الشروط والاعتبارات والميزانية ومنح التفرغ… المشكلة المزمنة في وزارة الثقافة المصرية

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من كمال القاضي: منح التفرغ إحدى المزايا التي تقدمها وزارة الثقافة للمبدعين، وهي عبارة عن مرتبات شهرية تخص بها الوزارة من يقع عليهم الاختيار لإنجاز مهام إبداعية روائية أو قصصية أو شعرية، أو ما شابه من الفنون التشكيلية، وخلافه وهي بالقطع مزايا تحض على الإبداع وتمنح من لديهم مواهب وكفاءات الفرصة لمزيد من إثراء الحركة الثقافية بواسع الخبرات والابتكارات، ويعد هذا من صميم عمل الوزارة وأهدافها.
تلك هي الجوانب الإيجابية في منح التفرغ التي صارت في حد ذاتها وظيفة يركن إليها البعض، فلا يرهق نفسه في البحث عن مهنة أخرى حتى بعد انتهاء المدة القانونية المقررة للمستحقين، التي أظن أنها لا تزيد عن ثلاث سنوات، في حالة عدم خرق القوانين واللوائح والتحايل عليها بانتحال الأعذار والأسباب الملفقة التي تطيل أمد الإنفاق والصرف لأجل غير مسمى أو مسمى بين الوزارة وأولئك المبدعين من ذوي الأفكار والمواهب الفذة.
وتتراوح المكافآت المالية في المنح المسماة، ما بين خمسمئة إلى أربعة آلاف جنيه مصري، كحد أقصى، حسبما ذكر الأكثر علما بهذا الشأن. وتختلف المبالغ باختلاف نوعية الإبداع وحجم المبدعين وأهميتهم وأدوارهم في الحياة الثقافية أيضا.
وأيا كانت الشروط والحسابات فهذا ليس مهما وإنما الأهم في «التكية» التي أنشئت في عهد الوزير الأسبق فاروق حسني واكتسبت شرعيتها وأصبحت واقعا مفروضا خلال سنوات توليه الوزارة أنها مستمرة إلى الآن بذات الإيقاع والنسق للأشخاص أنفسهم والاسماء نفسها، فحين حاول جابر عصفور الوزير الحالي للثقافة فتح الملف للتعرف على خريطة توزيع المنح والعمل على تنظيمها وترشيدها قامت الدنيا ولم تقعد، وانبرت الأقلام والألسنة تدافع وتبرر وتهدد وتتوعد في حال اللعب في الأرزاق.
هنا كان مكمن الخطر، فالذين يحصلون على مرتبات شهرية بغير إبداع أو جهد يذكر، أو تفرغ، حيث أنهم متفرغون بالضرورة شعروا بالقلــــق، لأن جزءا مهما من حصيلة دخلهم الشهري سيقتـــطع، وبالتالي سيحدث ارتباك في المــيزانية فلا أقل من الصياح والهجوم حفاظا على لقـــمة العيش السائغة سهــلة الهضم، ذلك كان منطق من اعترضوا مناقشة منح التفرغ وإعادة النظر فيها، لأن الغالبية العظمى منهم باتوا بمضي المدة القانونية غير مستحقين لها ولو كانوا مبدعين وعباقرة.
المشكلة الأكبر أن هذه المكافآت تدفعها وزارة الثقافة من الخزانة العامة للدولة التي تمول من جيوب دافعي الضرائب من الشعب المصري، وهذا سبب كاف يعطي الحق لوزير الثقافة في إيقاف استنزاف المال العام، لا سيما أن هناك بالفعل لوائح تنظم هذه المسألة وتضع لها شروطا واجبة التطبيق تمنع الاستفادة من المنحة بشكل متكرر على مدى سنوات طويلة تتجاوز المدة المقررة والمشار إليها سلفا، ناهيك عن قيمة وقامة الحاصلين عليها وتفاوت مواهبهم وإنتاجاتهم، فالخلاف ليس على الأشخاص ولكن يجب أن تكون الأولوية للقانون أولا، فمن خلاله يستبعد من يستبعد ويستثنى من يستثنى، لو كان هناك وجه منطقي للاستثناء، وليس لدواعي المحسوبية والوساطة والصلة الوطيدة بأصحاب القرار في المؤسسة الثقافية.
كما أنه يجب التشديد على شرط الإنجاز الإبداعي، خلال سنوات التفرغ للحاصل على المنحة بما يليق بها، وبالجهة المانحة لها، حتى لا يكون مجرد حشو الورق والطباعة ووضع العناوين البراقة الفارغة من أي مضمون، حجة لإثبات الحالة الإبداعية واستحقاق المكافأة، من دون تمييز بين الغث والسمين من الًإصدارات التي تشفع لأصحابها أحيانا من دون مناسبة فيحصلون بموجبها على ما لا يستحقونه باسم الإبداع، وهذه من دلالات التدليس والفساد وعناوين الارتباك الحقيقي داخل المؤسسة الثقافية منذ عشرين عاما على الأقل، التي أتصور أنه حان الوقت لمعالجتها لصحة البدن الثقافي وسلامة مثقفيه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية