العراقيون في مواجهة أزمة اقتصادية عصية على الإصلاح

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العراقيون، والتي اشتدت حدتها منذ انهيار أسعار النفط في ربيع العام الماضي حيث انخفضت ايرادات الصادرات إلى  1.4 مليار دولار في نيسان/أبريل مقارنة بقيمة 6.2 مليار في كانون الثاني/يناير، وانتشار وباء كورونا حتى أصبح العراق أكثر الدول المصابة بالوباء في العالم العربي، هي أزمة أكبر من حكومة مصطفى الكاظمي، وأكبر من النظام السياسي العراقي، وأكبر من العراق، لأنها تمثل الناتج المكثف لأزمتين كبيرتين عصفتا بالعالم ليستا من صنع العراق ولا حكومته، وزاد من حدتهما اختلال النظام الإقليمي، والعالمي، وانهيار حالة التوازن المستقر في الأسواق العالمية، إضافة إلى ضعف النظام السياسي العراقي وانتشار الفساد فيه، والتخريب الذي تعرض له العراق كوطن منذ الاحتلال الأمريكي وحرب “داعش” وبسبب تحول العراق إلى ساحة حرب لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من الناحية الأخرى.

وإذا كانت الحكومة الحالية تعتقد ان من الممكن إصلاح هذه الأزمة خلال عامين أو ثلاثة بحلول قصيرة الأجل، فإن خطة الإصلاح المتفائلة جدا التي تبنتها في مشروع الميزانية، اصطدمت بحقائق النظام السياسي القائم، واعتماد الوزراء على مرجعياتهم السياسية التي ينتمون إليها، أكثر من اعتمادهم على سياسة حكومية رسمية معلنة. ومع تقاطع النقاش بشأن الميزانية، مع إجراء انتخابات نيابية مبكرة، فإن حرارة موسم المزايدات سوف تتغلب على اعتبارات الإصلاح الحقيقية وتقذف بها للوراء. كذلك فإن أزمات الغاز والكهرباء ورواتب الموظفين وعجز قطاع الرعاية الصحية مع تزايد مخاطر فيروس كورونا المستجد، ستفرض قيودا على الموارد المتاحة، على الرغم من تحسن ايرادات النفط، مع ارتفاع أسعار خام البصرة في الأيام الأخيرة إلى أكثر من 55 دولارا للبرميل. كذلك فإن جزءا من أزمة العراق الاقتصادية يرتبط بالضغوط المفروضة على إيران، وحاجة حكومة طهران إلى سيولة مالية من مبيعاتها من الغاز والكهرباء إلى العراق، وهي المسألة التي شكلت موضوعا ملتهبا في العلاقات بين البلدين خلال الأسابيع الأخيرة وأدت إلى تخفيض صادرات الطاقة الإيرانية، وتهديد إمدادات الكهرباء في العاصمة وكل أنحاء العراق.

إن أزمة الطاقة في العراق تعكس مفارقات كثيرة منها ما يتعلق بقدرته كدولة نفطية كبرى في تحقيق الاعتماد على النفس، وتقصيره في استثمار موارد الطاقة الشمسية الهائلة المتاحة لديه، سواء بالاعتماد على نفسه أو بالتعاون مع جيرانه خصوصا الأردن. ومنها مفارقة عجز النظام الإقليمي عن توفير بدائل متنوعة للامدادات، حيث أن دولة مثل مصر تعاني من صعوبة تصدير الفائض المتاح لديها من الكهرباء والغاز بسبب عجز البنية الأساسية الإقليمية للطاقة عن توفير ممرات إلى دول تحتاج لهذا الفائض مثل العراق.

رؤية البنك الدولي

تبدو صورة الاقتصاد العراقي على ضوء تقييم خبراء البنك الدولي مختلطة بعوامل التفاؤل والتشاؤم في آن واحد، فالعراق مر في العام الماضي بأسوأ كساد منذ عام 2003 حيث انكمش بنسبة 9.5 في المئة في حين بلغ الانكماش في القطاع النفطي 12 في المئة. وقد تسبب التضخم وتراجع الدخل في زيادة حدة الفقر الذي يقدر البنك انه زاد ليشمل ما يقرب من ثلث السكان. وعلى الرغم من أن محركات الانكماش مثل انتشار الإصابة والوفيات بفيروس كورونا، وانهيار أسعار النفط لم تكن من صنع الحكومة، فإن عجزها عن مواجهة تداعيات الضغوط المزدوجة منهما معا، أدى عمليا إلى تعقيد الموقف، وتسبب في أزمة سيولة حادة، لم تستطع الحكومة الخروج منها إلا بالحصول من مجلس النواب على ترخيص بالاقتراض من البنك المركزي، وهو ما زاد الأمور سوءا من ناحية أثر ذلك على القوة الشرائية، خصوصا مع قصور الإنتاج العيني الزراعي والصناعي وزيادة الاعتماد التجاري على إيران.

ومع ذلك فإن التوقعات الإيجابية للنمو التي تحيط بسوق النفط الخام، وبتوفر لقاحات كورونا، يقدمان للحكومة فرصة للحصول على سيولة مالية إضافية نتيجة التحسن في ايرادات تصدير النفط الخام، وكذلك إمكان الحصول على دعم دولي من أجل إتاحة لقاحات كورونا للقطاعات الأكثر احتياجا من السكان.

حواجز في طريق الإصلاح

 

ويقدر البنك الدولي ان معدل النمو في العراق للعام الحالي سيرتفع إلى ما يتراوح بين 2 إلى 7.3 في المئة، مع ترجيح حدوث نمو قوي نسبيا في القطاع غير النفطي يصل إلى 4 في المئة. ويقترح البنك عددا كبيرا من الإصلاحات عبر مسارين واحد للأجل القصير والثاني المتوسط، وقال انه بدون تلك الإصلاحات فإن العجز في الميزانية سيرتفع إلى ما يعادل 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع خروج المديونية الحكومية عن نطاق السيطرة. وتتضمن الإصلاحات العاجلة التي اقترحها البنك خطة قاسية للتقشف تهدف إلى تخفيض الإنفاق العام وزيادة الايرادات، وذلك بتخفيض الدعم وزيادة أسعار الطاقة ومكافحة الفساد.

وتواجه الحكومة الحالية أزمة مزدوجة سياسية واقتصادية، بما يقلل قوة الدوافع لوضع سياسة اقتصادية جادة لمواجهة الأزمة، ولذلك فإن من المحتمل أن تأتي بحلول جزئية مؤقتة لتسكين جراح الاقتصاد، بدون الإقدام على تنفيذ برنامج جاد للإصلاح، تاركة المسؤولية للحكومة المقبلة. وأيا كان المسار السياسي، فإن من المرجح تخفيض قيمة مشروع الميزانية المعروضة على البرلمان، التي تتضمن عجزا يزيد عن 100 في المئة، حيث تبلغ قيمة الايرادات المقدرة أقل من 70 تريليون دينار (57 مليار دولار) في حين تقدر قيمة النفقات بما يقرب من 150 تريليون دينار (125 مليار دولار). وفي هذا السياق، فإن الحكومة خلال النصف الأول من العام الحالي سيتعين عليها عبور عدد من الحواجز الصعبة، أهمها مكافحة كوفيد-19 والسيطرة على انتشار الفيروس، يليه حاجز توفير الرواتب للموظفين، وتوفير الطاقة للمساكن وتشغيل الحياة اليومية، والسيطرة على العجز المالي، وهي كلها حواجز تتعلق بمواجهة الأزمة الاقتصادية مؤقتا في الأجل القصير، على أن تتولى حكومة جديدة تتمتع بقوة حقيقية داخل مجلس النواب وضع وتنفيذ برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي في المدى المتوسط. وقد يحالف الحظ الحكومة الحالية اذا استمرت أسعار النفط في التحسن، لكن ذلك لا يجب أن يكون كابحا لضرورات الإصلاح ومكافحة الفساد وتخفيض النفقات وتحقيق التوازن في الإنفاق التنموي على المحافظات.

