تبرز ظاهرة الاهتمام بتاريخ العائلة في المجتمعات التي تكثر فيها الهجرات، وقد تعرض المجتمع الفلسطيني ولا يزال لسلسلة من عمليات التهجير والتشريد، لذلك بادر ياسر قدورة، مدير مؤسسة “هوية” في لبنان، للاهتمام بتاريخ وجذور العائلة الفلسطينية وشجرتها باعتبارها واجبا وطنيا.
ويُعنى مشروع “هوية” بمتابعة أصول وفروع العائلات الفلسطينية ابتداء من الأجداد الذين ولدوا وعاشوا في فلسطين وصولا إلى الأحفاد الذين انتهى بهم الأمر في المنافي، ويوثق المشروع لهذه الجذور ويرسم شجرتها، ويعمل على تفعيل انتماء هذه العائلات لفلسطين وحفظ حقهم بالعودة.
ويعمل “هوية” على جمع شجرة كل عائلة فلسطينية وتوثيق تاريخها بما يثبت انتماءها إلى موطنها الأصلي في فلسطين قبل الاحتلال عام 1948. ويعتمد في هذا المجال على مقابلة كبار السن من العائلات، وإلى المصادر والمراجع التاريخية المعتمدة، إضافة إلى ما تمتلكه العائلات من وثائق وأوراق ثبوتية.
“القدس العربي” التقت ياسر قدورة مدير الحملة الوطنية للحفاظ على الهوية الفلسطينية “هوية” وأجرت معه هذا الحوار:
*ما هي الدوافع التي ساهمت بولادة فكرة الحملة الدولية للحفاظ على الهوية الفلسطينية “هوية”؟
**بدأت الفكرة خلال حديث أحد الأصدقاء عن إنجازه لشجرة عائلته، وهنا كانت البداية في التفكير حول الاستفادة من هذه الفكرة والعمل على مشروع وطني للوصول إلى أصول العائلات الفلسطينية كلها، وليس شجرة عائلة على صعيد فردي.
استطعنا تشكيل فريق عمل ناشط ومتواجد في مختلف المناطق والدول، ولاقت هذه الفكرة إعجابا وتجاوبا واهتماما من الأوساط الشعبية والثقافية، وبدأت البحث والحديث والتفكير بشكل جدي للعمل على جمع الوثائق والمقتنيات لتقصي جذور العائلة الفلسطينية والحفاظ عليها بمواجهة التحديات التي يواجهها الإنسان الفلسطيني والمخاطر التي تهدد هويته وتاريخه.
بدأنا العمل في إطار فريق ناشط عام 2008 واستمر التحضير لهذه الفكرة بين ستة أشهر وعام وكنا قد بدأنا سنة 2008. والحقيقة أن بداية العمل لم تكن من الصفر لأن الكثير من الفلسطينيين عملوا على إنشاء مواقع إلكترونية لعائلاتهم ولكن لم يتم العمل على تطوير وتنظيم وتوسيع الفكرة وتوحيد الجهود.
عملت على تطوير الفكرة وتنظيمها والاستفادة منها لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني، ثم بدأت البحث في ما نشر على مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي عن العائلات وأصلها وفروعها. خلال عملنا وجدنا الكثير من الكتب القيمة والمهمة جدا وهي متخصصة ومنها “معجم العشائر الفلسطينية” للمؤلف محمد شراّب، كتاب مهم جدا في تأصيل العائلات وتوثيق بلداتهم، كذلك كتاب “إتحاف الأعزة في تاريخ غزة” للشيخ عثمان مصطفى الطباع والذي يُعتبر الكتاب الأم في التأريخ لمدينة غزة وأهلها منذ أقدم العصور حتى منتصف القرن العشرين، وكتب أخرى عن عائلات في رام الله. ولكن للأسف وضعت هذه الكتب في المكتبات فقط ولم تتم الاستفادة منها. انصب عملنا على دراسة تاريخ العائلات الفلسطينية ونسبهم والاستفادة من المعلومات الموجودة في هذه الكتب لعمل بحث عن المجتمع الفلسطيني بأكمله وليس فقط عن عائلات متفرقة وهذا ما نستطيع اعتباره المحطة الأولى في عملنا.
في الوقت الذي يشير بعض المؤرخين الفلسطينيين وأيضا بعض المؤرخين الإسرائيليين إلى وجود ثغرة في المجتمع الإسرائيلي، فهم يعمدون إلى اختراع شجرة نسب خيالية لأبناء الطائفة اليهودية من أجل الادعاء أن أجدادهم كانوا في فلسطين. وقد تم استغلال هذا الموضوع كثيرا لدرجة أنهم انشأوا مؤسسات وورش عمل تنظم وتؤرخ وصولهم إلى فلسطين.
*كيف بدأت التنفيذ العملي لفكرة “هوية”؟
**لم يبدأ عمل “هوية” من الصفر لأن هناك جهودا كبيرة كانت قد بدأت بالتوثيق استطاعت “هوية” الاستفادة منها ومن تجربتها، كما استفادت من الكتب، وحين بدأ العمل الفعلي على المشروع كنا أصبحنا على أبواب 2010 ما يعني مرور 62 عاما على النكبة، ومن كان عمره في العشرين أصبح اليوم في الثمانين ولم يعد باستطاعتنا الاعتماد على ذاكرته بشكل كامل. اعتمدنا في استكمال عملنا على الأحياء، أصبحت المعلومات تتقاطع مع عدة أشخاص، عمدنا إلى وضع بعض العلوم والأصول للعمل عليها حتى لا تضيع الفكرة، والعمل على شجرة عائلة يعيدك إلى الأصول والصحابة مما يعني أنه يلزم عدة أشهر لإنهاء أول ملف، تم وضع قاعدة الاهتمام بتاريخ وأصل شجرة العائلة الفلسطينية وانتمائها إلى أرض فلسطين قبل 1948.
*ما أهداف المشروع وما هي العقبات التي واجهتكم؟
** أولا تثبيت حق العودة لكافة الفلسطينيين بشكل موثق واستنادا لوثائق وصور ومستندات، والعمل على توثيق كل ما يمكن مثل شجرة العائلة، تاريخها وشهادتها على النكبة، والوثائق من أوراق ثبوتية إلى كواشين الأرض، إضافة إلى صور العائلة، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة لوضع ما يتم جمعه بين يدي الجيل الجديد كي يكون مادة تدعمه في المطالبة بحقه في قريته أو مدينته وهذه هي النقطة الأساسية في عمل “هوية” .
وثانيا أن يكون باستطاعة كل فلسطيني أن يروي الرواية الفلسطينية بطريقة متسلسلة حتى لو لم يولد في فلسطين، وأن يثبت روايته من خلال كمية من المعطيات والمعلومات وبعض الصور وأدلة تثبت حقيقة وأصل روايته. جمع بعض الصور كان له أهمية في المشروع، لأن إحصاء الفلسطينيين الذين غادروا مدنهم وقراهم إبان النكبة كان يتم عبر الأعداد وليس عبر تسجيل الأسماء، الصور سمحت بالتعرف على بعض الأشخاص وأسمائهم وأصلهم ونسب العائلات وتم توثيق هذه الصور مع الإسم وإسم الجد.
لهذا يجب ان تبقى في ذاكرة الفلسطينيين وذاكرة العالم عبر تسجيل الأسماء والأصول والفروع وتوثيق الصور وهذا من أهم الأهداف لمشروع “هوية”.
*كيف تم تجميع وتوثيق المستندات والصور والحوارات مع كبار السن؟
**مع التطور الإلكتروني انشأنا موقعا إلكترونيا رسميا متخصصا للمؤسسة، يتم تجميع كل المعلومات التي نحصل عليها فيه، وقد أطلقنا قسما جديدا من الوثائق الفلسطينية. طريقة العمل كانت تتم ميدانيا من خلال زيارات منزلية للعائلات الفلسطينية، للعمل على شجرة العائلة ويتم التواصل مع كل أفراد العائلة ثم نجمع الأسماء وبعض المستندات والوثائق وحتى بطاقة الخدمة العسكرية تعتبر مستندا والصور إذا وجدت، ويتم الاحتفاظ بها إلكترونيا. الاهتمام بالصورة والمحافظة عليها لهما أهمية كبرى أيضا في ربط أصول العائلات وأيضا إعادة اللحمة بين الأصدقاء، تم جمع بين 21000 إلى 27000 صورة للعائلات والأفراد، كذلك استطعنا إثبات نسب وقرابة الكثير من العائلات من خلال بعض الوثائق والأوراق المهملة، واستطعنا جمع 6000 شجرة عائلة وهذا عدد ضخم جدا.
عمل “هوية” لم يكن فقط في لبنان بل وفي سوريا والأردن أيضا بسبب تفرق العائلة الواحدة. وحتى يكون العمل مبنيا على معلومات صحيحة ودقيقة، تم التعاون مع أشخاص متخصصين وناشطين في دول أوروبا وأمريكا لهم اهتمامات بالعمل على التوثيق وانصب عملهم على الأرشيف البريطاني والأمريكي والإسرائيلي في بعض الجامعات الأمريكية. استطاعت “هوية” الحصول على كم كبير من الوثائق حوالي 3000 وثيقة، ونعمل منذ سنة على فرزها وتوثيقها كما أنه وبشكل يومي تتم الإضافة. برنامج عمل “هوية” يحتاج إلى فريق عمل كبير، ومن أجل ضمان استمراريته يجب نقل الفكرة إلى الشباب، فقمنا بتنظيم ورش عمل سريعة لمدة يومين لحوالي 400 شابة وشاب وتم تدريبهم على علم الأنساب وطرق الاستفادة منها وعلم الأصول والقواعد المتبعة في عملنا وكيفية الاستفادة من شواهد القبور للحصول على الأصل والنسب للفرد، بعد التدريب يستطيع المتدرب قراءة الوثائق بشكل سهل ومبسط.
وخلال عمل فريق “هوية” تم التصوير واللقاء مع حوالي 1000 فلسطيني موزعين في دول العالم ما يعتبر انجازا كبيرا. ولا ننسى أن انتشار التواصل عبر شبكة الزووم سهل الكثير من الأمور، وكل هذه الأعمال ستكون الذاكرة الفلسطينية التي علينا المحافظة عليها باعتبارها أرشيفا نعتمده بعد العودة إلى ديارنا في فلسطين.