قصص الأوائل التي انتقلت من المشافهة إلى التدوين الانفعالي

حجم الخط
0

 

ترجع نظريات الخرافة إلى ما قبل فلسفة سقراط، بمعنى أن النظريات نشأت بعد وجود الخرافة ليس بزمن طويل، لكن هذه النظريات اتخذت لبوسها العلمي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع مساهمات علم النفس، والأنثروبولوجيا، وبدرجة أقل علم النفس، في ذلك. مع ذلك، لا توجد نظريات للخرافة قائمة بذاتها، فالخرافة ليست كالأدب الذي يدرس كأدب فقط، لا كتاريخ، أو علم إجتماع.
وهنالك ثلاثة أسئلة تربط بين دراسة الخرافة في المجالات المختلفة التي توجد فيها هي: الأصل، الوظيفة، الموضوع؛ الأصل: السبب والطريقة التي نشأت فيها، والوظيفة: السبب والطريقة التي تستمر فيها الخرافة في الوجود، والموضوع: المدلول في نظرية الخرافة.
ويقترح روبرت. أيه. سيجال أن يكون تعريف الخرافة أنها قصة. كتعريف بدهي. ومثالها قصص الآلهة والأبطال اليونانيين والرومان. لكنه يشير في كتابه «الخرافة: مقدمة قصيرة جداً» إلى وجوب النظر إلى الخرافة بصورة أعم، باعتبارها معتقداً، أو مذهباً.
ويحيل سيجال إلى أسفار الكتاب المقدس: قصة الخلق (سفر التكوين 1، 2)، وقصة جنة عدن (سفر التكوين 3)، وقصة نوح (سفر التكوين 6، 9)، كونها ترتقي إلى مستوى الخرافات، بينما لا تمثل باقي القصص الأخرى سوى أساطير، أو حكايات شعبية.
وبعيداً عن الكتاب المقدس، يرى أن أوديب هي أسطورة فقط.
بعض النظريات تفسر الخرافة تفسيراً حرفياً يضع المدلول في المعنى المباشر الصريح، مثل الآلهة. وفي المقابل، تفسر نظريات أخرى الخرافة تفسيراً رمزياً قد يكون المدلول المجسد فيها أي شيء.
وقد ركزت نظريات القرن التاسع عشر على سؤال الأصل، أما نظريات القرن العشرين فركزت على سؤالي الموضوع والوظيفة. وهذا التمييز أدى إلى الخلط بين الأصل التاريخي والأصل المتكرر والمتولد عن الروايات المختلفة.
ويتوقف سيجال عند خرافة أدونيس، التي ترجعها المصادر الرئيسة إلى كتاب المؤرخ والكاتب اليوناني أبولودورُس، وملحمة الشاعر الروماني أوفيد «التحول».
ووفقاً لرواية أبولودورُس، الذي يقتبس نسخة القصة من الشاعر الملحمي بانياسيس، كانت سميرنا – والدة أدونيس – منجذبة إلى والدها بصورة لا تقاوم، ثم صارت حبلى في طفل له. وعندما اكتشف والد سميرنا أن المرأة التي ضاجعها ليلًا كانت ابنته، قرر قتلها، فهربت سميرنا، ولاحقها. وعندما كان على وشك الإمساك بها، ابتهلت سميرنا إلى الآلهة لتخفيها عن الأنظار، فاستجابت الآلهة مشفقة عليها فحولتها إلى شجرة مُر، ولم تمض عشرة أشهر حتى انشقت الشجرة فخرج من باطنها أدونيس. كان أدونيس على قدر استثنائي من الجمال والوسامة، فتُيِّمت به أفروديت، مثلما كانت سميرنا متيمة بأبيها. وحتى تستأثر به وحدها، خبَّأته في صندوق. وعندما فتحت برسيفوني، ملكة العالم السفلي (حادس) الصندوق الذي ائتمنتها أفروديت عليه دون أن تفصح عما يحتويه؛ وقعت هي الأخرى في حب أدونيس، ورفضت إعادته إلى أفروديت. ولمَّا كانت كل إلهة منهما تريد أدونيس لنفسها وحدها، لجأتا إلى ملك الآلهة، زيوس، الذي حكم بأن يقضي أدونيس ثلث العام مع برسيفوني، وثلثه مع أفروديت، والثلث المتبقي وحده. تخلى أدونيس عن الثلث الخاص به لصالح أفروديت؛ ومن ثم لم يخرج أبداً عن كنف أي إلهة. وفي أحد الأيام، عندما كان يصطاد، جرحه خنزير بري فلقي حتفه متأثراً بالجرح.
ووفق إحدى الروايات الأخرى للقصة في نسخة مجهولة الاسم لأبولودورُس، كان الجرح من عمل آريز، إله الحرب، الذي كان غاضباً جراء تفوق أدونيس عليه كحبيب لأفروديت.
هذا، بينما يُرجع أوفيد قصة أدونيس إلى علاقة زنا المحارم بين والدته، ميرا، وأبيها المدعو في هذه القصة سينيراس. لكن التفاصيل مختلفة هنا. ومثلما حدث في رواية أبولودورُس، قتله خنزير بري، ولكن هذه المرة دون أن ترسله أية إلهة تتنافس مع فينوس على حبه.
تنتهي قصة أبولودورُس بمقتل أدونيس، بينما يواصل أوفيد قصته بذكر تفاصيل حداد فينوس عليه. وتكريماً لذكراه، رشت فينوس رحيقاً فوق دمائه، فتفتقت زهرة شقائق النعمان.
التفصيل الأهم في رواية أبولودورُس هو أن الغضب الدافع الرئيس للأحداث، بينما كان الحب هو الدافع الرئيس في رواية أوفيد. وبينما يعتبر أدونيس في رواية أبولودورُس هو الضحية البريئة لصراع الآباء والآلهة المتنافسة، فإن أفروديت التعيسة في رواية أوفيد تعتبر ضحية بالمثل.
غير ذلك، يطرح أبولودورُس القصة باعتبارها حقيقية، ويقدمها أوفيد في ثوب القصة الخيالية.
ويقترح سيجال استخدام خرافة أدونيس كمثال صارخ في دراسة الخرافة، لأنها موجودة في نسخ شديدة التباين، ولأنها تلقى شعبية طاغية لدى منظري الخرافة في العصر الحديث، ومنهم جيمس فريزر، ومارسيل ديتيان.
ينتقد سيجال اعتراض «علماء الخلق» على استخدام مصطلح «خرافة». فمن وجهة نظرهم أن التطور لا يستند إلى أي أساس علمي على الإطلاق. وفي حال وجود أي صدام بين الكتاب المقدس والعلم الحديث، يجب على العلم الحديث أن يفسح المجال لعلم الكتاب المقدس، وليس العكس.
وفي موضوع الخرافة والدين، يضرب سيجال مثالاً حديثاً على ذلك، كنسخة معاصرة من خرافة أدونيس، وهو قصة موت ج. إف. كينيدي الابن (1960 – 1999)، كونه رمزاً جنسياً لا يقاوم لدى النساء. مات متجاهلاً تحذيرات تشبه تحذيرات فينوس، عندما أصر في طيش على الطيران في ظروف جوية لم يكن مبتدئ مثله مستعداً لها على الإطلاق. وبسقوط طائرته إلى الأرض، أصبح كينيدي قريب الشبه بإيكاروس، وفايثون، من أدونيس. فكان رثاؤه في كافة الأرجاء رثاء لبطل محتمل أكثر منه رثاء لبطل حقيقي.
ويربط الناقد الأدبي نورثروب فراي (1912 – 1991) في كتاب «تشريح النقد» جميع أجناس الأدب بالخرافة، وخاصة خرافة حياة البطل، مستدلاً بدورة حياة البطل ودورات أخرى عديدة، مثل الفصول، والدورة اليومية للشمس، والدورة الليلية للحلم والاستيقاظ. ويستلهم فراي الربط بين دورة حياة البطل ودورات الفصول من فريزر، وربما يستلهم الارتباط مع دورة الشمس من ماكس مولر. كما يستلهم الارتباط مع الحلم والاستيقاظ من يونغ.
ولعل ربط الخرافة بعلم النفس المجال الأكثر شعبية في دراسة الخرافة، حيث هيمنت نظريتان على المجال: نظرية فرويد، ونظرية يونغ.
ومن حيث دراسة الخرافة كبنية، يحيي كلود ليفي شتراوس وجهة نظر تايلور في الخرافة كمجال معرفي علمي في الأصل. وفي رأي شتراوس، أنه من الممكن حدوث أي شيء في سياق الخرافة، حتى لو لم يكن منطقياً.
الكتاب مكثف بطريقة تجعل قراءة الـ 167 صفحة في عــاية الصـــعوبة، ولا تـــترك للقارئ مجالاً لأخذ نفس بين فصلين من فصوله الثمانية، إضافة إلى المقدمة والخاتمة.
ويرى الأستاذ في قسم الدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا – ريفرسايد، إيفان سترينسكي، أن الكتاب يتناول النظريات التي وضعت حول الخرافة تناولاً واضحاً ومرتباً وشاملاً ومميزاً. ولم يتفوق أي من الكتاب الآخرين على سيجال في ما كتب عن نظريات الخرافة من حيث اطلاعه ووضوح فكرته.
بينما قال عن الكتاب الأستاذ الفخري في الدراسات الإنجيلية في جامعة شيفيلد، جون روجرسون: إن كل ما ضمه الكتاب بين دفتيه إنما هو رحلة استكشافية عميقة لموضوع يمس التجربة الإنسانية مع الدين والفلسفة والدراما والأدب وعلم النفس، والآمال والتوقعات المنتظرة منهم.
روبرت سيجال: «الخرافة». ترجمة محمد سعد طنطاوي، ومراجعة: إيمان عبدالغني نجم. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة 2014. 166 ص.

علي العائد

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية