«بانسيون مريم» لـ نبيل ملحم: في قلب الإعصار السوري!

حجم الخط
3

يبدو الكاتب السوري نبيل الملحم في روايته الصادرة عن دار أطلس، «بانسيون مريم»، يجانب الوقوع في فخ التأريخ، ويحاول أن يبعد عنه شبهة الالتباس بالمؤرخ، فالرواية قبل كل شيء وبشكل عام، كجنس أدبي، مبنية على الخيال، حتى لو كانت غارقة في واقعيتها، وهنا تكمن أهمية العمل الروائي، في قدرته على الإقناع بأن هذا الواقع المتخيل هو واقعي، أي على رأي يوسا: «تلك الكذبة التي تدعى رواية».
فكيف بنص روائي يعايش حدثاً تاريخياً بجسامة الحدث السوري وإشكاليته؟ وأين الكذب في الأمر والوجع السوري ينزّ من بين الكلمات، والقلق الوجودي وأسئلة التاريخ ورهانات المستقبل تنفر من بين السطور على شكل أسئلة تتحرش بشخصياتها ولا تترك القارئ بحاله؟ هذا ما منح الرواية القيمة الأكبر: قدرتها على الإقناع بعالمها.
اعتمد نبيل الملحم على الحكاية التي لم تحُد كثيراً عن بعدها الدرامي، مشتغلاً على الشخصيات التي رسمها بموهبة لافتة، حتى يمكن القول إن أطيافها لا تفارق خلد القارئ حتى بعد أن يغلق الكتاب، فهي تكتسي لحماً ونبضاً وحياة، ويظهر كل منها هويته الخاصة التي تجتمع مع باقي الهويات في تشكيل النسيج السردي والحكائي.
لم يلجأ إلى تقويل شخصياته بما يريد هو أن يقول، تركها تعبر عن نفسها بخصوصيتها واختلافها، لكنه ترك للراوي بصوته الوحيد وعلمه بما خلف الظاهر أن يقول ما يجب إيصاله، ولم يؤثر كثيراً على السرد، الانزلاق في بعض المقاطع إلى التنظير الخفيف، أو تسريد المعلومة أو الإشارة إلى تاريخ ما أو حدث تاريخي معلوم، بل بدا هذا في بعض الأماكن كتوضيح لا بد منه من راوٍ يحكي حكاية للآخرين.
وهو إذ يستهل نصّه بعبارة: «كانت دمشق أكثر صمتاً من أي حقبة من سنوات عمرها الفائت، وكان صوت التلفزيون يصدر أزيزاً متقطعاً، فيما الشريط الإخباري ينبئ عن وصول مجموعة تفتيش من جامعة الدول العربية مكلفة بمراقبة مجريات الموت في مدن سورية متباعدة»، فإنه يحدد زمن السرد، الزمن الذي فيه كانت ملامح الحالة السورية قد بدأت تنجلي، وإرهاصات الواقع الحالي بعد أربعين شهراً على الانتفاضة السورية كانت قد بدأت تلوح مفصحة عن نفسها: فكان للنظام لعبته السياسية وإدارته للأزمة وخياره العسكري، وكان عداد القتل في تسارع، وكانت «تجليات بذور الحرب الأهلية استقرت في خطاب النظام وإعلامه، بالتشارك مع إسلاميين متطرفين أطلقوا دعوات التكفير على مجموعات من الأقليات، ومن مرجعيات لاهوتية مسيحية حذرت من تهجير المسيحيين كما العراق»، وكان التوجس من دخول السلفية أو تنظيم «القاعدة» التي «شق مقاتلوها طريقهم إلى العراق، متخذين من فجوات وممرات الشمال السوري طريقاً متعرجاً إلى الانتحار، ليعودوا بعد سنوات إلى الحدود السورية متحفزين لدخول البلاد مجدداً في أعقاب انتصار طلائعهم في ليبيا».
أما بالنسبة للبانسيون الذي يكاد يكون أحد أبطال العمل، وعن صاحبته مريم، المرأة التي قاربت الشيخوخة وهي على أبواب الستين، بقهرها المزمن للأنثى المكنونة في أعماقها، فيقدمه السرد في الصفحة الأولى: «وحدها أيقونة سيدة دمشق بألوانها الزاهية، وهالة السيدة العذراء، كسرت تثاؤب المكان الذي يكاد أن يغفو تحت ذاكرة سنين». ليشعر القارئ بأنه ضمن صالة البانسيون، غارقاً في جوّه المترع بالصمت، بين جدرانه الكالحة، تكاد الحياة تغادره ببرودة بلاطه وشبابيكه المحكمة وستائره المسدلة، والغرف المغلقة على أسرار نزلائها، من ناصر النزيل الدائم في البانسيون، الذي غادر مدينة الرمثا بعد أحداث أيلول الأسود، ومر بتجربة ولدت لديه الإحباط والخيبة لينتهي منذ سنين هنا، إلى رعد الأسمر الذي غادر العراق قبل سقوط بغداد بأشهر قليلة، بعد أن اضطر لتفجير كفه الأيمن ببارودة صيد فشُلّت يده، لأن خياله نضب ولم يعد قادراً على إضافة جماليات على صور الرئيس صدام حسين التي يرسمها باعتباره الرسام الشخصي له، فاستبد به الخوف من رئيس متقلب المزاج يعدم أقرب المقربين إليه. أما أنيس، فله حكاية أخرى، وهو الواقع في عشق مريم بصمت، يقوم بخدمات البانسيون منذ قدومه إليه بعد تعرضه للإهانة والإذلال من قبل ضابط في سرايا الدفاع التي كانت تسيطر على المدينة، وكانت تنافسها الوحدات الخاصة «التي كانت أهم منجزاتها اقتحام مدينة حماة وتدميرها». تعرض أنيس إلى هدر كرامته وهو العائد حينها، في منتصف الثمانينات من باريس ولديه كم كبير من الأعمال المهمة المترجمة.
بدخول رضا، وهو الأكثر ديناميكة بين شخصيات الرواية من الشباب الناشطين في الحراك، يثير إعصاراً في البانسيون، «كانت مريم تعلم أن دخول هذا الولد إلى هذا المكان، سيدوّن حياة جديدة، حياة لن يكون على مريم الترحاب بها من دون اختلاجات عقد ذنب وندوب في روحها، وهي ضحية الحب»، هكذا هو التغيير في بلاد تشبه البانسيون في انغلاقه وترديده صدى الماضي، المثير للرعب.
بين اقتحام رضا للبانسيون متخفياً عن عيون رجال الأمن، بعدما وُجد اسمه بين قوائم المطلوبين من شباب الحراك، والنهاية التراجيدية لناصر الذي أكلته كلاب مزرعة نور، وهو الذي لا يغادر غرفته إلا لكي يحضر رؤوس الدجاج لكلاب المزرعة، ومقتل الشاب فرج العلي فياض على أبواب الخالدية في تاريخ معلوم دونته سوسن إحدى أفراد المجموعة 21/1/2012، هناك حكايات وأحداث تتلاحق، فـ»ريتا» عازفة البيانو الفتاة المأزومة الضائعة بين أب مستفيد من الفساد يقدم للسلطة خدمات أمنية، وكان واحداً من «موردي سلاح القناصة التي أصابت الكثير من المتظاهرين في الرأس»، وأم انغمست في المجتمعات السياسية، ولديها مجتمع من الحريم لكن «نزواتها المثلية لا تقلل من حسها بالمسؤولية»، يهرب والدها مع أمواله، ويخلف زوجته مشلولة، تشعر ريتا بأن موسيقى فاغنر هي «هجوم الغرائز على الحرب الدائرة».
وجلال ابن لأبوين عصاميين ينحدران من إحدى قرى الساحل، قررا الصمت والتنحي أمام ما يحدث، على الرغم من أن ابنهما ينشط مع شباب الانتفاضة، وسوسن الحمود التي تعرضت لاغتصاب أستاذها لها أثناء دراستها في المعهد المسرحي، الفتاة الثائرة على الموروث والتي يجهدها المثقف الثوري، لذلك لجأت إلى هتكه وهتك اللغة الذكورية التي تصف المرأة التي تمارس الجنس بالعاهرة، بينما تبارك الرجل الذي يقوم بالفعل نفسه. وفرج العلي فياض الذي قتل في حمص وكان ممزقاً بين انتمائه لهذه المجموعة التي يصفها بالعلمانية، وبين الشباب الإسلاميين الذين يوجههم الشيخ محمد سلامة في حي الكشكول، فكتب وصية متكاملة قبل أن يغادر إلى حمص تبتدئ بقبول الموت باعتباره حقا إلهياً.
هذه الشخصيات، مع حكاياتها، بالإضافة إلى حكاية الشاعر رفيق الجرو الواعد بقصيدة هي «العراء المطلق» التي ستسجل للشعر «قدراً جديداً هو قدر الحرية» بعد أن كان «أسير الإيديولوجية، أسير البعث بأحزابه».
وصاحب المقهى الذي كان جلال آخر زبائنه وهو عائد من ليلته الصادمة مع سوسن، الذي يعتبر الحياة ليست أكثر من قمار، فهو يقول لجلال، مثلما لو كان يحكي بلسان شريحة كبيرة من السوريين: «لا تلتفت إلى الخارج، دعك من كل ذلك، الجميع يأخذ البلد إلى المزبلة، هذه البلد بلا أم، ليس لديها من يبكي عليها، الكل يعمل على تدميرها»، جميعها ترسم المشهد السوري، وتستدعي الماضي القريب إلى جانب الحاضر لتنبش الأسئلة من جديد، سؤال الهوية، سؤال الانتماء، سؤال المثقف والثقافة، سؤال الدين، والسؤال الأهم: ما الذي يدفع شابة مثل ريتا إلى الانتظام في الحراك الشبابي؟ ليرد السارد: «الذي يحدث في سورية كان فتح بوابة القفص أمام أجيال مكثت فيه ما يزيد على أربعة عقود» فهذا السؤال لم يكن من الوارد أن يسأل في اللحظة السورية.
* كاتبة سورية

سوسن جميل حسن*

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية