القاهرة ـ «القدس العربي»: العدالة الاجتماعية، هذا الشعار الذي رفعه المتظاهرون خلال ثورة يناير/كانون الثاني، وكان هدفا يطمح اليه كل من نزل إلى ميادين مصر للمطالبة باسترداد كرامتهم الإنسانية التي أهدرت مع تعاقب الأنظمة لسنوات، سيظل هذا «الشعار» يهدد أي نظام سياسي وأمني إن لم يتحقق، بل سيظل الخطر الحقيقي الذي لن يستطيع أي نظام التصدي له بالقوة.
غياب العدالة الاجتماعية في المجتمع المصري واتساع الفجوة بين الطبقات وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، نتج عنه تلقائياً ارتفاع نسبة العنف والجريمة، وتعدد حالات الانتحار خلال الأيام القليلة الماضية، خاصة مع صعوبة بلوغ المصريين المهمشين الحياة الكريمة التي أصبحت حلماً بعيد المنال، ومع صعود الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر بعد الثورة، أصبحت التيارات الإسلامية تمارس فلسفتها المتأسلمة علناً، وامتدت دعوتها إلى المدن والقرى والأماكن التي تعاني من الفقر، وكانت دعوتهم تركز على عدم السماح للنساء بالعمل، رغم أن نسبة المرأة المعيلة في مصر تزيد عن 35%، وفتوى تزويج الفتيات في السابعة، وهو انتهاك للقوانين المدنية والإنسانية، ماذا تفعل النساء إذن في مجتمع يجتهد ليرجمهن بفتاوى وقوانين تنتهك إنسانيتهن، ويتنصل من مسؤوليته في توفير بيئة أفضل لهن.
المجتمع العربي يحكمه قانون واحد هو إخفاء المشاكل والتخلص منها بدلا من مواجهتها والبحث عن حلها، فمشاكل المجتمعات العربية جميعها تتلخص في كلمة واحدة هي «المرأة»، المرأة أصل كل الشرور على الأرض، الصورة التي يحاول إثباتها دائماً المجتمع العاجز عن الاعتراف بدور المرأة الحقيقي فيحاول تشويه نوعها.
استقبلنا بحماس الأسبوع الماضي خبر عرض الفيلم التسجيلي «سكر بره» للمخرج باسل رمسيس، بسبب خصوصية موضوعه المثير للجدل، الذي يفتح ملف زواج المتعة وزواج القاصرات وتجارة النساء في القرى الفقيرة في مصر، لكن للأسف أصابتنا خيبة الأمل بعد إلغاء عرض الفيلم في مصر بشكل نهائي، بعدما أثار خبر عرضه تجارياً خوف بعض «الذكور» من فتح هذا الملف، خاصة أن المخرج يعرض نماذج حقيقية لنساء عايشن تلك التجربة، وبنات يسعين إلى هذا النوع من الزواج، وقال المخرج باسل رمسيس إن بطلات الفيلم تعرضوا لابتزاز وضغط، لذا قرر إلغاء أي عروض تجارية في مصر، خوفاً على سلامتهن، ويظل الفيلم يدور حول العالم في المهرجانات السينمائية، ونحن نغض البصر عن قضية تتآكل فيها الهوية المصرية التي يتشدق بها الكثير من ذوي الجنسيات المختلطة التي تنجبهن النساء من تلك الزيجات، ولا يعترف بهم اباؤهم، ويعاملون معاملة الأجانب في مصر، ويتعرضون لنبذ المجتمع لهم كونهم ابناء ليالي المتعة، المجتمع الذكوري يزيد جريمة أخرى إلى قائمته بالتعتيم على هذا الفيلم وتهديد أبطاله.
«سكر بره» فيلم تسجيلي طويل يعرض حالات متعددة لنساء من الحوامدية، إحدى قرى جنوب محافظة الجيزة، يعشن حياة قاسية اجتماعياً واقتصادياً، تسعى كل منهن للخلاص من الفقر بالبحث عن زوج «خليجي» ثري، على أمل بلوغ حياة كريمة حتى إن كان هذا الزوج يكبرها بخمسين عاما، ونرى «طفلة» في الرابعة عشرة من عمرها تقنعها أمها بالزواج من رجل في السبعين، مقابل حفنة زهيدة من المال، وأخرى في العمر نفسه تحلم بهذا النوع من الزواج للخلاص من قسوة الحياة مع أب يعذبها جسدياً ونفسياً، ويرفض إعالتها مادياً، فتلجأ للعمل في المنازل من دون علم والدتها.
ونموذج آخر لسيدات تزوجن رجالا من دول عربية مختلفة أصبحوا بعدها أمهات لابناء ينكر الآباء وجودهم، فيتبدد الحلم بالخلاص من الحياة الفقيرة عند السيدات إلى حياة أخرى تزيد فيها مسؤولية تربية الابناء ومواجهة المجتمع الذي ينظر اليهن بوحشية ويعتبرهن ساقطات.
رغم الحياة القاسية التي تعيشها تلك النساء وإنكار المجتمع لهن إلا أننا لا نلمس هذا الانكسار الذي يرافق دائماً الأنثى عندما تهزمها الحياة، فمعظم بطلات الفيلم هزمن الواقع وظهرن أكثر قوة وتماسكا، شخصية «م» التي سردت بداية عملها في الدعارة ثم انتقالها لممارسة زواج المتعة بعلم والدها، ثم رغبتها في التوقف عن هذا العمل خوفاً على اختها الصغرى، تحدثت بشجاعة صادمة للمشاهد وكأن ملامحها تحمل إدانة للمجتمع وتبرئة ذمتها ويديها الخاويتين أمام فقرها، وتحملها مسؤولية مهنتها السابقة أمام الكاميرا، من دون خوف، ألقت كامل المسؤولية على المجتمع الذي أدانه هذا الفيلم. رغم سوداوية الواقع لم يقدم الفيلم نظرة متشائمة، لكنه قدم فيضا من حب الحياة والتعايش مع ألم الواقع وقسوته والرغبة في تجاوز هذه التجارب ومواصلة الحياة. شخصية «ن» كانت الأكثر انطلاقاً وحيوية في سرد قصتها وفي اضفاء روح المرح والابتسامة وتحويل أهمية القضية إلى مجرد «تجربة» ومرت.
القانون في مصر لا يجرم الزواج العرفي لكنه يمنع زواج من هن دون الثامنة عشرة، ولكن من يطبق القانون، ومن يهزم الفقر، كل ما يدور في هذه القرية وغيرها الكثير من القرى المنسية في مصر يكسر كل قوانين الإنسانية، ويتحايل غشاً وتزويراً على القوانين المدنية، ويظل استخدام أسلوب الترهيب والمنع أضعف وسائل الإرهاب الفكري الذي تعتمده جماعات الفساد التي يضعف قوتها ويفجعها فيلم سينما.
رانيا يوسف