العراق إزاء كوابيس متلاحقة وانتفاضة مفتوحة

حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: مؤشرات وتطورات مقلقة في المشهد العراقي، توحي بأن البلد يتم دفعه بثبات نحو تعميق الأزمات والفوضى، وخاصة في محافظات الوسط والجنوب، التي عاد التوتر والتظاهرات إلى شوارعها، في وقت تقف الحكومة عاجزة عن التحرك وسط حقل ألغام الأزمات القابلة للتفجر في أية لحظة، سواء في احتواء الشارع الغاضب اليائس من الإصلاحات أو تدهور الأوضاع الاقتصادية أو العجز عن السيطرة على سلاح الفصائل الولائية أو تفشي الفساد وهيمنة “الدولة العميقة” على تشكيلات الدولة، إضافة إلى الفشل في النأي بالعراق عن الصراعات الإقليمية والدولية، وغيرها من التحديات والأزمات المزمنة.

الكابوس السياسي

لا جدال أن الحقيقة الساطعة في عراق اليوم هي فشل العملية السياسية في إدارة البلد، التي أصبحت تقر بها حتى أحزاب السلطة ورموزها، وخاصة بعد انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر 2019 بهدف التهرب من المسؤولية وإلقاءها على الآخرين. وقد أكد عمق الأزمة السياسية في العراق، التناقضات الواضحة في الخطاب الحكومي العراقي وتصريحات أحزاب السلطة، بين إقرار بعض رموزها بالفشل وبين اصطناع التطمينات من قبل رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي والأحزاب المتنفذة.

رئيس الجمهورية برهم صالح كرر مؤخرا تحذيراته من تدهور وضع العملية السياسية والرفض الشعبي لها، حيث أكد بمناسبة انتهاء عام 2020 حاجة البلد إلى عقد سياسي جديد، لأن “منظومة الحكم التي تأسست عام 2003 عاجزة، ولا يمكنها خدمة البلاد”. كما حذر صالح في مناسبة أخرى، من “استمرار استباحة البلاد واختراقها” وشدد على ضرورة “إبعاد الوصاية والتدخل الخارجي عنها” داعيا إلى “عقد سياسي جديد يسمح للعراقيين ببناء دولة ذات سيادة كاملة، ويعالج الأخطاء المتراكمة التي أدت إلى تصدع منظومة الحكم القائم” مشدداً على أنه “لا يمكن الاستمرار والبلد مستباح والدولة منتهكة ومخترقة” حسب قوله.

وكانت هذه الحقيقة هي أحد أسباب تجدد الانتفاضة والتظاهرات الداعية للإصلاح ومحاسبة الفساد وقتلة المتظاهرين التي توقفت قبل أقل من شهر، بعد قمعها من قوى محسوبة على الفصائل الولائية التابعة للأحزاب المتنفذة، ليؤكد الحراك الشعبي استحالة سكوت الشعب عن مطالبه المشروعة لوقت طويل.

انتخابات بلا النزاهة

ويتفق جميع العراقيين على ان الانتخابات هي مفتاح التغيير الشامل في العملية السياسية العقيمة للتخلص من رموزها وقواها السياسية الفاشلة والفاسدة، لذا جاءت دعوة انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر، لانتخابات مبكرة نزيهة، لتكون هي الخطوة الأساسية لتحقيق التغيير عبر صناديق الاقتراع. إلا ان إجراءات حكومة الكاظمي والبرلمان بتعديل قانون الانتخابات وتحديد موعد مبكر للانتخابات، أغفلت جانبا مهما يتحكم بنتائج أية انتخابات في عراق اليوم، وهو تأثير سلاح الفصائل الولائية والمال السياسي لأحزاب السلطة التي تمتلك نفوذا واسعا على مفاصل العملية الانتخابية وأدواتها، مما دفع تنسيقيات التظاهرات إلى إعلان العزوف الشعبي عن المشاركة في الانتخابات المقبلة ما لم يتم استبعاد السلاح المنفلت والمال السياسي، وهو الأمر الذي تأكد للجميع عجز حكومة بغداد عن تحقيقه.

وضمن محاولات الخروج من أزمة الانتخابات واستعادة ثقة الشعب المفقودة، عقدت الرئاسات الثلاث، قبل أيام، اجتماعا مشتركا بحضور الممثلة الأممية جينين بلاسخارت ومفوضية الانتخابات، للاتفاق على اتخاذ إجراءات لضمان “نزاهة الانتخابات” وتأمين المشاركة الشعبية الواسعة.

كما أعلنت حكومة بغداد أن “مجلس الأمن الدولي وبعض الدول يدرسون حاليا إيجاد الآليات المناسبة لتحقيق إشراف أممي على الانتخابات العراقية المقبلة، لمنع عمليات التزوير وإبعاد ضغوط المال السياسي والسلاح المنفلت”. إلا أن أغلب الأحزاب السياسية المتنفذة، أعلنت رفضها للإشراف الدولي بحجة الحرص على “السيادة العراقية” وذلك في تأكيد واضح على نوايا مبيتة لتكرار التزوير في نتائج الانتخابات أو الغاءها.

مخاطر هيمنة الميليشيات

وفي هذه الأجواء، يبرز تصاعد نفوذ الفصائل الولائية (أداة الدولة العميقة) في المشهد العراقي، التي يبدو واضحا انها متمسكة بالإبقاء على قواعد اللعبة السياسية السائدة منذ 2003  عبر مواصلتها سياسة استغلال ضعف الدولة وفرض وجودها على حكومة بغداد وتحديها علنا وتدخلها في كل شؤونها لتحقيق مصالح الأحزاب التابعة لها وتنفيذها أجندات خارجية تتعارض مع مصلحة الشعب العراقي.

وجاء وقوف الميليشيات الولائية التي اخترقت الأجهزة الأمنية، ضد التظاهرات وقيامها بقمعها وملاحقة النشطاء فيها، بحيث وصف رئيس منظمة بدر المقربة من إيران هادي العامري، التظاهرات بأنها “فتنة تشرين، وليست ثورة تشرين” ليشكل تحديا ليس لإرادة الشعب وحقوقه المشروعة فحسب بل ولحكومة الكاظمي التي تعهدت بحماية المتظاهرين ونزع السلاح المنفلت. وكذلك مواصلة الميليشيات قصف المنطقة الخضراء بالصواريخ دون قدرة الحكومة على ردعها، إضافة إلى التورط في حرب سوريا رغم معارضة حكومة بغداد. وبنفس الإطار جاء إفشال الفصائل لمحاولات الحكومة في ضبط موارد المنافذ الحدودية أو تهريب النفط والأموال أو إلغاء نافذة بيع الدولار، وغيرها من المجالات التي تزود الفصائل وأحزابها ، بمليارات الدولارات سنويا التي تسرقها من خزينة الدولة.

وفي هذا السياق، كشف بهاء الأعرجي نائب رئيس الوزراء العراقي الأسبق والمقرب من التيار الصدري، معلومات خطيرة في لقاء تلفزيوني تابعته “القدس العربي” أكد فيه “ان تشكيل الحشد الشعبي في العراق هو استنساخ لسيناريو الحرس الثوري في إيران” منوها أنه “يراد تكرار التجربة الإيرانية في العراق بإضعاف وزارة الدفاع وتقوية الحرس الثوري”.

وجاءت تصريحات الجنرال رحيم صفوي، كبير المستشارين العسكريين للمرشد الإيراني، قبل أيام، لتؤكد ما أشار إليه الأعرجي، عندما كشف “إن قاسم سليماني قائد فيلق القدس، السابق، أنشأ 82 فصيلا عسكريا في سوريا والعراق، تضم مقاتلين من جنسيات متعددة بينها 22 فصيلا في العراق”.

وازاء هذا الواقع لم يكن مستغربا القرار الأمريكي الأخير، بفرض عقوبات على رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق فالح الفياض ومعاونه (القيادي في كتائب حزب الله) عبد العزيز المحمداوي، لدورهما في الإرهاب وقمع التظاهرات والفساد. فيما عد محللون عسكريون هذا القرار، إحراجا لحكومة الكاظمي، التي ستكون ملزمة بتنفيذه، وانه مؤشر على أن الإرادة الدولية ذاهبة باتجاه وضع الحشد الشعبي على لائحة الإرهاب، وان الحكومة العراقية ستكون عندها ملزمة بحل الحشد، وهو ما يعني حتمية وقوع الصدام بين الفصائل المدعومة إيرانيا والدولة العراقية المدعومة دوليا.

ميزانية الألغام

وفي تحد خطير آخر، عد مراقبون أن موازنة 2021 التي قدمتها حكومة الكاظمي إلى البرلمان ستدخل العراق في نفق مظلم لا ضوء في آخره، من خلال إعداد ميزانية مليئة بالألغام والكوارث المدمرة للاقتصاد العراقي، حيث كشفت مناقشات البرلمان للميزانية المقدرة بمبلغ 113 مليار دولار، وجود عجز بنحو 40 مليار دولار، وثغرات قاتلة واخفاقات كبيرة، وسط اتهامات قوى نيابية بوجود انفاق مبالغ فيه وشبهات فساد واسع في بنودها، إضافة إلى توريط البلد بالمزيد من القروض والديون التي تزيد حاليا عن 130 مليار دولار عدا ديون ميزانية 2021.

 عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية ندى شاكر، أكدت “ان الأجيال القادمة سترهن حقوقها لدول الاقتراض إذا مررت موازنة الكاظمي بصيغتها الحالية، التي أتت بمعدل انفاق هو الأضخم بتاريخ العراق، رغم الوضع الاقتصادي المنهار” مؤكدة ان “الموازنة لا توجد فيها أي خطوة لتحسين الاقتصاد وعبارة عن اقتراض لتسيير أمور الدولة”.

وكان الاقتصاد العراقي قد اصيب باكبر انتكاسة من خلال خفض حكومة الكاظمي سعر صرف الدينار مقابل الدولار بنسبة كبيرة (من 1191 إلى 1450) إضافة إلى استقطاع جزء من الرواتب وفرض ضرائب ورسوم على الخدمات الحكومية والسلع المستوردة، مما ترك آثارا مباشرة على الاقتصاد وتدهور معيشة المواطنين ورفع أسعار السلع والخدمات، في وقت أعلن “برنامج الأغذية العالمي” التابع للأمم المتحدة، مؤخرا بان “قرابة 3 ملايين عراقي يعانون من أزمة عدم كفاية استهلاك الغذاء”.

ووسط هذه الأزمة الخانقة، تبرز مخاوف من شمول العراق بالعقوبات الأمريكية على إيران، وذلك بسبب عقد المزيد من الاتفاقيات الاقتصادية مؤخرا بين بغداد وطهران لصالح إيران، من أجل زيادة الصادرات الإيرانية لتصل إلى أكثر من 20 مليار دولار سنويا، مع ضغوط على حكومة بغداد لتسديد مستحقات إيران المالية. والهدف من كل هذه الإجراءات هو رهن الاقتصاد العراقي لفك أزمة طهران الاقتصادية جراء العقوبات الأمريكية.

وهكذا تتوالى أزمات العراق وتتعمق يوما بعد آخر وفي كل المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، لتعكس فشل أحزاب السلطة في إدارة الدولة العراقية، بل وفي تعمدها خلق المزيد من الأزمات لاشغال الناس بها، وللاستمرار في هدر سيادة البلد وإضعاف الدولة ونهب مواردها لصالح أحزاب السلطة والأجندات الإقليمية، وسط مخاوف جدية من انفجار بركان الغضب الشعبي الذي لم يعد بامكان احد خنقه، جراء التدهور المتواصل لشؤون البلد وضياع حاضره ومستقبله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية