عودة مانشستر يونايتد ثورة حقيقية أم صحوة خادعة؟

حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:  مرة أخرى، ضرب مانشستر يونايتد بيد من حديد، بضم فولهام إلى قائمة ضحاياه في الآونة الأخيرة، بعد حسم موقعة “كرافن كوتيج” 2-1 في الجولة الثامنة عشرة للدوري الإنكليزي، محققا الريمونتادا السابعة هذا الموسم، من أصل 94 واحدة في تاريخه بالمسابقة، والأهم من ذلك، استعاد سريعا صدارة البريميرليغ، بفارق نقطتين ومباراة أكثر من جار المدينة مانشستر سيتي، ومثلهما عن الحصان الأسود ليستر.

 

فوائد الصدمة

لا شك أبدا، أن أكثر المتفائلين من عشاق الشياطين الحمر، لم يتوقعوا حتى تواجد الفريق في دائرة المنافسة على المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا، لا سيما بعد البداية الكارثية، التي أسفرت عن نتائج مفزعة، منها على سبيل المثال السقوط المدوي في اللقاء الافتتاحي أمام كريستال بالاس 1-3 في “مسرح الأحلام”، ثم فضيحة توتنهام التاريخية، بالانحناء أمام المدرب السابق جوزيه مورينيو 6-1 على الملعب ذاته، وما جعل الجماهير تفقد الأمل في مشروع أولي غونار سولشاير، صدمة الخروج المبكر من دوري الأبطال، لكن ما حدث بعد ذلك، فاق كل التوقعات، بسلسلة من الانتصارات والعروض المقنعة، التي أظهرت نوايا اليونايتد في المنافسة على لقب البريميرليغ، وأعادت كذلك إلى الأذهان ولو ببصيص من الصورة المخيفة، التي رسمها يونايتد لنفسه في عصر شيخ المدربين سير أليكس فيرغسون، كفريق يتحلى بشخصية البطل، ويعرف من أين تؤكل الكتف، في لعبة جمع النقاط في عطلة نهاية الأسبوع، والدليل على ذلك، صعوده إلى قمة بطولته المفضلة مع اقتراب نهاية النصف الأول، للمرة الأولى منذ موسم التتويج باللقب الـ20 والأخير لفيرغسون في مسيرته كمدرب 2012-2013، ليسرق الأضواء في الأسابيع الماضية، كواحد من أقوى المرشحين للفوز باللقب، والبعض يعتبره الأوفر حظا والأكثر جاهزية للانقضاض على اللقب رقم 21.

 

التوليفة السحرية

بالنظر إلى الأسباب التي ساهمت في عودة الأمور إلى نصابها الصحيح، أو بالأحرى جعلت يونايتد يقلص ملايين الأميال مع ليفربول والمان سيتي، بنفس تعبير المدرب النرويجي، سنجد أن أبرزها ظهور ملامح واضحة للفريق وشخصيته داخل المستطيل الأخضر، حيث أصبح الجميع يعرف ما يقرب من 90% من القوام الرئيسي للفريق، وأيضا الطريقة الواقعية التي يلعب بها المدرب، لكن لا أحد قادر على إيقافهم منذ آخر خسارة على يد عدو الأمس آرسنال بهدف أوباميانغ في الجولة السابعة، بنفس العقلية التي أسس بها يورغن كلوب مشروعه مع أحمر الميرسيسايد، وبيب غوارديولا في النادي السماوي، وهذا لا يحدث إلا بعد تشبع اللاعبين بأفكار المدرب، والتزامهم بالأدوار كما يريد، خصوصا الخط الدفاعي، بإعطاء ثقته للرباعي آرون بيساكا وفيكتور ليندلوف وهاري ماغواير ولوك شو.

ويحسب للمدرب حكمته في اختيار توقيت التناوب، وساعدته في تجهيز بدلاء على نفس مستوى الأساسيين، كما الحال لأليكس تيليس وإيريك بايي في الدفاع، ونيمانيا ماتيتش وفريد ومكتوميني في الوسط، جنبا إلى جنب مع العقول المفكرة بول بوغبا وبرونو فيرنانديز، كذلك في الهجوم، لديه كافاني وغرينوود، كبدلاء قادرين على تعويض وإراحة أنتوني مارسيال وماركوس راشفورد، أو على الأقل، حلول مختلفة لمساعدة المدرب لتنويع أفكاره في الهجوم، إذا توقف الحل المفضل، بالاختراق من العمق واللعب السريع المباشر بأقل عدد تمريرات قاتلة في الثلث الأخير من الملعب، وهذا ما غير النظرة اتجاه مشروع سولشاير، من فريق مهمش يعيش على أطلال الماضي، بطريقة جعلت المتعصبين يهاجمون منزل المدير التنفيذي إد ودوورد، اعتراضا على تدهور أوضاع العلامة التجارية لزعيم الإنكليز محليا، إلى ذاك الفريق الشرس، الذي فرض احترامه على الجميع، بنتائجه الرائعة، التي وصلت حد تفادي الهزيمة في آخر 17 زيارة لملاعب المنافسين المحليين، ليعادل المدرب الاسكندينافي رقم أستاذه فيرغسون بين ديسمبر/كانون الأول 1998 وسبتمبر/أيلول 1999، تأكيدا أن هذه النجاحات لم تأت من قبيل الصدفة، بل نتيجة تخطيط وعمل شاق لفترات طويلة.

 

صحوة جماعية

واحد من أهم الأسباب التي ساهمت في إنقاذ عنق سولشاير من مقصلة الطرد، خاصة بعد الخروج المبكر من دوري الأبطال، الصحوة الجماعية الواضحة والتحسن الملموس في أداء الأفراد المؤثرين في التشكيلة الأساسية، وأبرزهم الحارس دافيد دي خيا، الذي استعاد جزءا كبيرا من مستواه السينمائي الذي كان عليه في سنوات هيمنته على جائزة أفضل لاعب في العام في استفتاء مشجعي اليونايتد، ما صنع الفارق للفريق في المباريات المعقدة، وبالمثل المدافع ماغواير، الذي على ما يبدو بدأ يتخلص من ضغوط رسوم تحويله الباهظة، بظهوره مؤخرا بالمستوى الذي انتظرته منه الجماهير بعد قدومه من ليستر في صفقة قياسية العام قبل الماضي، متقمصا دور قائد الدفاع على أكمل وجه، ليس فقط بإعطاء التوجيهات لزملائه المدافعين، بل بتضحياته وتفاهمه النموذجي مع ليندلوف وبايي، ما عزز الصلابة الدفاعية للفريق وقدرته على تحمل الضغط، عكس الصورة البائسة التي كان عليها في بداية الموسم، وهذه كانت أكبر معضلة تواجه سولشاير، لعدم معاناته في الشق الهجومي، بقدر معاناته مع هفوات المدافعين وتذبذب مستوى الحارس في بعض الفترات، أشبه بالوصول إلى حل المعادلة الصعبة، ليجني الثمار بالصورة التي يبدو عليها في الوقت الراهن، كفريق أشبه بالوحش الجائع، الذي تصعب هزيمته في 90 دقيقة.

 

صاحب السعادة

تبقى انتفاضة بول بوغبا كلمة السر، في التحول الكبير الأخير ليونايتد، وبصرف النظر عن أهدافه الحاسمة في شباك بيرنلي وفولهام، التي منحت الفريق قبلة الحياة، ليبقى في الصدارة حتى اللحظة، فما يقدمه على أرض الملعب، فاق أحلام المشجعين، بتحوله من لاعب منبوذ يتمنى الصغير قبل الكبير طرده في أول أيام العام الجديد، إلى بطل قومي، يفعل كل شيء في كرة القدم، في الوقت الذي يمر فيه المنقذ برونو فيرنانديز بلحظات صعبة، بابتعاده عن التسجيل أو المساهمة في الأهداف في آخر أربع مباريات، بينما بطل العالم، يفعل عجب العجاب، بإظهار الشخصية والروح القتالية، التي ظلت غائبة منذ عودته من يوفنتوس في صيف 2016، إلى أن قرر إفحام المشككين في قدراته وإمكاناته، بترك أرقامه في المباريات المهمة في الصراع على اللقب تتحدث عنه، منها مثلا في المباراة المعقدة أمام فولهام، التي خاضها الفريق تحت ضغط تناوب ليستر والسيتي على الصدارة، ونجاحه في استعادة الكرة 9 مرات، وفوزه بالمواجهات المباشرة 4 مرات، واعتراض الكرة 3 مرات، وخلق فرصة محققة، وأكثر من لمس الكرة في الفريقين (99 مرة)، غير أنه تواجد داخل مربع العمليات 3 مرات، وسجل هدفا من محاولتين بين القائمين والعارضة، وهي إحصاءات تعكس نجاحه في القيام بأدواره الدفاعية والهجومية على أكمل وجه. وبطبيعة الحال، إذا حافظ على هذه الكاريزما ونسخته المبهرة الحالية لنهاية الموسم، سيكون يونايتد محوريا ورقما صعبا في التحدي على لقب البريميرليغ، ولا ننسى أنه سيكون في وضعية أكثر رفاهية من أقوى المنافسين، بالتعامل مع اليوروباليغ على أنها مباريات تجريبية وفرصة للمداورة قبل معارك أحد البريميرليغ، بينما ليفربول والسيتي، سيضطران للاعتماد على القوة الضاربة في الأوقات الحاسمة، بسبب الطمع المشروع في سحر البريميرليغ وإغراء الكأس ذات الأذنين. فهل يواصل الفريق زحفه نحو البطولة الغائبة منذ تقاعد فيرغسون ويثبت أنها ثورة تغيير حقيقية؟ أم ستكون مجرد صحوة مؤقتة كاذبة قبل الدخول في أسابيع الحسم؟

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية