.
فحتى حين يكتب الشاعر، أو الناقد، أو المسرحي، أو الروائي، في غير مجال عمله، فهو لا يكون مُتَطفِّلاً على أراضي غيره، بقدر ما يكون مشاركاً بالرأي، وبالفكرة، في إضاءة هذا الحقل أو المجال الذي كَتَبَ فيه، لكن من زاوية المبدع، لا من زاوية العالم أو المفكر، بمعنى أنَّ هذا الرأي هو قراءة أخرى، من زاوية غير زاوية المتخصص في السياسة أو في الفلسفة والفكر. هذا حدث في تاريخ المعرفة الإنسانية، وما زال يحدث، وكثيراً ما يكون لهذا الرأي الآخَر، القادم من غير أرض المتخصِّصين إضافةً، خصوصاً إذا عرفنا كيف نقرأه، وكيف نتأمَّل طبيعة الرؤية التي يصدر عنها.
إنَّ هذه الروافد جميعها، تذهب كلها للمصبِّ نفسه، وتزيد من حقيقته، ومن غزارة مائه، وهذا هو جوهر، وصلب المعرفة، التي لا تتقيَّد بحَدٍّ، أو بأرض دون غيرها.
* شاعر من المغرب
صــلاح بوسـريف*