العراق ليس وحده

يمثل العراق جزءا من إقليم اقتصادي يتمتع بخصائص جيوستراتيجية وجيواقتصادية تفرض ضرورة التعاون والمنافسة من أجل تعبئة وتنمية الموارد المتاحة، وزيادة مستويات الإنتاجية والرفاهية لشعوب المنطقة ككل. ومع ذلك فإن عددا من الظواهر السياسية تتسبب في فرض قيود ثقيلة على حتمية التعاون المثمر والتنافس الصحي في كل المجالات. ومن أخطر هذه الظواهر انتشار الكراهية القومية والمذهبية والفساد السياسي، وتحول الجماعات السياسية إلى مجرد جماعات لتحقيق المصالح الخاصة لأصحابها والجهات المهيمنة عليها أو الموالية لها، بدون النظر إلى مصالح المجتمع ككل. وقد أدت هذه الظواهر إلى تغلغل الفساد في كل أركان الدولة التي أُعيد بناؤها على أسس مشوهة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. ومع استمرار حال الاستقطاب القومي والمذهبي العميق، ما تزال هذه التشوهات تسيطر على الأوضاع رغم محاولات الانتصار عليها منذ انفجار خريف الغضب في العراق تشرين الأول/أكتوبر 2019.

علاقات خاصة مع إيران

من الصعب جدا التفكير في كيفية خروج العراق من أزمته الراهنة بدون أن نأخذ في الاعتبار علاقاته الخاصة مع إيران في كافة المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والمذهبية، حيث أن هذه العلاقات تساندها شبكة من الجماعات السياسية، وبنية أساسية قانونية وتنظيمية، تتأثر بما تعانيه إيران من سياسة “الضغوط  القصوى” الأمريكية التي يأمل العراقيون والإيرانيون معا أن تنتهي برحيل دونالد ترامب عن البيت الأبيض. لكن العلاقات الخاصة العراقية – الإيرانية يجب ألا تأتي على حساب اتصال العراق بمحيطه الإقليمي، وقدرته على التفاعل مع دول الإقليم العربية وغير العربية، بدون أن يقع تحت سيطرة أي دولة من هذه الدول. ولا شك في انه من مصلحة دول الإقليم ككل أن تنشأ علاقات عربية – إيرانية صحية تنبذ الكراهية القومية والطائفية، وهو مسار كانت تسعى إلى تحقيقه إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وربما يسير على نهجه جوزيف بايدن. وفي هذا السياق فإن العراق يمكن أن يصبح بوابة الدول ذات الأغلبية العربية على إيران وبالمثل ان يكون بوابة لإيران على الدول العربية.

إن إيران حاليا هي المورد الأول للطاقة إلى العراق، ومن الضروري تسوية الديون المستحقة عليه لإيران مقابل استيراد الغاز والكهرباء، لكنه في الوقت نفسه من الممكن أن يستفيد من مشاريع الربط الكهربائي بين الدول العربية في المشرق ودول الخليج. ويجب النظر إلى ذلك باعتباره وسيلة تنويع أسواق ومصادر الطاقة، على اعتبار أن العلاقات الاقتصادية الصحية هي في جوهرها معادلات تحقق مكاسب متبادلة وليست معادلات صفرية تحقق مصالح بلد على حساب الآخر. وفي وتمثل السياحة الدينية في العراق المصدر الثاني للايرادات بعد النفط، ومن الممكن أن تكون هذه السياحة متعددة الأطراف وليست ثنائية فقط، بشرط ألا يتم استخدامها كوسيلة للتعبئة الايديولوجية والسياسية والطائفية، وهي الوسائل التي تتسبب في تكريس أو خلق العداوات.

وتعتبر التجارة السلعية مجالا رئيسيا من مجالات تبادل المنافع المشتركة بين العراق وإيران، ويطمح البلدان إلى زيادة القيمة السنوية للمبادلات التجارية بينهما إلى أكثر من 20 مليار دولار في العام الحالي حسب تصريحات وزيري الطاقة الإيراني والتجارة العراقي في طهران أخيرا بمناسبة انعقاد الدورة الرابعة للجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين. لكن من الممكن أن تتسع هذه التجارة لتشمل أطرافا أخرى مثل مصر وليبيا والسودان والأردن وغيرها، نظرا لوجود إمكانات متنوعة لتحقيق مستويات أعلى من التجارة والاستثمار في ظل علاقات متعددة الأطراف تفوق كثيرا المستويات المحققة على أساس العلاقات الثنائية. ويحتاج العراق إلى مواجهة تدهور المرافق والبنية الأساسية باستثمارات ضخمة لن يقدر على تنفيذها وحده، أو من خلال علاقات ثنائية فقط. على سبيل المثال فإن تطوير شبكات توزيع الكهرباء، ومحطات المحولات، ومحطات إنتاج الطاقة، وخطوط نقل الجهد العالي والمتوسط، ومشاريع المياه والطرق والسكك الحديد وبناء المدارس والمستشفيات وغيرها من مشاريع الإعمار تحتاج إلى استثمارات ضخمة تتجاوز 100 مليار دولار على أقل تقدير، وتستلزم وفرة الخبرات والمهارات البشرية والشركات المؤهلة للقيام بهذه الأعمال، وهو ما يتطلب وجود سياسة اقتصادية أكثر انفتاحا على دول المنطقة وعلى العالم ككل. كذلك فإن أزمة المياه التي تواجهها المنطقة ككل تفرض ضرورة التعاون والتوصل إلى حلول مستدامة طويلة الأجل تحقق المصالح المشتركة للجميع. وفي حال العراق فإن التصدي لأزمة المياه يتطلب التعاون على أوسع نطاق ممكن مع إيران وتركيا وسوريا لتعظيم الاستفادة من مصادر المياه المشتركة وتنميتها.

صعوبات التقشف

يتحمل العراقيون الآن تداعيات عقود طويلة من الكوارث والأخطاء التي ورثوها عن أنظمة حكم استبدادية وقمعية استخدمت أدوات مختلفة لتحقيق مصالحها الخاصة، ومن المؤسف أن هذه التداعيات تنزل على رؤوس الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة ومتوسطي الحال وقع صخور الجبال، بدون وجود شبكات أمان اجتماعي ملائمة. ويساعد انتشار الفساد على استمرار وتكريس هذه الظاهرة، فتكون الفئات الأدنى والمتوسطة هي التي تتحمل في نهاية الأمر تكلفة إصلاح ما أفسده المستبدون. ومن الضروري توزيع أعباء فاتورة الإصلاح الاقتصادي حسب معايير تراعي اعتبارات العدالة والقدرة على التحمل. كذلك فإن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يتضمن المزيد من الإهتمام بخدمات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وزيادة مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي، وزيادة فرص العمل المتاحة للشباب، وهي مهام تحتاج لمجهود جاد ولوقت أطول لإظهار النتائج.

إن قدرة الحكومة على اختراق حواجز السباق إلى الإصلاح سوف تتوقف بادئ ذي بدء على مدى توفر الإرادة السياسية للإصلاح إنطلاقا من هوية وطنية عراقية لا قومية متطرفة ولا طائفية تراعي اعتبارات المستقبل وتهدف إلى بناء عراق جديد لجميع أهله، يكون في سلام مع نفسه، ومع جيرانه، ومع العالم أجمع. ومن الضروري هنا التحذير مجددا من خطورة تكوين حكومات يكون فيها ولاء المسؤولين للجهات التي رشحتهم ودعتهم لتولي مناصبهم، وليس للعراق ككل. إن اقصر طريق إلى تحقيق ذلك يبدأ من إصلاح الكيانات السياسية ذاتها التي تتقدم لتحمل المسؤولية، كما يشمل ضرورة رفع مستوى وعي الناخبين الذين يتولون اختيار النواب، وسلامة العملية الانتخابية وتخليصها من الشوائب التي تتسبب في تشويه نتائجها. ويبقى ان نؤكد ان أقصى ما يمكن أن تفعله الحكومة الحالية خلال الأشهر المتبقية من عمرها، سيكون محاولة تجاوز أربعة حواجز رئيسية، هي كوفيد-19 وتوفير مرتبات الموظفين، وتوفير الطاقة الضرورية، والسيطرة على العجز المالي، إضافة إلى وضع إطار مؤقت لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، خصوصا استقرار الأسعار، وعدم الوقوع في مطبات من شأنها أن تهدد مستقبل الحكومة التالية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية