القاهرة ـ «القدس العربي» توسعت الصحف الصادرة أمس الخميس 4 ديسمبر/كانون الأول في تغطية الاجتماعات التي حضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي لافتتاح القوات المسلحة سلسلة من المشروعات، التي تتضمن إقامة عدد من الكباري، وإضافة وحدات جديدة لمجمع الجلاء الطبي.
وكان جالسا إلى يمينه المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري ووزير الدفاع السابق، ولوحظ أن السيسي بعد كل عرض لبعض المشروعات بواسطة «الفيديو كونفرانس» وشرح المسؤول العسكري، كان يتعمد التدخل بالشرح والتعليق، فعندما تمت الإشارة إلى إنشاء فندق في مجمع الجلاء لإقامة المرضى أثناء فترة النقاهة والمرافقين لهم، وهو ضمن سلسلة فنادق تاليدو التابعة للجيش، قال السيسي معلقا «إن إدارات هذه الفنادق والعاملين فيها بيد المدنيين، وهناك خمسون ألف مدني يعملون فيها»، وعندما استمع إلى شرح لمشروعات الطرق والمباني التي تنفذها الهيئة الهندسية أسرع بالتدخل وأوضح أن المشروعات المنفذة من الجيش جزء من مشروعات كبرى تنفذها الشركات الخاصة والحكومية.
ثم شن هجوما مفاجئا على بعض الوزراء والمسؤولين من دون أن يحددهم.. وبدأ الغضب عليه وقال إنه لن يسمح بفساد جديد وستتم مقاومته، كما ستتم محاسبة المسؤولين إن هم لجأوا في التعيينات إلى المجاملات والتوصيات. وأشار إلى أن الشعب قام بثورتين ومن الممكن أن يقوم بالثالثة، إذا لم تتحقــــق مطالبه ويرى تحقيـــق الأعمال التي وعدنا بها في مواعيدها، وغمـــز نظام مبارك بطـــريقة غـــير مباشرة أكــــثر من مرة.
ومع ذلك فقد أخبرنا أمس الخميس زميلنا وصديقنا الفنان الموهوب جمعة فرحات أنه ذهب لزيارة بعض أقاربه من شباب الثورة المحبوسين ولم يصدق نفسه عندما وجد مبارك هناك يحمل حكم البراءة في يد ويغيظ الشباب باليد الأخرى .
لكن لوحظ انه بعد هجوم السيسي العنيف على مبارك بالاسم أثناء لقائه مع شباب الصحافيين والإعلاميين فإن أنصار مبارك اختفوا تقريبا.
أما الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء المنعقد يوم الأربعاء، فشدد على مكافحة الفساد ورفض لجنة شؤون الأحزاب الموافقة على تأسيس الحزب الذي تقدمت بطلبه حركة «تمرد»، وكذلك الحزب الذي تصدر به أنصار الفريق سامي عنان. ومن أخبار الصحف أيضا مقتل سبعة تكفيريين وإلقاء القبض على أعداد أخرى من الإخوان وإصدار لجنة الحجز على أموال وممتلكات الإخوان قرارا بالحجز على أموال وممتلكات قادة أحزاب دعم الشرعية ومقاومة الانقلاب.
وإلى بعض مما لدينا….
حزب أحمد شفيق يحاول التبرؤ من مهاجمي ثورة يناير
ونبدأ تقريرنا من جريدة «البوابة» اليومية الخاصة التي تعبر عن حزب الحركة الوطنية، الذي يرأسه الفريق أحمد شفيق، عدد يوم الأربعاء، التي شنت هجوما ضد رجل الأعمال وصاحب قناة «صدى البلد» التي تتزعم الهجوم على ثورة يناير/كانون الثاني بنشر خبر لزميلتنا الجميلة مريم جبل قالت فيه: «حصلت البوابة على معلومات تفيد بتقدم رجل الأعمال محمد أبو العينين بطلب إلى لجنة «فض منازعات الاستثمار»، التي يترأسها المستشار محفوظ صابر وزير العدل لاسترداد القيمة المادية التي دفعها لتسوية قضية حصوله على قطع أراض حصل عليها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك بـ«رخص التراب»، تتراوح مساحتها بين 30 و50 فدانا بسعر دولار للمتر، وعندما تم تقديم بلاغات ضد رجل الأعمال عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني، تم تشكيل لجنة لتقدير قيمة الأرض وتوصلت إلى أن سعر المتر كان يتراوح وقت حصوله عليها بين 5 و10 دولارات، وبالفعل دفع «أبو العينين» فروق الأسعار لإنهاء «القضية» وتم حفظ البلاغ». أما المفاجأة بحسب مصادر مطلعة فهي تقدمه بطلب عرض على لجنة «فض المنازعات» للحصول على الأموال التي دفعها للدولة، والتي تصل إلى مئتي مليون جنيه، وكانت الفضيحة في مذكرة اللجنة بأحقية «أبو العينين» في الحصول على أمواله. واختلفت الآراء داخل اللجنة حول الأمر ومدى قانونيته، إذ يتعارض حصول «أبو العينين» على أموال الدولة مع صحيح القانون الذي ألزمه برد المبالغ، في ما سبق، فتم إرجاء النظر في الطلب بشكل مؤقت.
ولا نعرف إن كان شفيق وحزبه قبل انتخابات مجلس النواب يريد أن يبعد عن نفسه شبهة أنه حزب رجال نظام مبارك أم لا.
حالات الحصار الرسمي للأحزاب
السياسية في التسعينيات
وإلى بعض الحكايات والقصص عن مبارك ونظامه يرويها لنا زميلنا وصديقنا عصام كامل رئيس تحرير جريدة «فيتو» الأسبوعية المستقلة التي تصدر كل ثلاثاء ورئيس تحرير جريدة «الأحرار» الأسبق تنهد ثم قال: «أعود بكم إلى تسعينيات القرن الماضي عندما قرر حزب الأحرار، الذي كان يتزعمه في ذلك الوقت الراحل مصطفي كامل مراد، عقد مؤتمره الانتخابي في قاعة بنك التنمية والائتمان الزراعي بشارع قصر العيني، ضجت القاعة بالحضور من كافة محافظات مصر، والكل في انتظار زعيم الحزب المحبوب، لحظات ووصلت سيارته، كان يوم جمعة نزل مصطفي كامل مراد من سيارته وسط ترحيب قادة الحزب وقواعده، وقبل أن يدخل الرجل إلى القاعة إذ بسيدة ترتدي عباءة سوداء تقف أمام زعيم الحزب، الذي ظن أنها جاءت لتحيته، وقبل أن يمد يده إليها مصافحا مزقت عباءتها من أعلى منطقة صدرها وصرخت وهي تردد «الرجل ده اعتدى عليّ يا ناس»، ووسط حالة من الهرج والمرج، ومن دون أن نعرف تفاصيل قصة المرأة وبطريقة منظمة اقترب ضابط شرطة من السيدة وطلب منها تقديم بلاغها ضد المعتدي، ساعتها أدركنا جميعا أن المقصود هو الإساءة إلى زعيم الأحرار، حملناه سريعا إلى داخل القاعة وطردنا رجال الأمن وأغلقنا الباب برجال أشداء وعقدنا مؤتمرنا.
وفي المساحة الزمنية نفسها من ذلك العصر كان حزب العمل يعقد مؤتمره السياسي الانتخابي بزعامة المهندس الراحل إبراهيم شكري، عندما فوجئ من في القاعة بعدد من الثعابين تجري بين الحضور، مثل هذه المشاهد وغيرها كانت عناوين الصحف التابعة للدولة في ذلك الوقت. كانت الصور الأخرى من حالة الحصار الرسمي للأحزاب السياسية أكبر من أن تحصي، لم يكن ذلك وحده هو ما تتعرض له الأحزاب السياسية التي تم تفريغها وخلق الصراعات بها».
يوميات الثلاثاء
لكي تهدأ أرواح الشهداء
لا بد من محاكمة القتلة الحقيقيين
وإلى أبرز ما تم نشره يوم الثلاثاء عن حكم محكمة الجنايات برئاسة المستشار محمود الرشيدي، ونود في البداية الإشارة إلى نقطتين الأولى، أن الحكم أدان مبارك ونظامه سياسيا. والثانية أن هيئة محكمة الجنايات تتكون من ثلاثة مستشارين، رئيس وعضوي يمين ويسار ولا يمكن أن يصدر الحكم إلا بموافقة الثلاثة بعكس محكمة الجنح أول درجة التي يرأسها قاض واحد. ونبدأ بـ»الأخبار» والجميلات الثلاث من زميلاتنا، الأولى ميرفت شعيب «ناصرية»، التي اختارت عنوانا لمقالها هو «مبارك المفترى عليه»، مثل عنوان كتابي «عبد الناصر المفترى عليه» قالت: «ربما يحق للرئيس المخلوع حسني مبارك بعد الحكم ببراءته من جريمة قتل المتظاهرين أن يقاضي الشعب المصري، الذي ثار عليه في 25 يناير/كانون الثاني، وأجبره على التنازل عن الحكم بعد 18 يوما فقط، بل من حقه أن يطالبنا بتعويضه ماديا وأدبيا عن فترة سجنه لثلاث سنوات في أفخر أجنحة المستشفيات، وتخصيص حراسة ورعاية طبية فائقة وانتقال بالهليكوبتر لموقع المحاكمات.
لقد وزعت السيدة سوزان مبارك الشوكولاتة على العاملين في مستشفي المعادي، بينما شعر الشعب بالمرارة، فالرجل الذي تفانى في خدمتنا بإخلاص على مدار ثلاثين عاما أنكرنا أفضاله التي أغرقتنا «من ساسنا إلى راسنا»، كما يقول المثل الشعبي.
مع احترامنا لأحكام القضاء وتقديرنا لظروف قضية مبارك، لكن الحكم كان صادما لمعظم الناس، الذين انتظروا القصاص للشهداء. فلو أن مبارك حوكم سياسيا لدفع ثمن الفساد والمرض والتخلف الذي دفعه الشعب في عهده، والقمع الذي مارسه وزير داخليته العادلي، والآن لكي تهدأ أرواح الشهداء لا بد من إعادة التحقيق ومحاكمة القتلة الحقيقيين».
هل لنا من عمر آخر يأتي بحقوقنا الضائعة؟
وثاني الجميلات هي زميلتنا نهاد عرفة «ناصرية» وقولها: «الحكم على من سرقوا الوطن وأهانوا الشعب 30 سنة «براءة»، لا تعقيب على حكم القضاء لأنه بالأدلة والأوراق التي أمامه. لم نكن نريد محاكمات مدنية لمبارك ورموز نظامه، لم تكن هذه مطالبنا. من إذن الذي طالب بالمحاكمات المدنية؟ إنها النخبة وجماعة الإخوان الذين رفضوا المحاكم الثورية وأصروا على المحاكمات المدنية، ثم يتباكون الآن على حقوق الشهداء ويصنعون الفتن بين فئات الشعب هذه الحقوق التي لم تؤخذ رغم مرور أربع سنوات. مبارك ليس بريئا، حتى لو أكد ذلك حكم القضاء. مبارك مسؤول مسؤولية مباشرة عما يحدث لشعبه ووطنه، وكل مسؤول يجب أن يحاسب، حتى لو لم يقتل بيديه، حتى لو لم يكن يعلم، لأن عدم علمه مصيبة أكبر، ويجب أن يحاسب عليها حسابا عسيرا، لهذا كانت المحاكمات الثورية هي الأفضل، لأنه لا يوجد قانون يحاكم على الجرائم السياسية، أين نحن من قول أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب «رضي الله عنه»، لو تعثرت دابة في العراق لخشيت أن يسأل عنها عمر، لما لم تمهد لها الطريق؟.. أما أن يبرأ مبارك من قتل المتظاهرين لأن الأدلة طمست وسرقت، ويفلت هو ووزير داخليته ورجال نظامه، فهذا من المبكيات المضحكات فهل لنا من فاروق آخر يأتي بحقوقنا الضائعة».
شعب قتل بالمرض والفقر
والإهمال والقهر والرصاص
وأما ثالث الجميلات فهي رضوى عبد اللطيف التي قالت: «كانت تلك دقائق صادمة التي نطق فيها القاضي الحكم ببراءة مبارك ومعاونيه، بعد أكثر من 3 سنوات على المسرحية الهزلية التي أطلق عليها «محاكمة القرن»، رغم أن الحكم كان متوقعا لكثيرين في ظل قضية مهلهلة أفسدت الإدانة فيها عمدا منذ البداية، ولكن لماذا أنفقت عليها الدولة كل هذه الملايين؟ من قال إنهم يعبأون بشيء اسمه شعب أو رأي عام أو أهالي شهداء؟ وعن أي ثورة نتحدث والكل يسميها المؤامرة ويتفنن في الإساءة لكل من شاركوا فيها، من دون أن يردعهم أحد؟ وما بين الحكم بالمؤبد قبل أشهر وحكم البراءة اليوم والحديث عن امتصاص غضب الرأي العام بإصدار أحكام موسمية مهدئة ومخدرة، مستعينين بقصور وثغرات في القوانين، أتساءل هل العدالة الربانية تنتظر ثغراتكم وتبريراتكم؟ ومن يجرؤ أن ينكر جرائم قتل المصريين شبابا وأطفالا، نساء ورجالا وشيوخا بأيدي النظام المباركي الذي تفنن في قتل شعبه بالمرض والفقر والجهل والإهمال والفساد والقهر والرصاص؟».
خالد ميري: لن نترك مبارك
وحاشيته الفاسدة يفلتون من العقاب
ومن الجمال إلى الجنس الخشن في عدد «الأخبار» ذاته، وزميلنا عضو مجلس نقابة الصحافيين خالد ميري وقوله: «حسنا فعل المستشار الجليل هشام بركات، النائب العام عندما أكد أن النيابة ستطعن بالنقض على حكم البراءة للجميع، فالنيابة تمثل المجتمع الذي نهشه مبارك ورجاله، وثقتنا لا حدود لها في قضاتنا الأجلاء في محكمة النقض، بأن العدالة ستترسخ على أيديهم، وأن المسؤولية الجنائية لن تضيع في انتظار محاكمة سياسية لم ولن تحدث. الإخوان في السجون الآن يحاكمون على جرائمهم والشعب لن يتركهم يفلتون من العقاب، لكننا أيضا لن نترك مبارك وحاشيته الفاسدة يفلتون من العقاب».
العواطف الجياشة
ليست من طبيعة القضاء
لكن زميلهم محمود عطية لم تعجبه هذه الحماسة في القول ولذلك نصحهم بما هو آت:
«الانفعال الثوري والعواطف الجياشة ليست من طبيعة القضاء، والأحكام الجنائية لا تصدر إلا عن يقين تام للقاضي، والشك فيها دائما ما يفسر لصالح المتهم، أيا كانت التهمة، ولا أفهم كيف يخلط البعض في رؤيته للحكم بين تاريخ مبارك والذين معه سياسيا، وطول سنوات خدمتهم الطويلة، والقضية لا تمس من بعيد أو قريب ما فعله أو اقترفه الحاصلون على البراءة، إلا على واقعة جنائية محددة نسب إليهم فعلها.
وجاء الحكم كفلق الصبح حول تلك الواقعة فقط لا غير. أما فساد الحكم وما ألت إليه أحوال البلاد طول ثلاثين عاما لم يكن للقاضي أن يصدر حكما فيها، ببساطة لأنها ليست القضية محل الدعوى المنظورة أمامه، وحيثيات الحكم أشارت بجلاء كيف توصلت المحكمة لحكمها وهي مرتاحة الضمير لإقامة العدل. أما إصدار الأحكام وخلط الأوراق بين الجنائي والسياسي من دون دراية وزج العوام في ما يجهلون، فما هي إلا أحكام ومحاكمات ظالمة».
قوات الأمن والشرطة
لم تطلق النار على ثوار الميدان
ولو تركنا «الأخبار» إلى «الأهرام» لوجدنا زميلنا وصديقنا نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد يقول في عموده «نقطة نور» وهي يخفي ابتسامة: «قبل غالبية المصريين باستثناء قلة محدودة ومن دون غضاضة الحكم الذي أصدره المستشار الفاضل محمود كامل الرشيدي في قضية مقتل متظاهري 25 يناير/كانون الثاني، والقضايا الأخرى الملحقة بها، احتراما لحكم القضاء واقتناعا بنزاهة المحكمة، بعد أن تكشف لهم انعدام وجود أوامر شفهية أو تحريرية بقتل المتظاهرين من رئيس الجمهورية الأسبق، أو وزير داخليته حبيب العادلي، وأن جميع الشهداء والمصابين من ثوار الميدان سقطوا برصاص لم يصدر عن قوات الأمن والشرطة، التي انهارت وغادرت مواقعها تحت ضغوط المتظاهرين ووسط فوضى عارمة مكنت جماعات مجهولة من الصعود إلى أعلى العمارات التي تطل على الميدان وإطلاق النار على المتظاهرين».
قطيعة جديدة بين النظام والشباب
ومن «الأهرام» إلى «الشروق» اليومية الخاصة والدكتور زياد ابن أستاذنا الكبير الراحل أحمد بهاء الدين قوله: «نحن نقترب من قطيعة جديدة بين النظام وبين الشباب على نحو أدى إلى سقوط نظامين من قبل. وحتى لو لم تكن العاقبة هذه المرة هي إسقاط النظام فإن هذه القطيعة ستكون لها عواقب أخرى، لا تقل خطورة وأهمية، على رأسها استمرار التوتر في الجامعة والشارع وتراجع المساندة الشعبية للدولة في معركتها ضد الإرهاب، وعرقلة فرصة تحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية، واستمرار حالة الانقسام في المجتمع المصري. على النظام الحاكم أن يراجع موقفه وبسرعة من ثورة يناير/كانون الثاني التي يستمد منها شرعيته والتي يسند إليها الدستور الذي مهد لانتخاب رئيس الجمهورية، وعليه أن يقرر إن كان يعترف بثورة يناير ويقبل بأنها كانت ثورة بالفعل قامت بها الجماهير الراغبة في التغيير، أم أنها كانت مؤامرة أجنبية أو نكسة عابرة والمطلوب هو الرجوع لكل ما كان قائما قبلها».
السيسي يواجه امتحانا صعبا
أيضا قال زميلنا محمد عصمت في العدد ذاته: «براءة مبارك ورموز نظامه ينتقص من شرعية حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتضع شعبيته التي تأسست مع إسقاط الإخوان في مهب الريح، فإذا كان السيسي يعتبر نظامه معبرا عن أهداف ثورتي يناير/كانون الثاني، ويونيو/حزيران فسيكون من الواجب عليه الإسراع في عقد محاكمة سياسية عادلة لنظام مبارك عن كل الجرائم التي ارتكبها طوال سنوات حكمه، وإلا فإنه لن يقنع أحدا في مصر بأنه يعبر فعلا عن هاتين الثورتين، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام انتفاضات شعبية قد تتأخر قليلا، ولكنها حتما ستحدث في ظل أزمات اقتصادية طاحنة وغياب رؤية واضحة لفلسفة الحكم في مصر، مع ترتيبات يقوم بها فلول مبارك للسطو على البرلمان المقبل، بما يعنيه ذلك من عودة سياساته الفاشلة مرة أخرى. السيسي يواجه امتحانا صعبا واستجابته لمحاكمة مبارك بتعويض الشهداء والمصابين وإجراء تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية لا تكفي لاحتواء غضب ملايين المصريين».
الأجهزة الأمنية أتلفت أدلة غاية في الأهمية
وفي «الوفد» قال زميلنا محمود الشربيني وهو غاضب: «الغالبية العظمى منا «تقريبا» تعرف أن محاكمة مبارك بحسب صحيفة الاتهام الجنائية والتهم المنسوبة إليه تخلو من الجرائم الحقيقية، التي كان واجبا أن يحاكم عليها، وهي قضايا سياسية بالدرجة الأولى، الغالبية كانوا يعرفون ذلك منذ أن صدمنا ممثل الادعاء في أولى مرافعات النيابة في القضية، بعباراته الشهيرة المتهِمة للأجهزة الأمنية والسيادية بعدم تعاونها في القضية، وتزويد النيابة العامة بما يلزمها من معلومات وبيانات، التي تحوي يقينا على تسجيلات هاتفية وفيديوهات وصور ولقطات حية من واقع الأحداث، سجلتها كاميرات المراقبة، فضلا عن محاضر اجتماعات وأوامر عمل ودفاتر أحوال… الخ.
كانت اعترافات أو شهادة ممثل الادعاء صادمة، ومع ذلك جرى طمسها، فلم تقم لها آنذاك قائمة، ولم ينتقص أحد من حكام ذلك الزمان البغيض مدنيا وشعبيا، وأمر الأجهزة المتهمة بأن «ترعوي» وتعدل مواقفها المشينة في حق المصريين، ولأن شيئا من هذا لم يتعدل أو يقال لنا إنه تم تعديله، بل الثابت من الوقائع أن هناك من أدينوا من الأجهزة الأمنية بإتلاف أدلة غاية في الأهمية».
الثورة لا تنتصر بأنصاف الحلول
أما آخر زائر لنا يوم الثلاثاء فهو زميلنا وصديقنا نقيب الصحافيين الأسبق ورئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف «ناصري» وقوله في «التحرير»: «في هذه اللحظة الكاشفة رأينا حزب الفساد و«بواقي» ما قبل ثورة يناير يحاولون تصدير الحكم ببراءة مبارك، على أنها براءة لهم وجواز مرور جديد، يفتح لهم أبواب العودة لممارسة نفوذهم القديم وإعادة إنتاج نظام الفساد والاستبداد الذي سقطت رموزه وبقيت ميليشياته السياسية والاقتصادية والإعلامية تحتفظ بأدواتها وأسلحتها وتنتظر العودة ولو بأقنعة جديدة أو لافتات، غير تلك التي درستها الجماهير في يناير/كانون الثاني.
في هذه اللحظة الكاشفة ظهر الوجه القبيح لإعلام أطلقه حزب الفساد وظل طوال الفترة الماضية يحاول الإساءة إلى ثورة يناير. أدركنا أن إنفاق مئات الملايين على إعلام هابط ومسيء إلى الشعب وثورته هو جزء من مخطط يستعد أصحابه لانتخابات البرلمان، ويتصورون أن أمامهم فرصة لاستعادة النفوذ للسيطرة على مقدرات البلاد مستخدمين أموالهم التي كدسوها بالفساد… كان طبيعيا أن تؤكد الرئاسة أن مصر لن تعود إلى الوراء، وأن ثورتي 25 يناير و30 يونيو/حزيران تؤسسان للدولة الحديثة القائمة على العدل والحرية ومحاربة الفساد، ويبقى أن تتم ترجمة ذلك بإجراءات حاسمة ورؤية تدرك أن الثورة لا تنتصر بأنصاف الحلول».
هستيريا التحريض والسباب
الإعلامي كرَّهت الناس في السياسة
ومن يوم الثلاثاء إلى يوم الأربعاء ومقال الكاتب عمرو الشوبكي في جريدة «المصري اليوم»، ومقاله الذي جاء بعنوان «السياسة ليست في الإعلام» ومما جاء فيه: «حين نتصور أن النجاح السياسي هو أن نقول في الإعلام كل يوم إننا انتصرنا وإننا عظماء وإن خصومنا إرهابيون وفشلة، وإننا قادرون على هزيمة الإرهاب، لأننا ندينه كل يوم إعلامياً، فإن هذا الصراخ مهما علا لن يعني أننا انتصرنا عملياً في هذه المعارك.
والحقيقة أن كل النظم السياسية تهتم بالإعلام. صحيح أن النظم الشمولية تعمل دائما على ترويضه أو ترهيبه، في حين أن النظم الديمقراطية تضع له قواعد مهنية تضبط عمله وتحرره في الوقت نفسه من القيود السياسية والأمنية، إلا أن هذا لا يعني أنه لا يتعرض في أحيان كثيرة لمحاولات الترويض أو التوجيه، بتأثير جماعات الضغط والمصالح، وتظل القواعد المهنية المنظمة لعمله بمثابة الضامن الأكبر الذي يحُول دون تبعيته الكاملة للمال والسلطة.
إن ما يجري في مصر على شاشات كثير من الفضائيات أمر غير متكرر في أي بلد آخر، ولم نره في بلادنا منذ عقود، فقد تحول النقاش السياسي إلى سجال بين إعلاميين، وتحول خلاف الأفكار والبرامج والرؤى الذي هو علامة (أو رغبة) تقدم أي أمة إلى حملات للتخوين والشتائم والمزايدات الهابطة تنال مسؤولاً حكومياً أو سياسياً معارضاً من دون عرض لأي أفكار، مهما كانت بساطتها…. إذا قارنت ما يجري عندنا من «جرائم تلفزيونية» بما يجري في إعلام أي دولة ترغب في أن تكون متقدمة، فستجد أن الإعلام في هذه البلدان ينقل أولًا ما يجري، ثم يعلق ثانيًا عليه، ويعرض جدل السياسيين والفنانين والشعراء والرياضيين وغيرهم، ولا يتحول هو إلى متحدث باسمهم ونيابة عنهم، لنجد من يفتي في السياسة والرياضة والفن، وحتى الطبيخ لساعات طويلة، أو يسب سياسيين، من دون أن يسمح لهم بالرد والتعليق، ومن دون أن يقرأ في حياته كتاباً في السياسة، واعتبر ذلك جزءاً من حرية الرأي والتعبير غير الموجودة في أي بلد في العالم… لن تتقدم مصر خطوة واحدة للأمام إلا إذا تعود المجتمع وشرائحه الأكثر تعلما على أن عنوان التقدم هو صراع بين أفكار وبدائل متعددة تقدم بشكل مبسط للرأي العام وليس هستيريا التحريض والسباب التي كرَّهت الناس في السياسة والمشاركة في الشأن العام. إن مبالغات بعض الإعلاميين ومعاركهم الهوائية تذكرك بإعلام ما قبل يونيو/حزيران 67 حين كان يهتف كل يوم بالانتصار، وكان الواقع يجري بعكس ما يقول. هزيمة الإخوان إعلامياً لا تعني هزيمتهم في الشارع ومواجهة التيارات السلفية وشتيمة الشباب الثوري في الفضائيات لا تعني غيابهم عن أرض الواقع أو نهايتهم، ومواجهة الإرهاب لن تكون في التلفزيون، إنما بسياسات جديدة على أرض الواقع، فانتصارات الإعلام زائفة، وغالبا ما تعكس هزيمة في الواقع، فاحذروا ما يجرى قبل فوات الأوان».
لماذا يتجاهل السيسي الأحزاب
والقوى الشبابية الفاعلة في مصر؟
وأخيرا إلى «المصريون» ومقال رئيس تحريرها جمال سلطان عن اللقاء الذي جمع السيسي بالإعلاميين الشباب ورأيه عن ذلك اللقاء: «عندما تم الإعلان رسميا عن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لشباب الإعلاميين والصحافيين للقاء خاص معه في قصر الاتحادية أول أمس، فتشت في جميع من أعرف من الصحافيين والإعلاميين الشبان عن واحد منهم تمت دعوته للقاء فلم أجد، حاولت أن أعرف من هم الأشخاص الذين تمت دعوتهم، فلم أعثر سوى على اسم أو اثنين ممن أسمع بهم، حاولت أن أعرف كيف تم اختيار هؤلاء الإعلاميين الشبان فلم أصل لشيء، حاولت أن أعرف من هي الجهة التي قامت بترشيحهم، وهل هي رئاسة الجمهورية أم نقابة الصحافيين أم الأمن الوطني أم المخابرات مثلا، فلم أصل لشيء. وهذا أمر محير جدا، ويكشف عن أن الأمور تدار في إطار غريب من السرية والانتقائية والمعايير غير المفهومة ولا المعلنة، فلا يعرف أحد حتى الآن على أي أساس تمت دعوة هؤلاء الشبان الذين قدر عددهم بحوالي ثلاثين صحافيا وإعلاميا، ولا نعرف سببا لاستبعاد «الشبان» في الصحف القومية الحكومية ومغزى تلك الرسالة، وهل نفهم من الاختيار أن «الجهة» التي رشحت الشبان المختارين رأت أن هؤلاء هم «الإعلاميون الشرفاء» على طريقة «المواطنين الشرفاء» إياهم . اللقاء كما كشف من حضره من الشباب استمر لمدة تقترب من ست ساعات، وهي مدة أسطورية، لو فعلها الرئيس الأسبق محمد مرسي مع أي جهة حتى لو كانوا أعضاء الكونغرس الأمريكي لقامت ضجة كبرى تنتقد فراغ الوقت لدى الرئيس، في بلد متخم بالهموم، وملايين المصريين لا يجد الرئيس خمس دقائق فقط لكي يسمع حوارهم أو أنينهم أو شكواهم، بل إن اللقاء كشف عن أن الرئيس سمع بمحض الصدفة عن قرار اتحاد الإذاعة والتلفزيون إقالة مذيعة لأنها عبرت عن غضبها بعد أحكام براءة مبارك وأركان نظامه، وتحدثت في برنامجها على الهواء مباشرة عن ذلك، وهذه الواقعة كانت قد أثارت ضجة كبيرة وتناقلتها مواقع الصحف كافة، الحكومية «القومية» والخاصة والحزبية، فضلا عن مواقع التواصل الاجتماعي. لقاء الرئيس كشف عن أنه اندهش كثيرا من هذا الخبر، وأنه لا يعرف بالواقعة ولم يسمع بها من قبل، وقرر على الفور إصدار قرار بإعادتها لعملها وتكريمها، مؤكدا ـ حسب النص الذي نقلته إعلامية شابة حضرت اللقاء ـ (لا يوجد منصف على أرض الدولة يرضى بالحكم الصادر على مبارك ورجاله)! يعني أن تلك المذيعة لو لم يلتق الرئيس عقب قرار إقالتها بيوم واحد بشباب إعلاميين أخبروه بالواقعة كانت ستذهب في «الكازوزا» على رأي العوام في سخريتهم المرة. استمرار الرئيس في حواره مع صحافيين وإعلاميين شبان مدة ست ساعات متواصلة، قالوا إنه لم يقطعها إلا قيامه لصلاة العصر، يدعونا للتساؤل حول سبب تجاهل الرئيس التام للأحزاب والقوى الشبابية الفاعلة في مصر ومؤسسات المجتمع المدني وغيرهم، ولماذا يتجاهل لقاءهم ولو لساعة واحدة، طالما أن لديه فائض وقت ست ساعات كاملة يقابل بعض الشباب للدردشة العامة، وإذا كان الرئيس لديه فائض الوقت هذا لكي يجلس مع بعض الشبان ست ساعات متواصلة يسمعهم ويسمعونه، هلا فكر في تقسيم هذا الوقت إلى ست أو خمس لقاءات مع مجموعات من قادة الأحزاب ورموز مؤسسات المجتمع المدني «المستقلة» ونقابات العمال والمعاشات وغيرهم، حتى لو كان اللقاء الواحد أقل من ساعة، فالمؤكد أن حصيلة رؤيته في الست ساعات هذه ستكون أفضل كثيرا مما أدركه في حواره مع شباب الإعلاميين. جيد أن ينتبه الرئيس إلى أهمية التواصل مع فئات المجتمع بشكل مباشر، بعيدا عن حواجز الأجهزة والتقارير «المفلترة»، ولكن ما يحدث ـ في توقيته حيث جاء في أعقاب القلق من تمرد الشارع من جديد ـ وفي طريقة الاختيار، ونوعية الاختيار، والأجهزة التي تختار ، كل ذلك لا يعطي انطباعات جدية عن أن هذه سياسة نظام حكم أو رؤية ثابتة لأهمية التواصل مع المجتمع السياسي والمدني ، بقدر ما يمكن تفسيرها بأنها جزء من محاولات امتصاص غضب لحظة وتبريد الأجواء الساخنة «
حسنين كروم