صورة أرشيفية
لندن- “القدس العربي”: قالت الباحثة التركية أسلي ايدنطشباش بمقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” إن إدارة الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن الجديدة مطالبة بالتعامل مع واقع العلاقات التركية الحالي وليس كما يجب أن يكون أو ما كان عليه. وأضافت أنه بينما تستعد إدارة بايدن لصياغة أهداف السياسة الخارجية، ستكون تركيا واحدة من أكثر ملفاتها صعوبة.
وترى الكاتبة أن كانت تركيا في ظل الرئيس رجب طيب أردوغان قد ابتعدت عن الغرب وغازلت روسيا وتحولت إلى التسلط في الداخل، أصبحت حليفا صعبا، لكنها لا تزال شريكا في الناتو وقوة إقليمية.
ترى الكاتبة أن كانت تركيا في ظل الرئيس رجب طيب أردوغان قد ابتعدت عن الغرب وغازلت روسيا وتحولت إلى التسلط في الداخل، أصبحت حليفا صعبا، لكنها لا تزال شريكا في الناتو وقوة إقليمية
وقالت إن أنقرة أثارت غضب واشنطن من خلال شرائها نظام صواريخ إس -400 الروسي وشن حملة ضد القوات الكردية المتحالفة مع أمريكا في سوريا. كما ملأت تركيا بمهارة الفراغ الناتج عن التراجع الأمريكي في المنطقة من خلال توسيع نطاق وجودها العسكري في القوقاز والشرق الأوسط.
وتضيف أن أردوغان مع تزايد ثقته بنفسه وتنامي قدراته الدفاعية المحلية، لم يعد مهتما بأن يكون عضوا مخلصا للغرب، فهو يعتقد أن على تركيا البحث عن مصالحها وهو على رأس السلطة. ولكنه يبحث الآن عن صفحة جديدة مع إدارة بايدن تعترف من خلالها بواقع تركيا الجديد، كما يراه.
وقال أحد كبار مستشاري أردوغان، في إشارة إلى إعلان إدارة ترامب في اللحظة الأخيرة عن عقوبات على وكالة المشتريات العسكرية التركية في كانون الأول/ ديسمبر، بسبب شرائها المعدات الروسية: “لقد قدم لنا ترامب خدمة بشكل ما من خلال فرض العقوبات الأمريكية والانتهاء من هذا الأمر.. فيمكننا الآن فتح صفحة نظيفة”.
ووصفت العلاقة بين أنقرة وواشنطن مرة بـ “شراكة إستراتيجية” لكن هذا يبدو الآن أجوفا نظرا لانعدام الثقة المتبادلة.
وتحدثت الكاتبة في الأيام الأخيرة، مع عدد من كبار مساعدي أردوغان والمستشارين السابقين وهم يستعدون لعصر بايدن. وأشاروا إلى الفرق بين طريقة ترامب في التعامل مع أردوغان والتي تجاوز فيها مؤسسته وعقد صفقات شخصية مع الزعيم التركي – لكنه فشل في حل أي من القضايا الرئيسية في التحالف.
من الناحية المثالية، يود أردوغان أن يتصرف بايدن مثل ترامب، ولكن في غياب ذلك، فإنه يأمل في الحصول على صفقة كبيرة – تتضمن تنازلات أمريكية بشأن إس -400، وسوريا، وقضية كبيرة ضد بنك تركي تديره الدولة في نيويورك.
وقال نفس مستشار أردوغان: “نحن الدولة الوحيدة التي تقاوم التوسع الروسي في سوريا وأماكن أخرى.. لقد طور الرئيس [أردوغان] علاقة مع [فلاديمير] بوتين وهو الزعيم الغربي الوحيد الذي يمكنه إجراء محادثة صريحة معه. يجب أن تنظر إدارة بايدن إلى هذا على أنه ميزة”.
يتردد الأتراك في التخلي عن روسيا، ويشعرون أنه يجب أن يتعاملوا مع المعسكرين. ولكن يبدو أن هناك القليل من الحماسة لذلك. قال أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الحالي، في جلسة الموافقة على تعيينه التي عقدها مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي: “إن الفكرة القائلة بأن شريكا استراتيجيا، أو ما يسمى بشريكنا الاستراتيجي، سيكون متوافقا مع أحد أكبر منافسينا الاستراتيجيين في روسيا، أمر غير مقبول.. نحتاج إلى إلقاء نظرة لمعرفة تأثير العقوبات الحالية ثم تحديد ما إذا كان هناك المزيد الذي يجب القيام به”.
يعرف بايدن من أيامه كنائب للرئيس، أن أردوغان مفاوض صعب المراس، حتى لو كانت أوراقه ضعيفة
وكما يعرف بايدن من أيامه كنائب للرئيس، فأردوغان مفاوض صعب المراس، حتى لو كانت أوراقه ضعيفة. وهو لا يزال ضعيفا اقتصاديا وانتخابيا – لكنه لن يظهر ذلك.
وقال مساعد سابق لأردوغان: “يتفاوض أردوغان بطريقة تجعل الجميع من حوله يعتقدون أنه ليس هناك فرصة أخرى وأن فرص التنازل معدومة.. وفي النهاية، ما يريده مقابل عدم استخدام إس -400 هي علاقة شخصية مع بايدن، كما كان مع ترامب وبوتين. ولا مزيد من الصداع بشأن حقوق الإنسان والديمقراطية”. وقال المستشار السابق إن الظهور كمحاور وحيد في القضايا المتعلقة بواشنطن، هي طريقة أردوغان لضمان استمرار نظامه.
يتفاوض أردوغان بطريقة تجعل الجميع من حوله يعتقدون أنه ليس هناك فرصة أخرى وأن فرص التنازل معدومة.. وفي النهاية، ما يريده مقابل عدم استخدام إس -400 هي علاقة شخصية مع بايدن، كما كان مع ترامب وبوتين
وتستعد تركيا لإجراء صفقة صعبة، خاصة أن تصريحات بلينكن تشير إلى أن الأمريكيين ليسوا في حالة مزاجية تسمح لهم بالتهاون.
وقد تكون العودة إلى سابق العهد بشكل كبير أمرا بعيد المنال. لكن المساحة الوحيدة التي يوجد فيها زخم إيجابي في العلاقات بين تركيا وأمريكا يمكن أن تكون في المحيط – في الصراعات القديمة مثل قبرص وأرمينيا. وتحسبا لإدارة بايدن، شرعت أنقرة مؤخرا في هجمة علاقات جيدة تجاه الاتحاد الأوروبي وتواصلت مع المنافسين الإقليميين مثل السعودية وإسرائيل. بعد عام من السياسات المتشددة، تشجع تركيا أيضا الأمم المتحدة على استئناف المحادثات القبرصية بشأن تقسيم الجزيرة المستمر منذ عقود.
والأكثر إثارة للدهشة هو أن مستشار أردوغان الكبير أخبر الكاتبة أن أنقرة مستعدة “لتطبيع العلاقات مع أرمينيا”. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، دعمت تركيا الحملة العسكرية لأذربيجان ضد أرمينيا، لكن المسؤول يقول الآن إن بإمكانهم التعامل مع خصمهم التاريخي وحتى فتح المعبر الحدودي: “كانت المشكلة بالنسبة لنا دائما هي الاحتلال الأرمني للأراضي الأذرية. تم حل هذا الآن. إذا كانت أرمينيا على استعداد لاتخاذ خطوة، فنحن مستعدون”.
تحسبا لإدارة بايدن، شرعت أنقرة مؤخرا في هجمة علاقات جيدة تجاه الاتحاد الأوروبي وتواصلت مع المنافسين الإقليميين مثل السعودية وإسرائيل
وقد لا تكون قبرص وأرمينيا في صميم العلاقات التركية الأمريكية، ولكن حل هذه النزاعات سيفيد بشكل كبير علاقات أنقرة مع الغرب.
لم يفهم الأمريكيون أبدا كيف يتعاملون مع أردوغان، ولم يتعب الرئيس التركي أبدا من التصلب في مواقفه. فربما يكون مفتاح إصلاح العلاقة هذه المرة هو القليل من التباعد الاجتماعي. وبدلا من التركيز على إعادة المياه إلى مجاريها من الأعلى، قد يكون من الأفضل لتركيا وأمريكا باتخاذ خطوات صغيرة، مما يبقي الباب مفتوحا لمستقبل أفضل.