ماذا يفعل المرء إذا وجد نفسه فجأة أمام امبراطورة دولة عظمى؟ هذا ما حدث لاثنين من أعظم الشخصيات الفنية في التاريخ، وكان رد فعلهما حدثا مثيرا للجدل، يكشف الكثير عن عالمي السياسة والثقافة في القرن التاسع عشر في أوروبا.
بدأ القرن التاسع عشر وكانت جيوش نابليون تكتسح كل من يقف أمامها، مخلفة دمارا هائلا أينما ذهبت، مهددة بإحداث تغيير جذري للحضارة الأوروبية إلى اتجاه مجهول. وكان عام 1812 يشكل منعطفا تاريخيا في تاريخ أوروبا حيث بدأ نابليون حملته الشهيرة لاحتلال روسيا، على رأس جيش بلغ قوامه أكثر من ستمئة ألف جندي. ولكن الحياة في المناطق الخارجة عن نطاق جيش نابليون، كانت تسير على نحو معتاد تقريبا. ومن تلك المناطق كانت مدينة «تبليس» الصغيرة على بعد 90 كيلومترا شمال غرب مدينة براغ، الشهيرة بحماماتها الساخنة وغاباتها وبحيرتها، ما جعلها منتجعا سياحيا يعج بكل من هو مهم في عالم الارستقراطية والفنون والثقافة والسياسة. وكانت هناك نشرة دورية في المدينة، تبين اسماء القادمين ومكان إقاماتهم، كي يستطيع الأصدقاء لقاء بعضهم بعضا، فلم تكن في تلك الفترة وسائل الاتصال التي نعتبرها من بديهيات الحياة الحالية، موجودة.
تربع اسم نابليون قمة الحياة العسكرية والسياسية في تلك الفترة، ولكن ثلاثة أسماء تربعت قمة الحياة الثقافية الأوروبية، وهي إيمانويل كانط في الفلسفة ولودفيغ فان بتهوفن في الموسيقى ويوهان غوته في الأدب، وغوته، أصبح أديبا كبيرا عندما كان في سن الخامسة والعشرين، ما ساعده على تبوؤ مناصب سياسية وإدارية مهمة، حتى أصبح من النبلاء الكبار، ورئيس وزراء ولاية فايمر، فقد كانت ألمانيا آنذاك مقسمة إلى عدة ولايات مستقلة. وبالنسبة لبتهوفن الأصغر سنا والأكثر بؤسا، فقد كان الوحيد الذي أخذت شهرته بالتزايد تدريجيا بعد وفاته، حتى أنه يعتبر في الوقت الحاضر أعظم شخصية موسيقية في تاريخ البشرية. كان بتهوفن اكثر من مجرد موسيقي عظيم، حيث قرأ الكثير من أعمال كبار أدباء وفلاسفة عصره، ما جعله فنانا متكاملا، وكان معجبا بشكل خاص بكتابات غوته. واعتقد بتهوفن، كبعض كبار الأدباء في عصره، مثل شيلر وسبينوزا، أن على الفنان ألا يكرس فنه للملوك وحب الله، بل للجمال في الحياة وتطور الإنسان. وربما كان هو أحد أكثر الموسيقيين انكبابا على عمله، حيث لم يعرف أي وسيلة للمتعة الشخصية، وكانت الموسيقى الأمر الوحيد الذي جعله إنسانا. وأصبح الموسيقي الأكثر ارتباطا بالطبقة الارستقراطية الشابة، بسبب تطور الساحة الثقافية في المناطق الألمانية، فلم يكن الأمر كذلك قبل عشرين عاما، عندما كان الموسيقيون الكبار يعتبرون حرفيين مهرة، ولذلك فإن احترام الموسيقى في الأوساط المثقفة والارستقراطية، كان قد ارتفع إلى مستوى غير مسبوق في عهد بتهوفن، الذي ساهم في تحقيق ذلك. ومع ذلك فإن ملوك الولايات الألمانية والنمسا، لم يمنحوا أيا من كبار الموسيقيين لقبا ارستقراطيا، كما جرت العادة في تلك الفترة لتشجيع الحركة الثقافية.
كان بتهوفن اكثر من مجرد موسيقي عظيم، حيث قرأ الكثير من أعمال كبار أدباء وفلاسفة عصره، ما جعله فنانا متكاملا، وكان معجبا بشكل خاص بكتابات غوته.
أما الأدب، فحكايته مختلفة بعض الشيء، حيث كانت الطبقات الحاكمة تكن له احتراما فائقا قبل ذلك بعدة قرون، حتى إن كبار الأدباء منحوا ألقابا ارستقراطية، وأصبحوا جزءا من هذه الطبقة المتميزة. وأصبح غوته، أديبا وشاعرا مرموقا منذ أواسط العشرينيات من عمره، فلم يصبح ارستقراطيا فحسب، بل إن شهرته جعلت دوق منطقة «فايمر» يعينه رئيسا للوزراء في المنطقة. وعاش غوته في أفضل حال طوال حياته، إذ أحيط بعناية بالغة وتنعم بالامتيازات والثروة والعلاقات النسائية، ولكن عندما كان شابا لم يكن الموسيقيون والموسيقى بتلك الأهمية في المجتمع، ولم يدرك أن المجتمع تغير، وأن الجيل الأصغر سنا منه يقدّر الموسيقى والموسيقيين بشكل أكثر من السابق، بالإضافة إلى عدم اهتمامه أصلا بالموسيقى. ولذلك، احتقر غوته الموسيقيين مهما كانوا مرموقين، خاصة أنه كان يعتقد أنه الشخصية الأشهر في ألمانيا خارج المجال السياسي، بالإضافة إلى مركزه السياسي المرموق.
كان إعجاب بتهوفن بغوته فائقا، إلى درجة أنه لحن أغاني مأخوذة من أشعاره. ولم يكن هذا كافيا بالنسبة له، إذ قام في عام 1810 بتأليف الموسيقى المصاحبة لمسرحية «الكونت أيغمونت» التي ألفها غوته، وهو أسلوب موسيقي تطور في ما بعد، ليصبح ما نسميه حاليا بالموسيقى التصويرية للأفلام الموسيقية. وأرسل بتهوفن عام 1811 رسالة إلى غوته مليئة بالثناء، مخبرا إياه أنه ألح على الناشر إرسال نسخة من موسيقاه إليه. ولكن غوته لم تعجبه الفكرة لاعتقاده أن الموسيقى كانت بالغة التعقيد، وأنها قد تمنع المشاهد من سماع الكلمات. كان غوته من رواد مدينة «تبليس» في الصيف للاستجمام، أما بتهوفن فكان قد زارها سابقا، بسبب سوء حالته الصحية، حيث نصحه الأطباء بتجربة مياه حمامات «تبليس» ولكن هذه المياه لم تكن حلا ناجعا، بل لعلها زادت حالته سوءا، نظرا لتلوثها بمواد ضارة. وقام بتهوفن بالكتابة إلى غوته عام 1812 بطريقة بالغة الرقة وعارضا عليه فكرة اللقاء هناك، ونالت الفكرة استحسان غوته، وتم الاتفاق على اللقاء. وكان هدف بتهوفن التعاون مع غوته في عمل فني مشترك. ولكن بتهوفن بجديته المعهودة، أراد أن يستعد للقاء كما ينبغي، ولذلك، ذهب في بداية الأمر إلى مدينة براغ، حيث التقى بأحد معارفه الذي كان من المعجبين بغوته للسؤال عن كيفية التعامل معه. ووصل بتهوفن مدينة «تبليس» يوم الخامس من تموز/ يوليوعام 1812، بينما وصل غوته يوم التاسع عشر من الشهر نفسه، ولكن كيف تم اللقاء بين الاثنين؟ يرجح المؤرخون أن بتهوفن هو من بادر بالزيارة، فمن الصعب تخيل غوته، وهو أديب أوروبا الأول، أن يتنازل ويزور موسيقيا يصغره بواحد وعشرين عاما وكان باردا، على عكس بتهوفن، الذي كان مندفعا وقام بعزف مقطوعة موسيقية على البيانو للأديب الكبير الذي لم يقل سوى أنه كان عزفا لطيفا. وخرج الاثنان للتنزه في المنتزه الواقع خلف القصر الرئيسي في مركز المدينة وهما في نقاش جاد. ولاحظ الموجودون في المنتزه أن أبرز شخصيتين ثقافيتين في أوروبا يتنزهان، فأخذ الكثيرون يلقون التحية عليهما، ما أثار انزعاج غوته الذي عبّر عن استيائه، لكون شهرته تجعل الناس يزعجونه بهذا الشكل، وفوجئ برد بتهوفن الذي قال، وربما أنا أيضا. ولم يستسغ غوته جواب بتهوفن، لأنه لم يعتبر بتهوفن في مستواه. وبعد بضع دقائق لاحظ غوته شيئا جعله في منتهى الجدية واليقظة، إذ اكتشف أن مجموعة من الناس متكونة من امرأة وحاشيتها تسير في اتجاههم في الطريق الضيق نفسه الذي كانا يسيران فيه. ولم تكن هذه المرأة سوى ماريا لودوفيكا امبراطورة النمسا، التي كانت آنذاك من القوى العظمى في العالم. وتوتر غوته وقال «أنظر يا عزيزي بتهوفن، إنها الامبراطورة وحاشيتها، دعنا نفسح لهم الطريق. ولكن بتهوفن أمسك بيده قائلا «امسك بذراعي، فعليهم فسح المجال لنا وليس العكس». وازعج هذا غوته الذي نجح بتحرير يده وتنحى بسرعة جانبا وانحنى بشكل واضح رافعا قبعته للامبراطورة وحاشيتها. أما بتهوفن، فسار من خلال المجموعة بدون أن يلقي التحية على أحد رافعا رأسه بجدية. وبعد مرور المجموعة، انضم غوته إلى رفيقه غاضبا لما بدر منه، ولكن بتهوفن نهره قائلا «إنني أحترمك لأنك جدير بالاحترام، ولكنك تبدي لهم احتراما أكثر مما يستحقون». ووجد غوته تصرف بتهوفن فظا، وغير آبه بالعادات الاجتماعية. ولم يستمر اللقاء طويلا بعد ذلك، حيث غادر غوته المدينة لقضاء الوقت في مدينة مجاورة مع فتاة تعرف عليها مؤخرا. ويعتقد الكثير من المؤرخين أن الاثنين لم يلتقيا بعد ذلك بسبب غضب غوته، ولكن الاثنين التقيا ثلاث مرات بعد ذلك في المدينة، وكانت لقاءاتهما ودية جدا. وغادر بتهوفن المدينة يوم السابع والعشرين من يوليو، بينما غادرها غوته بعد ذلك بعدة أيام.
