إسطنبول- “القدس العربي”:
طوال الأشهر الماضية، شهدت الكثير من الدول الأوروبية نقاشاً معمقاً انتقل من أروقة الصحافة والرأي العام إلى البرلمانات ووزارات الدفاع والحكومات حول التفوق التركي في الطائرات القتالية المسيرة، وسط دعوات لسرعة التحرك من أجل الحفاظ على عدم تغير ميزان القوى لصالح تركيا وتحركات للبدء ببرامج من أجل صناعة مسيرات قتالية تتفوق على المسيرات التركية التي أثبتت تفوقها في سوريا وليبيا وأذربيجان.
لكن وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي مصطفى ورانك، فجر الخميس، مفاجأة من العيار الثقيل عندما قال إن مسيّرات “بيرقدار” و”العنقاء” التركية ستحلق في الأجواء الأوروبية قريبا، في تصريح فهم على أنه بمثابة إعلان غير رسمي بأن دولاً أوروبية تستعد لشراء المسيرات التركية، وهو أمر لم يعلن عنه سابقاً.
وزير تركي: مسيراتنا ستحلق في الأجواء الأوروبية قريباً
واعتبر الوزير في كلمة خلال مشاركته في ملتقى الصناعات الدفاعية الثالث بإسطنبول أن الاستثمارات التي قامت بها تركيا خلال السنوات الخمسة الأخيرة، ستنقل البلاد إلى دوري العمالقة في مجال الصناعات الدفاعية، وقال: “شركاتنا الرائدة في مجال الصناعات الدفاعية، بدأت تحتل مراكز متقدمة عالميا، وخلال المرحلة القادمة سنكون من اللاعبين الرئيسيين اقليميا ودولياً”.
وفي السنوات الماضية، برزت المسيرات التركية على نطاق واسع عقب تفوقها في العمليات العسكرية التي قام بها الجيش التركي في سوريا ضد التنظيمات الإرهابية والوحدات الكردية قبل أن تستخدم لتدمير المنظومات الدفاعية التابعة لروسيا والنظام السوري في إدلب، ولاحقاً قدمت هذه المسيرات أداءً لافتاً في ليبيا وأخيراً في الحرب التي خاضتها أذربيجان ضد أرمينيا في إقليم قره باغ.
وعقب هذه النجاحات، اتجهت العديد من الدول لشراء المسيرات التركية من طراز “بيرقدار”، حيث أعلن رسمياً عن شرائها من قبل قطر وأذربيجان، وامتلكتها حكومة الوفاق الليبية، ولاحقاً اشترتها أوكرانيا التي اتجهت مؤخراً لشراء أعداد جديدة منها والاتفاق على برنامج للإنتاج المشترك لها، كما اشترت تونس مؤخراً عدد من المسيرات التركية من طراز “عنقاء”.
وفي خضم ذلك، كان النقاش يتصاعد بشكل تدريجي داخل العديد من الدول الأوروبية حول ما المطلوب منها القيام به لمواجهة التفوق التركي أو مجاراته في عالم صناعة الطائرات القتالية المسيرة، ونشرت كبريات الصحف الأوروبية مراراً وتكراراً العديد من التحليلات حول هذه القضية وسط مطالبات للحكومات بضرورة التحرك “قبل فوات الأوان”، ولاحقاً تطور النقاش إلى أروقة البرلمانات في العديد من الدول وصولاً إلى أن أصبحت القضية على طاولة نقاش الحكومات ومادة لتصريحات وزراء دفاع عدد من الدول.
وزير الدفاع البريطاني بن والاس كان من أبرز المتحمسين لبرنامج الطائرات التركية المسيرة، وفي أحدث تصريحاته أقر بالابتكار التركي في مجال الدفاع، وأبدى إعجابه بالطائرات المسيرة التركية ومدى فعاليتها على الأرض، معتبراً أن “العديد من الدول الغربية لم تحظ بالريادة في مجال تحديث الدفاع في حين أنها تراقب الآخرين يفعلون ذلك”.
وقال الوزير: “خذوا على سبيل المثال الطائرة التركية المسيرة بيرقدار لقد كان استخدامها في سوريا وليبيا وأماكن أخرى مسؤولا عن دمار المئات من العربات المدرعة وحتى أنظمة الدفاع الجوية.. جذور تلك الطائرات المسيرة ناشئة من الابتكار التركي، لقد ابتكروا وفعلوا ما اعتدنا على فعله نحن رغم منعهم من الوصول إل ى برامج أجنبية”، وقال في تصريحات سابقة إن على بريطانيا أخذ الدروس والعبر من الدول الأخرى، في إشارة إلى تركيا.
وفي خطوة عملية بعد هذه التصريحات، كشفت مصادر صحافية أن بريطانيا تعتزم إطلاق برنامج جديد للطائرات المسيرة (الدرون)، عقب تأثرها بالتجربة التركية. وقالت صحيفة الغارديان البريطانية، نقلا عن مسؤولين في وزارة الدفاع، إن بريطانيا تعتزم تخصيص جزء من ميزا نية الدفاع للسنوات الخمس القادمة لتطوير الطائرات المسيرة.
وشهدت العلاقات التركية البريطانية تطوراً لافتاً في السنوات والأشهر الأخيرة بشكل خاص، كما أنه دار نقاش عميق داخل بريطانيا حول مدى إمكانية امتلاك المسيرات التركية بدلاً عن الخوض في برنامج طويل المدى لصناعة مسيرات موازية وبتكلفة أكبر بكثير، إلا أنه لم تؤكد أي جهة رسمية أو إعلامية وجود توجه بريطاني حقيقي لشراء مسيرات تركية.
وفي ألمانيا، تجور نقاشات مشابهة حول فعالية المسيرات التركية وضرورة تحرك ألمانيا لتطوير قدراتها في هذا المجال، حيث أشاد تقرير في صحيفة “دي فيلت” الألمانية واسعة الانتشار، بالإنجازات التي تحققها تركيا في المجال العسكري بعد أن أصبحت واحدة من الدول الرائدة عالميًا في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة المسلحة.
التقرير الذي حمل عنوان “TB2 التركية تحقق ثورة في الحروب”، وصف طائرات “بيرقدار تي بي 2” التركية بأنها رخيصة السعر وفتاكة. وقالت الصحيفة إن تركيا أصبحت واحدة من الدول الرائدة في تكنولوجيا الطائرات المسيرة المسلحة، ونجحت استراتيجيتها في هذا الصدد في تغيير ميزان القوى العسكرية في الشرق الأوسط لصالح أنقرة بشكل ملحوظ.
وأعاد سطوع نجم المسيرات التركية إلى الواجهة النقاش المعقد بين أحزاب البرلمان الألماني حول ضرورة تطوير برنامج للطائرات المسيرة القتالية وهو محل خلاف قديم داخل البرلمان، ودار نقاش حول إمكانية بناء تحالفات أوروبية لتطوير طائرات مسيرة قتالية، وحول مدى مساهمة بعض التقنيات الألمانية في صناعة المسيرات التركية، لكن أيضاً وعلى غرار بريطانيا لم يصرح أي طرف بوجود أي نية ألمانية لشراء المسيرات التركية.
وبنفس الطريقة، دار نقاش كبير حول المسيرات التركية في إيطاليا وأبرزت الصحافة الإيطالية مراراً تفوق تركيا في هذا المجال، وفي ظل وجود تقارب تركي إيطالي برز في الأزمة الليبية ومشاهدة إيطاليا عن قرب كيف تمكنت المسيرات التركية من قلب مسير المعركة في ليبيا يتكهن البعض في تركيا بإمكانية أن تفكر روما بشراء المسيرات التركية، إلا أن هذا التقدير لا تدعمه أي تقارير معلوماتية رسمية بعد.