سوريا ستكون أحد أكثر تحديات السياسة الخارجية لبايدن، وقد يحاول إبقاء الخيار العسكري مفتوحاً لتعزيز أجندة حقوق الإنسان والنفوذ الأمريكي في المنطقة وإعادة بناء الثقة مع الحلفاء.
واشنطن-“القدس العربي”: فاجأ وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، الجمهوريين في مجلس الشيوخ خلال جلسة تعيينه، الأسبوع الماضي، بالموافقة على الكثير من بنود السياسة الخارجية للرئيس السابق دونالد ترامب، لا سيما الصين والشرق الأوسط، على الرغم من اختلافه بشكل جوهري عن أسلوب وتكتيكات ونبرة ترامب.
وردد بلينكن إشارات قريبة من إدارة ترامب بشأن الأمن القومي والدفاع الوطني واستراتيجية المحيطين الهادئ والهندي، إضافة إلى التأكيد على قرارات ترامب الداعمة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك نقل السفارة، مع تعهد بتعزيز مسار التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل.
وأشار محللون أمريكيون إلى أن إدارة بايدن قد تعود إلى الشرق الأوسط على الأرجح بسياسة خارجية تدخلية، إلا أن أنها لن تبتعد كثيراً عن سياسات إدارة ترامب، وفي الواقع، فإن خيارات بايدن محدودة في المنطقة، حيث تضاءل وجود القوات الأمريكية في المنطقة، كما أن هناك توجهات في واشنطن لكي يلعب كيان الاحتلال الإسرائيلي دور الشرطي في المنطقة.
وتوقع المحللون الأمريكيون بأن مجموعات الضغط داخل وخارج الإدارة ستكبح طموحات بايدن في منح الأولوية للقضية الفلسطينية في المنطقة، ولكنهم أشاروا في نفس الوقت إلا أن إرث ترامب في الشرق الأوسط، هو أمر مشكوك فيه، وأنه من الأفضل أن يبتعد بايدن تماماً عن سياسات سلفه.
واتفق الخبراء أن الولايات المتحدة لم تفعل في السنوات الأخيرة أي شيء لتعزيز الأمن القومي أو موقف أمريكا في المنطقة، وبالنسبة لسوريا فلم تكن قرارات ترامب نزيهة، وقال المحللون إن سوريا ستكون بلا شك أحد أكثر تحديات السياسة الخارجية لبايدن، على الرغم من أنّ الولايات المتحدة لا تملك سوى خيارات محدودة هناك، ولكن من المرجح أن يحاول بايدن إبقاء الخيار العسكري مفتوحاً لتعزيز أجندة حقوق الإنسان والنفوذ الأمريكي في المنطقة وإعادة بناء الثقة مع الحلفاء.
ورسم وزير الدفاع لويد اوستن، ومدير المخابرات الوطنية، افريل هاينز، في جلسات الاستماع، لقطات سياسية تشير إلى استمرارية كبيرة بين إدارتي ترامب وبايدن في مسائل الأمن القومي، وكلاهما وعد بتكريس المزيد من الاهتمام بالصين، باعتبارها “خصماً متناميا”.
وعلى سبيل المثال، أكد أوستن أن “الصين هي التهديد الخطير للولايات المتحدة، ويجب أن تكون منطقة المحيطين الهندي والهادئ هي محور تركيز الوزارة” في حين قال هينز إن الصين “تمثل تحدياً لأمن الولايات المتحدة وازدهارها” مؤكداً على تأييده لموقف عدواني أكثر حزماً من إدارة أوباما وترامب.
وبالطبع، هناك مجالات صارخة في الخلاف بين إدارات بايدن وترامب، مثل مشاركة الولايات المتحدة في اتفاقية باريس، التي أعادها بايدن في غضون ساعات من أداء اليمين الدستورية، ونيته في العودة إلى خطة العمل المشتركة بشأن برنامج إيران النووي.
وكرر وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، موقف بايدن بأن عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي ستحتاج إلى تصحيح “بعض العيوب” الملحوظة في الاتفاقية الأصلية، وجعلها “أطول وأقوى” من خلال تقييد برنامج إيران الصاروخي ودعمها للميليشيات بالوكالة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مما سيساعد على تمريرها في الكونغرس بعد تبديد الكثير من المعارضة من الجمهوريين.
وبدا نهج بلينكن أقرب إلى التوجيه الحازم لفريق سياسة إدارة بايدن تجاه الصين أكثر من سياسة “عش وأسمح لغيرك بالعيش” التي دعا إليها مستشار الأمن القومي جيك سوليفان ومنسق السياسة الصينية كورت كامبل.
واتفق بلينكن مع وزير الخارجية السابق، مايك بومبيو في وصف قمع الحكومة الصينية لأقلية الأيغور المسلمة بأنها “إبادة جماعية” بما يتفق أيضاً مع الكلمات القاسية التي استخدمها بايدن ضد الصين بشأن الأقلية المسلمة هناك.
وأشارت إدارة بايدن إلى أن الحكومة الصينية قد استخدمت مستويات جديدة من الفظائع، التي لم يستخدمها السوفييت على ما يبدو في مشاريع الإبادة الجماعية مثل وضع الرجال في معسكرات اعتقال و”إعادة التعليم” وتمركز الجنود في منازلهم كأفراد جدد في الأسرة.
ولاحظ محللون أمريكيون أن بعض الدول العربية اعتقدت أن بإمكانها رسم الخريطة السياسية للمنطقة في غياب الإدارة الأمريكية، ولكن بعد نصف قرن من المحاولات، أدركوا جميعاً حدودهم، وعلى سبيل المثال كانت التجارب فاشلة للغاية في ليبيا واليمن، ولم يتمكنوا في أحداث أي تأثير، مما يعني العودة إلى الارتباط مع واشنطن بشكل قوي، وهذا يتناسب مع سياسة بايدن في إعادة الانخراط في المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بدول الخليج، ولكن ملامح الانخراط لن تختلف كثيراُ عن إدارة ترامب، وهي في النهاية تصب في تحقيق المزيد من المكاسب لكيان الاحتلال الإسرائيلي، ومنع إيران من الحصول على سلاح نووي بأسلوب عدواني عسكري أو بأسلوب دبلوماسي.
ولن تُعرف آفاق السياسة الخارجية لبايدن على المدى الطويل، إلا إذا تسببت الصين أو كوريا الشمالية في حدوث أزمة أمن قومي خطيرة، أو عندما تجد إدارة بايدن نفسها على حافة الهاوية لأزمة عالمية مفاجئة، ولكن حتى تلك اللحظة، فإن الإشارات الأولية من إدارة بايدن تقدم صورة للعودة إلى سياسات قريبة من ترامب وأوباما وبوش، ومن المرجح أن يتم الحفاظ على النهج المختلف لفريق ترامب في السياسة الخارجية.
وكما ذكرنا سابقاً فقد أكدت إدارة بايدن أنها تدعم اتفاقيات التطبيع بين بعض الدول العربية وكيان الاحتلال ولكنها شددت في نفس الوقت على أنها ستلقي “نظرة فاحصة” على بعض الالتزامات التي تنطوي عليها، وهي تتراوح بين صفقات الأسلحة مع الإمارات إضافة إلى اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء.
وعلى اية حال، تملك إدارة بايدن حاليا لحظات من الفرصة السانحة لإعادة التفكير في دور أمريكا في العالم والشرق الأوسط، ولكنه، في الواقع، لن يختلف كثيراً عن نهج ترامب، باستثناء التركيز على موضوع حقوق الإنسان والاتفاق الإيراني.