انعكست الأزمة الاقتصادية اللبنانية، وانهيار العملة الوطنية على مفاصل الحياة في لبنان، كما انعكست بشكل خطير على الفقراء والمهمشين والمشردين والمتسولين في الشوارع الذين يمدون يدهم طالبين كسرات الخبز وبقايا الطعام وفتات المال من المحسنين.
فالجوع والعوز طرقا أبواب فئات واسعة من اللبنانيين، وحلا داخل بيوتهم، حتى أصحاب المدخرات الذين احتجزت أموالهم في المصارف، فلم يعودوا بحالة ميسورة، ليقدموا بقايا طعامهم وملابسهم، وهم يعيشون داخل منازلهم للوقاية من فيروس كورونا بحالة من التوتر والقلق على مستقبل أموالهم وحياتهم. ومن تبقى من الميسورين أصحاب رؤوس الأموال ومن رجال دين وسياسيين، ليس من السهل الوصول إليهم لطلب المساعدة والتسول أمام مكاتبهم أو منازلهم أو سيارتهم.
أصبح المتسولون ينتظرون المحسنين طويلا، يتوزعون في الشوارع وأمام المحلات التجارية وأماكن العبادة.
تحت جسر الكولا في بيروت رجل عجوز تجاوز السبعين من عمره يفترش الأرض وبجانبه ملابس قديمة وبقايا طعام وأدوات صدئة.
سألته “القدس العربي” لماذا تنام تحت الجسر؟
أجاب متساءلا ويديه ترتجف بردا، وأين أنام؟ لا بيت لي ولا أهل، أنام على الأرض وسقف بيتي السماء.
*ومن أين تعيش، ومن يقدم لك الطعام؟
**أتسول الطعام، وأمد يدي طالبا المال، أبحث بين النفايات وزوايا الطرقات عن ملابس، وأغطية احتمي تحتها من برد الشتاء. تجاوزت السبعين، زوجتي ماتت وبعض أفراد أسرتي مات خلال سنوات الحرب، وبعضهم هاجر إلى دول لا أعرفها. صمت قليلا و طلب عدم التصوير رحمة به وبحالته.
وتابع: أتسول لقمة خبز، أقاوم جوعي، الحزن يلف حياتي وأجلس هنا لأعلن فقري أمام الآلاف من البشر في البلد. الناس يموتون جوعا دون صراخ وأنا افترش الأرض في بيروت، لأعلن جوعي وعطشي ووجعي.
كلنا في هذا الوطن فقراء
المتسولون في شوارع بيروت لا يختلفون كثيرا عن العجوز تحت جسر الكولا، لكن معظمهم كانوا أطفالا يتراكضون، ويتسابقون يستوقفون المارة والسيارات عند إشارات السير طالبين الطعام أو ثمن رغيف خبز.
في شارع الحمرا، حيث أقفل عدد كبير من المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم بسبب الانهيار الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية، يتوزع المتسولون عند زوايا الشوارع وتقاطع الطرقات وعند إشارات السير، يمدون يدهم للمارة، يطلبون المال من أجل شراء رغيف خبز، بعض المارة يقدمون لهم ما تبقى من طعام “بقايا سندويش” بيدهم وبعض آخر يقدم قروش من المال، يرفع المتسول يديه باتجاه السماء شاكرا يبتسم المحسن وهو يراقب حركات المتسول.
تقدمت متسولة من رجل دين كان يستعد للدخول إلى المسجد لتأدية صلاة الظهر طلبت منه القليل من المال لشراء طعام لأولادها الأيتام، نظر رجل الدين إلى المتسولة بطرف عينه دون أن يرد عليها.
رفعت صوتها قليلا ليسمع: اعطيني من مال الله لأطعم أولادي الأيتام.
ابتسم الشيخ: يا ابنتي كلنا في هذا الوطن فقراء.
أمام محل تجاري فاخر سيارات فخمة لدبلوماسيين، ورجال دين، ومسؤولون كبار في الحكومة والأحزاب السياسية، يدخولون مع عائلاتهم لشراء المأكولات والهدايا لمناسبة الأعياد، واحتفالا بالعام الجديد، يخرجون محملين بأشهى أنواع الأكل واللحوم والدجاج والحلوى والفواكه، متسولون أطفال يتراكضون نحو سياراتهم، يمدون يدهم ويرفعون صوتهم: “من مال الله .. والله جوعانين”.
“القدس العربي” سألت طفلا حافي القدمين لم يتجاوز التاسعة من عمره، لماذا كنت تركض خلف السيارة؟
أجاب وملابسه مبللة: طلبت منه أن يعطيني رغيف خبز أو طعام، رفض وصرخ في وجهي.
الأعداد تتضاعف
ليس من الصعب أن تجد متسولين يقفون عند تقاطع الطرقات وإشارات السير وفي الساحات العامة وأمام أماكن العبادة والمطاعم والمقاهي والمحلات التجارية في بيروت وباقي المدن اللبنانية، بل إن منظمات المجتمع المدني تؤكد أن أعدادهم تضاعفت بصورة ملفتة خلال الأشهر الأخيرة مع انهيار الوضع الاقتصادي، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة.
يؤكد الباحث الاجتماعي الدكتور جميل مراد أن ارتفاع عدد المتسولين خلال الأشهر الأخيرة في بيروت والمدن اللبنانية، أمر طبيعي جدا. فحالة الانهيار العام وغلاء الأسعار وفقدان المواد الاستهلاكية وارتفاع أسعار المواد المتوفرة كلها تشكل دافعا للعوز وطلب المساعدة والتسول.
ويشير الدكتور مراد إلى أن المتسولين هم سوريون وفلسطينيون ولبنانيون، تزايدت أزماتهم ولم يعد باستطاعتهم تأمين لقمة العيش والطعام.
وحمل الدكتور مراد الدولة اللبنانية ووزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني المسؤولية الكاملة تجاه حالة الجوع والعوز التي يعيشها اليوم قطاع واسع من اللبنانيين، كما طالب الأمم المتحدة ومنظمات المتجمع الدولي ووكالة الأونروا بتأمين الحماية الاجتماعية لهؤلاء المتسولين والمحتاجين، وقال: البعض خرج إلى الشوارع متسولا لقمة العيش ورغيف الخبز وثمن دواء، لكن الحقيقة أن أعدادا أكثر مما هو موجود بالشوارع موجود في بيوت ومخيمات بائسة يموتون جوعا وحرمانا دون أن نراهم أو نسمع صوتهم.
ومعالجة مشكلة ظاهرة التسول في رأي الدكتور مراد تأتي في إطار المعالجة الشاملة للأزمة اللبنانية، وخاصة الاقتصادية وانهيار العملة الوطنية. مضيفا: لبنان تحول إلى مركب آيل للغرق بكل ما فيه وما عليه، وارتفاع عدد المتسولين له علاقة بارتفاع نسبة الفقر والبطالة وأسعار السلع والمواد التموينية، وهذا كله أيضا له علاقة بالأزمة العامة وحالة الاستعصاء السياسي القائمة خاصة.
وحذر من أن استمرار الأزمة سيجعل لبنان مسرحا يتراقص عليه شعب يتسول الحياة.
ويشكل التسوّل ظاهرة اجتماعية خطيرة قد تؤدي إلى انحراف أكثر من 70 في المئة من أطفال الشارع وقيامهم بأعمالٍ إجرامية. وقد بيّنت الإحصائيات أن اكثر من 3000 طفل يعيشون في الشوارع اللبنانية، علمًا أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بـ3 مرات.