لم يتعاون بتهوفن وغوته بعد لقائهما في «تبليس» أبدا، على الرغم من إرسال بتهوفن رسالة رقيقة إليه عام 1823. ولكن ماذا كان رأي كل منهما بالآخر بعد اللقاء؟ قال بتهوفن إن غوته كان يتمتع بجو البلاط في «فايمر» أكثر من اللازم، ولا يليق به ذلك كشاعر كبير.
لم يكن تصرف غوته مثيرا للدهشة مهما اعتقد بتهوفن، فغوته كان أكثر من مجرد أديب ألمانيا الأكبر، بلا منازع، لانه كان رئيس وزراء مقاطعة «فايمر» ولذلك كان يمثل فايمر من الناحية السياسية، لاسيما أن حاكم فايمر وامبراطور النمسا كانا موجودين في المدينة آنذاك. وإذا كان بتهوفن يحتقر الطبقات الحاكمة والارستقراطية، فإنه نسي أن غوته كان منهم. ولهذه الأسباب، فإن غوته كان حريصا على إظهار أقصى الاحترام تجاه الامبراطورة. أما بتهوفن، وعلى الرغم من إعجابه المفرط بنفسه، وعدم احترامه الشديد للطبقات العليا من المجتمع الأوروبي، فانه لم يكن غبيا أو مجنونا، ولذلك، فإن رد فعله كان غريبا بعض الشيء. ولكنه كان من الناحية الشخصية مختلفا جدا عن غوته، ليس فقط بسبب اختلاف شخصيته، بل كذلك لمعاناته المستمرة من فقدان السمع، والمشاكل الصحية والشخصية، لاسيما فشله الدائم مع النساء، الذي كاد أن يفقده صوابه. وقد وجدت لديه بعد وفاته رسائل موجهة إلى فتاة مجهولة اسماها «المعبودة الأبدية» مليئة بمشاعر الحب الجارف. ولم يعرف المؤرخون من كانت تلك الفتاة، ولكننا يجب أن ناخذ عاملين بنظر الاعتبار، أولهما أن الرسائل وجدت لدى بتهوفن، أي أنها لم تُرسل إلى تلك الفتاة، والثاني عدم العثور على رسائل من الفتاة المجهولة للرد على رسائله. وهذا يعني أن بتهوفن ربما تخيل الفتاة من شدة سوء حالته النفسية. أما غوته فقد كانت علاقاته النسائية شغله الشاغل، حتى أنه كتب ألفا وسبعمئة رسالة إلى حبيبة واحدة، مع العلم أنها كانت متزوجة.
لم يتعاون بتهوفن وغوته بعد لقائهما في «تبليس» أبدا، على الرغم من إرسال بتهوفن رسالة رقيقة إليه عام 1823. ولكن ماذا كان رأي كل منهما بالآخر بعد اللقاء؟ قال بتهوفن إن غوته كان يتمتع بجو البلاط في «فايمر» أكثر من اللازم، ولا يليق به ذلك كشاعر كبير. أما غوته، فوصف بتهوفن بأنه ذو شخصية هائجة، وأنه قد يكون محقا بعدم تقبله للعالم، ولكن تصرفاته تجعل الأمر أسوأ بالنسبة له وللآخرين، وأن فقدانه سمعه يزيد من شخصيته الكئيبة أصلا كآبة.
على الرغم من أن لقاء العملاقين في مدينة «تبليس» قد وثق تاريخيا، فإن واقعة المنتزه، أثارت الكثير من التساؤلات، حيث يعتقد بعض المؤرخين أنها لم تحدث في الحقيقة، لأن مصدرها الوحيد كان الكاتبة والموسيقية الشهيرة الكونتيسة بَتينا فون أرنيم، التي عرفت كلا الرجلين عن كثب، وذكرت الواقعة عام 1839، اي بعد وفاة بتهوفن وغوته، بينما لم يذكرها أي منهما، لاسيما غوته الذي كتب الكثير عن حياته.
باحث ومؤرخ من العراق