لماذا الفشل الأمني وتجدد الإرهاب في العراق؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

أجرى الكاظمي تغييرات في قيادات بعض الأجهزة الأمنية، رفضته القوى السياسية المتنفذة وهددت بإسقاط حكومته لتجرأه على إبعاد قادة محسوبين على الأحزاب والفصائل الولائية ومقربين من إيران.

 

بغداد-“القدس العربي”: في كل مرة تتصاعد فيها العمليات الإرهابية في العراق، تثار تساؤلات عن أسباب الخروقات الأمنية، ومن يقف وراءها وكيفية نجاح المجاميع المسلحة في الوصول إلى أهدافها رغم جيوش جرارة من القوات المسلحة التي تستنزف ميزانية العراق. ولماذا تمكنت القوات الحكومية المسلحة من القضاء على ما يسمى دولة “داعش” ولكنها تعجز عن متابعة وكشف تحركات مجاميع مسلحة وبقايا جيوب “داعش” إضافة إلى العجز عن ردع تحركات الفصائل المنفلتة، وسط توقعات بوجود سيناريو لجر البلد إلى الانهيار والفوضى خدمة لمافيات الفساد والمشروع الإقليمي.

فقد تزايدت العمليات الإرهابية في العراق مؤخرا، وخاصة بعد الانفجارين الكبيرين وسط بغداد، وشن هجمات مسلحة على مقرات الحشد الشعبي في محافظة صلاح الدين، والتي سقط فيهما عشرات القتلى ومئات الجرحى ، كما تواصل شن هجمات مسلحة في الأنبار وديالى والموصل وغيرها، بالتزامن مع تزايد تفجير العبوات الناسفة في طريق القوافل التي تنقل المعدات والتجهيزات لقوات التحالف الدولي، إضافة إلى تجدد قصف مطار بغداد بصواريخ الكاتيوشا. ولم تغب عن هذا المشهد، عمليات الاغتيالات والاعتداءات على ناشطين وسياسيين مشاركين في الانتخابات وشيوخ عشائر، دون كشف الفاعلين في كل الحالات.

وازاء تصاعد العمليات الإرهابية الأخيرة، وتجدد الدعوات لإصلاح المؤسسة العسكرية وإبعاد تأثير الأحزاب السياسية والميليشيات عنها، فإن رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي أجرى تغييرات في قيادات بعض الأجهزة الأمنية، لتقصيرهم في اداء واجب حماية المواطنين وكشف النشاطات الإرهابية. إلا ان قرار الكاظمي، رفضته القوى السياسية المتنفذة التي هددت بإسقاط حكومته عبر سحب الثقة عنها في البرلمان، وذلك لتجرأه على إبعاد قادة أمنيين محسوبين على الأحزاب والفصائل الولائية ومقربين من إيران.

ولا ريب ان موقف القوى السياسية هذا، عزز قناعة الجميع بأن استمرار وقوع الخروقات الأمنية، يعود لعدة أسباب، أهمها تدخل أحزاب السلطة في عمل الحكومة والأجهزة الأمنية، لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية، مما يكبل القوات الأمنية ويعرقل عملها.

نائب رئيس الوزراء الأسبق والمقرب من التيار الصدري بهاء الأعرجي، كشف عن “فرض كتل سياسية للتعيينات بالمناصب الأمنية فيما يشهد العراق جرائم كبيرة ضد المواطنين لا يتم الإفصاح عنها في الوقت الذي تجرى فيه عمليات نوعية تتم بمعلومات أمريكية نظرا للأخطاء الكبيرة في بناء المؤسسة العسكرية”. مؤكدا “أن الأحزاب تعرقل عمل الكاظمي حيث أفشلت محاولته لإجراء تغيير وزاري مؤخرا”.

أما السبب الأقوى في هذه المرحلة، لتصاعد العنف والتوتر في العراق، فهي الانتخابات التي تثير خلافات عميقة وصراعات بين الأحزاب المتنفذة الساعية لإبقاء هيمنتها على كنز السلطة، وبين محاولات يتيمة لإجراء انتخابات مبكرة نزيهة استجابة لمطالب الشعب بالإصلاح والتغيير لايقاف الانهيار الشامل للبلد.

وفي هذا السياق، تستغل القوى السياسية الشيعية، الخروقات الأمنية، لإعادة التجييش الطائفي في الشارع الشيعي قبيل الانتخابات المقررة، عبر الإدعاء بوجود حواضن لعصابات “داعش” في أطراف العاصمة (في المناطق السنية) والمطالبة باستمرار الاعتقالات ضد أبنائها، فيما يشن قادة الفصائل الولائية، حملة شرسة ضد رئيس الجمهورية برهم صالح والحكومة، متهمة اياهم بعرقلة تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق متهمين بالإرهاب موجودين في السجون الحكومية، وذلك بالرغم من أن العراق في مقدمة دول العالم في عدد تنفيذ أحكام الإعدام، ورغم تحفظات منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية حول مدى صحة الأحكام المستندة على اعترافات انتزعت من المتهمين بالتعذيب، وهو ما دفع تحالف القوى الوطنية (السنية) لتوجيه رسالة إلى الرئيس صالح بأن “بعض القوى الشيعية تستغل تفجيري ساحة الطيران وتطالب بإعدام كل المتهمين بالإرهاب، لتحقيق مكاسب سياسية على حساب دماء الأبرياء”.

وهذه الحقيقة أقر بها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، عندما غرد على تويتر، انه “مع اقتراب التنافس الانتخابي، هناك ضغوط تمارس من بعض الجهات ضد أهالي المحافظات السنية بحجة محاربة الإرهاب” مؤكدا انه “من المعيب أن تتصادم القوى السياسية من أجل الانتخابات، والمحافظات أجمع تعيش تحت خط الفقر والجوع والوباء والخوف”.

ومن جهة أخرى، يعتقد مطلعون، ان تصاعد الهجمة الإرهابية والعنف، له صلة أيضا بمخاوف لدى الفصائل الشيعية من استجابة الكاظمي لضغوط أمريكية ودولية لإنهاء الحشد الشعبي، وخاصة بعد شمول قادته بالعقوبات الأمريكية، حيث قال قائد حزب الدعوة المقرب من إيران نوري المالكي، إن “الحشد الشعبي باق ومستمر بكل إصرار وعزيمة”.

ولا شك بان مجيء إدارة أمريكية جديدة لم تتضح سياستها تجاه المنطقة وخاصة بعد إعلانها نيتها مراجعة قرار سحب القوات الأمريكية من العراق، سيكون سببا قويا لبعض القوى السياسية وأذرعها، لافتعال تصعيد أمني في العراق وسط تهديدات قيادات شيعية بكارثة وانهيار سياسي وأمني ينتظر البلد، لايصال رسالة بأن استقرار العراق هو ورقة ضغط في أية مفاوضات قادمة بين الولايات المتحدة وإيران.

ويذكر ان إعلان حكومة الكاظمي، نجاحها مؤخرا في قتل 17 من قادة تنظيم “داعش” لا يعني انتهاء الأعمال الإرهابية بشكل كامل في العراق ، للأسباب المذكورة أعلاه وأسباب أخرى.

ويبدو واضحا انه ما دامت المؤسسة العسكرية العراقية، أسيرة للأجندات السياسية المحلية والإقليمية، وما دام هناك مشروع “للدولة العميقة” باضعاف الدولة مقابل تقوية الفصائل الولائية، في استنساخ للنموذج الإيراني، لذا ستظل الحكومات عاجزة عن انهاء الإرهاب والعنف، رغم وجود امكانيات وخبرات عسكرية وأمنية كبيرة لديها ورغم الدعم الكبير من التحالف الدولي. وهو ما يعزز القناعة بأن الخروقات الأمنية لن تنتهي في العراق أبدا، وسيتواصل نزيف دماء الأبرياء، لسبب بسيط هو ان أسبابها والجهات التي تقف وراءها ما تزال موجودة في البلد بقوة، وهي قادرة على التحرك بسهولة في الأوقات والأماكن التي تناسب مشروعها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية