توكارتشوك… حكاية أخرى عن العربي في مهجره

حجم الخط
0

صورة «العربي» في الرواية الأوروبية الحديثة ما فتئت تتعدد، لم يعد ذلك الساحر، الفاتن، الغامض، المفعم روحاً شرقية وحكايات تنبت من الرمل، كما أصرت على توصيفه إديث مود هول في رواية «الشيخ» بداية القرن الماضي، ولم يعد مجرد نكرة لن يخسر العالم شيئاً بالتخلص منه، تحت حر قائظ، كما فعل ألبير كامو في «الغريب».
لم يعد العربي محبوساً في مجتمعه الأول، في حريم، أو مقاتلاً شرساً، كي يأتي الغربيون ويكتبون عنه في بيئته، فالعربي يعيش بجوار الأوروبي في بلده، بل في مدينته، يُقاسمه الهواء والخبز كل يوم، وقد وصل التخيل أن افترض أن يصير العربي رئيساً لفرنسا، كما كتب ميشال ويلباك في روايته «استسلام» بدون أن يحرره من كليشيه الإسلاموية، فقد تزايدت حمم معاداة الإسلام، في أوساط شعبوية، وصار لا يمكن النظر للعربي منفصلاً عن عقيدته، يود الكاتب الأوروبي الآن حصره في صورة ثابتة، لكن هذا يحصل في الغالب بين كتاب من دول لها سوابق استعمارية في المنطقة العربية، لم تصفِّ حساباتها كاملة مع الماضي، لا تزال في توجس من العربي الذي طالما نظرت إليه في السابق وفق نظرة دونية، لكن يهمنا في هذا المقال أن نتوقف عند صورة العربي من منظور آخر، منظور من ليست له سوابق استعمارية، وقد قدمت لنا أولغا توكارتشوك (الحائزة على نوبل 2018) نموذجاً يستحق التأمل والتفكير، تحدثت في إحدى رواياتها عن عربي بعين مُحايدة، لا خصومات لها معه ،ولا صدام تاريخي جمع بلدها ببلده.

«على عظام الموتى»

في رواية «على عظام الموتى» تضع أولغا توكارتشوك القارئ في مواجهة حبكة بوليسية، عقب سلسلة من الاغتيالات، القاسم المشترك بينها أن كل المجني عليهم أصدقاء، يتشاركون في هوية الصيد، تبني روايتها على شخصيات كلها بولونية، منزوية في حياة ريفية، بعيداً عن المدينة، لكن بين تلك الشخصيات كلها، المتناسقة في ما بينها، حيث أن كل واحد من الشخصيات يفيد القارئ في معرفة جزء من تاريخ واحد من الضحايا، تظهر شخصية مثل نوتة طارئة، تظهر شخصية (علي) التي لا تلعب أي دور في تحريك الأحداث، ولا تفيد بأي معلومة عن الجرائم التي وقعت، لكن الكاتبة أصرت على إقحام هذه الشخصية السورية في روايتها، وقدمتها بكثير من الإعجاب. فعلي يعمل طبيباً للأمراض للجلدية، وهو الطبيب الوحيد في الرواية، يرتبط بصداقة مع راوية «على عظام الموتى» هي جانينا دوشيكو، التي يطغى صوتها على كامل الرواية، وتقدم توصيفاً لهذا السوري العربي، بأنه كان يزورها في بيتها حاملا إليها جرائد يجلبها من عيادته، ويستمع إليها وإلى حكاياتها، عن السنوات التي قضتها في سوريا، بصفتها مهندسة مدنية، وقد انخرطت في مشروع تشييد جسر في سوريا. بينما يسرد عليها (علي) جزءاً من ماضيه، عندما كان طبيباً تائهاً، يعمل مع بعض قبائل البدو المرتحلة من مكان لآخر.
تصف الراوية (علي) شخصا كثير الترحال، لذلك لم يدهشها أن يقوده ترحاله إلى ريف بولوني منعزل. وكانت دائماً متهيئة أن يهجرها يوماً ويهجر حياته تلك، تعلمت منه أن الاستقرار عدو الإنسان. «علمني هذا الطبيب ألا أرتبط بأي مكان».
تحكي عن تعلق الناس في الريف به وخوف الشرطة منه، إلى درجة أن اشتغلوا بمراقبة مكالماته الهاتفية، عن عاداته وعن كآبته كلما حل الشتاء ونزعته إلى البحث عن الشمس.

