مزعج ويكاد يكون غير مفهوم أن نرى مئات الجنود الأمريكيين المسلحين ينتشرون في أروقة الكابيتول في واشنطن قبيل تنصيب الرئيس بايدن، ولكن هذا يستوجبه الواقع في أعقاب قصور الحراسة الخطير قبل أسبوعين. وليس أقل إزعاجاً أن نرى كيف تداس الديمقراطية الأمريكية الآن ليس من جانب اليمين السياسي فحسب، بل من اليسار أيضاً. فالديمقراطيون في الكونغرس، بتشجيع من وسائل الإعلام المؤطرة، يستغلون أعمال الزعرنة في تلة الكابيتول وما سبقها، بما في ذلك خطاب “أنا معكم” للرئيس ترامب، لحملة ثأر وإهانة ليس فقط ضد الرئيس المهزوم، بل أيضاً ضد نحو 50 في المئة من الأمريكيين الذين صوتوا له. وهكذا فإنهم يفوتون فرصة، قد تكون تاريخية، لرأب الصدوع في المجتمع الأمريكي والوقوف كمن يوحد الأمة. فمبادرة إجراء عملية العزل الهاذية ضد ترامب، الذي وصلت أيامه كرئيس إلى نهايتها بكل الأحوال، تصب الزيت إلى النار.
تتباهى الولايات المتحدة وعن حق بتقاليد التسامح، بضمان حرية التعبير والآراء وفقاً للمادة الأولى في وثيقة الاستقلال، ولكن منذ يوم تأسيسها تقريباً، وفي الواقع حتى قبل ذلك، شهدت فترات كانت مجرد مبادئ تجميلية. ليس واضحاً دوماً من أين يأتي هذا – مثل وباء كورونا الذي تفشى بسرعة البرق. صيد الساحرات في سييلم في 1692 كان سابقة ضمن سوابق كثيرة أخرى، ولكن ليس فقط شؤون الدين أو السياسة هي التي خلقت بؤر اشتعال في المجتمع الأمريكي، بل مواضيع الثقافة أيضاً؛ ففي 1849، اضطرت شرطة نيويورك إلى التدخل عندما أحرق جموع جامحة مسرحاً عرضت فيه “ماكبث” لشكسبير، ونتيجة معارك الشوارع التي تطورت في أعقاب ذلك، فقد قتل 20 شخصاً من الطرفين وأصيب المئات. وكان المبرر المزعوم خلافات فنية، أما عمليا فقد اختبأت خلف الحادثة الدموية صراعات طبقة وكراهية أجانب (فرقة الممثلين كانت بريطانية في معظمها).
بقدر ما يبدو الحدث أعلاه شاذاً واستثنائياً، فإن الحياة الثقافية وعالم التعليم يواصلان كونهما واحدة من الساحات المركزية في أمريكا للمواجهات التي تندلع بين الحين والآخر بين التسامح وحرية الآراء من جهة – والمنكلين بهم من اليمين واليسار على حد سواء، من جهة أخرى. وشهدت الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي قانون مكارن، السناتور الديمقراطي الذي ألغت مواده الكثير من الحريات الأساسية التي في الدستور الأمريكي، وشقت الطريق للمكارثية التي شاعت في أروقة الحياة الأمريكية ولا سيما في الثقافة، حين أقيل عشرات الفنانين من وظائفهم واضطروا إلى الهجرة. والآن حان دور المكارثية اليسارية، لا كرد فعل على ترامب، بل كظاهرة سبقته. ففي الجامعات تتسع ظاهرة “السلامة السياسية” سواء في أوساط المحاضرين أم في أوساط طلابهم، بما في ذلك التهجمات اللاسامية واللاإسرائيلية التي تعني قمع أصحاب الرأي الذي لا ينسجم مع اليسار؛ وفرض مقاطعة غير رسمية (وأحياناً رسمية) على كُتّاب روايات ومسرحيات لا يقبلون أراء اليسار؛ وإقالة بروفيسوريين ومعلمين انتقدوا بايدن أو تحفظوا من أساليب حركة “حياة السود مهمة”، الجسم الذي تأسس احتجاجاً على عنف الشرطة ضد السود، ولكنه أصبح حالياً حركة راديكالية، أو وقفوا ضد منظمات اليسار المتطرفة والعنيفة مثل “انتيبا”؛ والدعوة لنبذ معلمين بسبب آرائهم؛ والانشغال بإعادة كتابة التاريخ والمطالبة بإنزال كتب مارك توين، وتوماس وولف، وآخرين، من رفوف المكتبات العامة.
كل هذه هي من المؤشرات على الحملة التي تسمى “إلغاء الثقافة” التي تذكر بحملات مشابهة في أنظمة ظلامية. 150 مفكراً من ذوي الآراء المتنوعة في أرجاء الولايات المتحدة نشروا في السنة الماضية كتاب تحذير عام ضد “إلغاء الثقافة” تحت عنوان “تهديد المؤسسات الثقافية” وواجهوا تشهيرات وشتائم من اليسار في الثقافة والإعلام. وكذا في أعقاب الأحداث الأخيرة في السياسة، تسارع قمع حرية التعبير والرأي: فقد سدت الشبكات الاجتماعية في وجه ترامب وفي وجه أجسام وأفراد اشتبه بهم بالعطف الزائد تجاهه، وهو عمل مشكوك بقانونيته، بل وتعرض لنقد شديد من المستشارة أنجيلا ميركل والحكومة الفرنسية.
كما أن دار نشر “سيمون وشوستر” ألغت عقداً لكتاب عن سهل السيليكون، كتبه السناتور الجمهوري المؤيد للرئيس.
خسارة أن منظمات يهودية أيضاً مثل اللجنة اليهودية الأمريكية، ومنظمة الحاخامين الإصلاحين، دخلت إلى هذا المعمعان، القرار الذي يمس بمكانتها غير السياسية وقد يؤدي إلى ردود فعل لاسامية. ثمة من يدعي بأن اليسار شمولي بطبيعته، ولكن حتى لو كان هذا مبالغاً فيه، فإن الميول المناهضة لليبرالية التي تجتاح أمريكا اليوم ينبغي أن تبعث على العجب والقلق.
بقلم: زلمان شوفال
معاريف 19/1/2021