عمان ـ محمد السمهوري: يسلط كتاب ‘الرواية والاستنارة’ للناقد الدكتور جابر عصفور، الضوء على مرحلة مهمة من الادب العربي، وهو يتناول الوعي المديني، وتمثيلات المدينة المتحولة، وغواية التحديث، والمرأة ونشأة الرواية العربية، والريادة المسيحية، والترجمة وانطاق المسكوت عنه، واليجوريات النهضة، واشكال الهوية، والحقيقة والعبرة، هذه العناوين الذي ضمها الكتاب بحثت في دور الرواية العربية. وصدر الكتاب عن مجلة ‘دبي الثقافية’ ضمن مشروع الكتاب الذي يصدر اول كل شهر ويوزع مجانا مع مجلة ‘دبي الثقافية’. الباحث الدكتور جابر قدم لكتابه مستعينا بدور عدد غير قليل من الشخصيات العربية ودورها في الاستنارة ورفد الثقافة العربية بأفكار حديثة، فمرجعياته في كتابه بدأت من عام 1889، ذاك العام الذي ولد فيه كل من طه حسين وعباس محمود العقاد، بوصفهما كما يقول ‘رمزين ساطعين لفكر الاستنارة الذي رأينا انه من الضروري والحيوي استعادته وتذكير الشباب المصري والعربي به’، حقبة الاستنارة والشغل الشاغل لكثير من الادباء والكتاب والمفكرين ورجال الدين الذين كرسوا ما عليه الرواية والصحافة والادب العربي والنقد، وسجلوا بجهدهم مرحلة كانت قاعدة لانطلاق الكثير من الادباء والكتاب والنقاد العرب فيما بعد.
يحسب للدكتور جابر عصفور في كتابه ‘الرواية والاستنارة’ انه يعتبر مرجعا مهما ولافتا لما يمثله من عناوين فرعية تمثل زخم المفاصل التي شملها البحث وعنوانه، بوصفه يعيد الاعتبار الى دور الثقافة العربية من خلال دور الرواية المستنيرة في لعب دور رفد الحركة التنويرية ورفع سويتها والحفاظ على الطبقة التي مثلتها، وتحول رموزها الى ايقونات ستكرس فيما بعد حالة يعتمد عليها جيل الحداثة العربية الجديد.
ورغم صعوبة المرحلة التي يتناولها كتاب الناقد المخضرم جابر عصفور، فإن الكتاب ‘الرواية والاستنارة’ باعتباره يدخل في صميم تخصصه وانشغالاته التي بدأت منذ عام 1989، بالكتابة عن الميراث التنويري الذي تركه اعلام التنوير كما يقول ‘اورثوني افكارهم عن اهمية الدولة المدنية واقترانها بحرية الفكر وحق العقل، كل العقل، في الانفتاح على نتاج العالم المتقدم والافادة منه، بعد وضع منجزاته الفكرية موضع المساءلة وعن اهمية اقتران السعي الى تأسيس الدولة المدنية بتأسيس معاني وقيم التسامح والتقدم’. ويعود الدكتور جابر الى التأكيد مرة اخرى على اهمية ما انتجه رجال التنوير في القرن التاسع عشر، وما تركته تلك المرحلة من اهمية معرفية وثقافية لافتة، لينهل منها اسس ومراجع جديدة سوف تعيد الاعتبار لمرحلة حال بيننا وبينها ‘طبقات الاظلام او التعتيم الفكري’، كما يقول ‘قررت ان اعرف تراث القرن التاسع عشر الفكري، حيث الذين اسماهم المرحوم احمد امين (زعماء الاصلاح)، في موازاة معرفة التراث الابداعي للقرن نفسه، وفوجئت في هذا السياق بالتلازم الوثيق بين فن الرواية وفكر الاستنارة في القرن التاسع عشر، واكتشفت مدى العمى الجزئي الذي اصابنا بسبب اعطاء الاولية لفن الشعر وحده’. ويذكر عصفور في كتابه ‘الرواية والاستنارة’، تأسيس التنويريين في القرن التاسع، لجوهر الوعي المديني، ‘وهو الوعي الذي كان مقدرا له انتاج فن الرواية واستهلاكها، في علاقة قرائية منبعها التعليم المدني، وواسطتها المطابع التي اخذت تقدم الجريدة التي كانت تنشر الروايات مسلسلة لعدد متزايد من القراء، وتنشر الرواية كتابا مفردا للجمهور القارىء نفسه الذي تعلم محبة الروايات من المصدرين معا’. ويلخص رئيس تحرير مجلة ‘دبي الثقافية’ رأيه في ‘الرواية والاستنارة’، بانه يبحر فيه الناقد عصفور في دراسة بحثية ونقدية شيقة وهادفة تجعل من قراءة هذا المبحث متعة حقيقية لمن يريد ان يعرف كيف اسس التنوير للرواية العربية المعاصرة، وكيف انتجت المدينة الحديثة والطبقة الوسطى ادبا جديدا حل ونال الاولية التي تربع عليها الشعر العربي ردحا طويلا من الزمن.
ويرى مدير تحرير ‘دبي الثقافية’ القاص نواف يونس ان كتاب ‘الرواية والاستنارة’ يربط فيه الناقد عصفور بين ظهور الرواية عربيا وعصر الاستنارة، ‘يقصد الناقد عصفور به تلك الفترة الذهبية، التي برزت فيها كوكبة من الاسماء الادبية والفكرية ممن اسهموا في تمهيد الدرب امام الرواية العربية في الظهور’، ويضيف القاص يونس ‘خلق اعلام التنوير منظومة تقدمية اعلت من شأن العقل على النقل، والاجتهاد على التقليد، والتسامح على التعصب، وهو ما يتكىء عليه للتأكيد على التلازم الوثيق بين فن الرواية وفكرة الاستنارة، من خلال اشاراته الى الوعي المديني ودور المرأة في نشأة الرواية’.