لقد عارضت الروائية البولونية الأحكام المسبقة التي يركض إليها أمثاله من شيطنة العربي أو الحذر منه، جعلته في مقام متساو مع شخصياتها البولونية، بل أفضل منهم في بعض الأحيان، وذلك أمر بات نادراً أن نقرأه اليوم.

تحية إلى السوريين اللاجئين

«على عظام الموتى» ربما أهم روايات توكارتشوك، وهي روايتها الوحيدة التي انتقلت إلى السينما، نشعر مع تصفحها، كما لو أن الكاتبة وجدت حريتها المبتغاة، في كشف المستور عن مجتمعها، في تلك الحبكة البوليسية، وعدا لقاءات الراوية القليلة مع شخصية (علي) فإنها لا تدرجه تماماً في لب الحكاية، لا تورطه في سلسلة الاغتيالات التي وقعت، إنما زجت به في النص، كما لو أنها تود أن توجه تلويحة أو تحية إلى السوريين اللاجئين مثل علي، أولئك الذين لا يأمنون الاستقرار، ويتجهزون في كل حين إلى الترحال، وعلى عكس ما عودتنا عليه روايات أوروبية حديثة، لن نجد في رواية توكارتشوك عربياً ضائعاً، مستسلماً أو غارقاً في البكائيات، أو الحنين، بل أظهرت عربياً منسجماً مع الفضاء الأوروبي، الذي ساقته إليه قدماه، ناجحاً في مهنته، على الرغم مما يسود علاقته مع الأمن، وتلك خاصية عامة، فالأمن يتوجس من كل شيء مختلف. لقد عارضت الروائية البولونية الأحكام المسبقة التي يركض إليها أمثاله من شيطنة العربي أو الحذر منه، جعلته في مقام متساو مع شخصياتها البولونية، بل أفضل منهم في بعض الأحيان، وذلك أمر بات نادراً أن نقرأه اليوم.
في هذه الرواية، تقود الكاتبة حكايتها إلى ريف على الحدود بين بولونيا والتشيك، حيث تعيش جانينا دوشيكو، المهندسة المدنية المتقاعدة، الشغوفة بعلم التنجيم، وبحماية الحيوانات وبترجمة أشعار ويليام بليك، قبل أن يداهمها نبأ وفاة واحد من جيرانه، فتسارع إلى بيته قصد أن تتحرى ما حل به، وهناك سوف تكتشف صورة ستغير حياتها، صورة يجتمع فيها عدد من جيرانها متفاخرين بصيدهم وبقضائهم على غزلان، كل أولئك الأشخاص الذي شاهدتهم في الصورة سوف يلقون حتفهم في الأيام الموالية، بدون أن يشعر أحد بتورط جانينا أو أن يشك فيها، وهي تروج كل مرة إلى فرضية انتقام الحيوانات من الصيادين، في ذلك الجو الشتوي، الذي تخللته جرائم تدس الروائية من حين لآخر تأملات في الحياة وحماية الحيوانات، قبل أن تكشف في النهاية عن الجاني، بدون أن تطالب بالقصاص منه، بل تتركه حراً، وفي بالها صورة الطبيب العربي (علي) الذي غادر مثلما يفعل كل مرة، متسائلة عن وجهته الجديدة التي لم يبلغها عنها، ومن خلاله تستحضر ذكرياتها الزاهية في سوريا أيام شبابها.

روائي وصحافي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية