هناك ما يسلّي في أكثر المحن قسوة!

حجم الخط
1

ذلك الببغاء النحيل، المتساقط الريش عند الذيل كما عند الرقبة، والمتسخ، كان عونا لرب الأسرة رامون في مرضه. كان قد تلقّاه هدية من خادمته قبيل الاحتفال بعيد ميلاده، وهو أصرّ على الاحتفاظ به على الرغم من ممانعة زوجته. كان الببغاء قد نشأ في منطقة شعبية، حيث تعلّم نطق أكثر الشتائم إحراجا، تلك التي بدأ بإطلاقها على سبيل التحيّة لمالكه الجديد، الذي لم تكن قد مضت أيام كثيرةعلى فقدانه النطق. لسانه الذي أصيب بالسرطان كان من الضروري استئصاله. وما يزيد من فداحة تلك الخسارة كون الأستاذ رامون صاحب مكتب محاماة، مفوّها في المرافعات، ومتمكنا من إدارة مكتبه وبيته، لذلك بدت إصابته، وفقدانه للسانه، ضربا من مصاب لا يخلو من السخرية. لم يعد يستطيع التواصل مع الآخرين، إلا بكتابة جمل سريعة يسطّرها على ورقات من دفتر يبقيه في متناول يده. وهو، على أي حال، لم يعد راغبا في التواصل مع أفراد عائلته، ولا مع أي من الآخرين. الببغاء فقط، ذاك الذي تأمّنت له إقامة مريحة في القفص الجميل الذي اشتراه له الأستاذ رامون، بمساحة أربعة أمتار مربعة. بينيتو، الببغاء، صار ملازما لصاحبه المريض، وإن كان دائم البقاء في قفصه، مصغيا لشكاواه التي لا تُنطَق، مستحوذا بذلك على دور المخاطَب الذي يكونه قرّاء الرواية في العادة.
وبعد أن ساءت حال رامون الصحية، نتيجة استفحال السرطان، ظلّ بينيتو هذا يلعب دور المواسي والساخر معا. وعلى العموم، وعلى مدى مسار الرواية المتشعب، استطاع كاتبها أن يبقي الفكاهة حاضرة. ذلك الفاصل الذي أراد فيه الأستاذ رامون أن تجمّله امرأته بالماكياج، لإخفاء ما فعله المرض بوجهه، كان يمثّل مشاهد الألم والمأساة في الأعمال الدرامية على أنواعها. لا تغيب عن البال عملية التجميل المأساوية التي اجراها على وجهه بطل رواية «الموت في البندقية». أما هنا فإن شؤون الحياة العادية، مثل استدانة ثمن البيت وكيفية ردّ الدين، كما مشاجرة رامون مع أخيه وما صاحَبها من بذل طاقته المعاقة لرميه بالمزهرية، أضفت وجها آخر، فكاهيا، على ذلك المشهد المؤلم.

تتلازم الرواية عن الأمراض المستعصية بجوانب طب نفسانية. أما في هذه الرواية فقد فاض ذلك إلى حد أنها كادت تجنح إلى أن تكون رواية علمية بسيكولوجية.

وإلى ذلك نحن إزاء رواية علمية، ترد فيها معلومات في الطب السرطاني يثقل على الأعمال الروائية هضمها في العادة. وهذا أيضا مشوب بالسخرية. فالطبيب ألداما، بعد اكتشافه أن الخلية السرطانية التي أودت بلسان رامون هي مما لم يلاحظ إلا في سرطانات الأطفال، استعجل التفكير بأنه مخترع وسيحوز جائزة نوبل للطب، لكن مع ذلك، يعرف خورخيه كومنسال، كاتب الرواية، كيف يضع حدا للفكاهة في الوقت المناسب. هو يستخدم الصدمة لإيقافها، أو يجري على ألسنة أبطاله، ومنهم الطبيب ألداما، كلاما حكميا بالغ الدلالة والدقة و… إلى ذلك، هناك الوقائع الأكثر سوداوية الجارية في الرواية عن المرضى المصابين.
ودائما، بحسب ما نقرأ، تتلازم الرواية عن الأمراض المستعصية بجوانب طب نفسانية. أما في هذه الرواية فقد فاض ذلك إلى حد أنها كادت تجنح إلى أن تكون رواية علمية بسيكولوجية. فبالتوازي مع كون رامون شخصية الرواية الأساسية هناك، إلى جانبه، الشاب إدواردو الذي أدى به السرطان إلى الهوس بالجراثيم ومفاعيلها. لن تخلو مبالغته في ذلك من الفكاهة. لكن من جهة أخرى هناك الكلام التفصيلي عن الوسائل العلاجية بتعابيرها التخصصية، كما هناك مواجهة النظريات التحليلية بعضها ببعض، وأسماء مدارس في طليعتها اللاكانية، التي ينتسب إليها الأطباء الحاضرون في الرواية. وفي استغراق متطرّف في ذلك الجانب البسيكولوجي نقرأ كيف أن الطبيبة المعالِجة تيريزا مريضةٌ قيد العلاج هي أيضا، وكيف أنها تقنعنا باستخدام الماريجوانا علاجا مفردا لها ولمرضاها.
«الطفرات» (عنوان الرواية المقصود به الطفرات الجينية) تذهب في اتجاهات متخالطة، إلى حدّ تحويل وجهة قراءتها إلى تأثيرات تميل الأعمال الروائية عادة إلى التركيز على أحدها. ربما ينجم عن التحويلات هذه، لدى قارئ الرواية، شبه حياد شعوري تجاه آلام رامون الساعي، في الصفحات الأخيرة، إلى الانتحار، لكن مع ترتيب ما يلزم لئلا يبدو ذلك مؤلما لأفراد عائلته الثلاثة. في أحيان يدفعنا الكاتب كومنسال إلى التفكير أنه بفكاهته وسخريته في ما يتعلّق بمصائر شخصياته المؤلمة، يزيح عما يرويه الظلّ الواحد الذي يصبغ الكتابة الروائية، وينقلها إلى المشاعر المتناقضة التي تنتاب البشر إزاء الأمراض والمصائب.
في عمله، الأول هذا، ذهب إلى أبعد من المديح الذي أجزاه له الكاتب التشيلي أليخاندرو سامبرا، الذي كتب أن «الطفرات تحكي بأسلوب فكاهي مواجهة عائلة عادية للشدائد والمحن» إذ ربما كان الأصوب أن نقول إنه كتب ما قد يُظن أنه عمل مشترك بين روائيين كثر، وهو واحد متماسك رغم ذلك.
*رواية «الطفرات» للمكسيكي خورخيه كومنسال صدرت عن منشورات تكوين ـ مرايا» بترجمة متميزة من أمل فارس ـ 260 صفحة ـ السنة 2020

روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية