الانشقاقات في الأحزاب التركية الكبرى تتواصل وتتسع لتعيد رسم الخريطة السياسية في البلاد 

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

من شأن تفكك حزب الشعوب الديمقراطي الكردي وارتباك دعمه لتكتل المعارضة أن يؤدي إلى تسهيل مهمة اردوغان في حسم أي انتخابات مقبلة.

إسطنبول-“القدس العربي”: تتواصل وتتسع الانشقاقات بالأحزاب التركية الكبرى في مشهد ينذر بإعادة رسم الخريطة السياسية في البلاد مع وصول الانشقاقات لكبرى الأحزاب وتشكل العديد من الأحزاب الجديدة التي ستجبر تكتلي المولاة والمعارضة على إعادة رسم تحالفاتها السياسية وربما ظهور تكتل سياسي ثالث قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة عام 2023 والتي يمكن أن تجبر التحولات السياسية المتسارعة كافة الأطراف على القبول بتبكير موعدها في ظل شكوك متزايدة حول إمكانية الانتظار حتى عام 2023.

وفي أحدث وأبرز هذه الانشقاقات، أعلن 3 نواب في البرلمان التركي، الجمعة، استقالتهم من حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة بالبلاد، لينخفض بذلك عدد نواب الحزب في البرلمان من 138 إلى 135 نائب.

وفي مؤتمر صحافي عقده النواب محمد علي تشيبي، وحسين عوني أقصوي، وأوزجان أوزال، في البرلمان بالعاصمة أنقرة، اتهموا قيادة الحزب بإقصاء عدد من النواب والأعضاء من الحزب. وكان أبرز ما تطرق له النواب في المؤتمر، الحديث عن اقصاء قيادات في الحزب وعلى رأسها محرم إنجي (المرشح السابق للحزب للانتخابات الرئاسية) وابتعاد قيادة الحزب عن مبادئ أتاتورك (مصطفى كمال مؤسس الحزب والجمهورية التركية) بالإضافة إلى الإشارة إلى ضرورة “وضع مسافة واضحة” بين حزب الشعب الجمهوري، وقيادات حزب الشعوب الديمقراطي (على خلفية اتهام الحزب بالارتباط مع منظمة بي كا كا الإرهابية).

ويتوقع أن تكون هذه الاستقالات مجرد بداية داخل أروقة حزب الشعب الجمهوري، حيث يُنتظر استقالة عدد أكبر من النواب والقيادات خلال الأسابيع المقبلة تمهيداً للانضمام إلى الحزب الجديد الذي ينوي محرم إنجي تشكيله وذلك عقب تعاظم الخلافات بينه وبين قيادة الحزب واتهامه لزعيمه كمال كليتشدار أوغلو بأنه “زعيم ديكتاتوري داخل الحزب ويتبع سياسات فاشلة”.

ويعتبر إنجي من أبرز قيادات الحزب وخاض الانتخابات الرئاسية مقابل الرئيس رجب طيب اردوغان ورغم خسارته، إلا أنه تمكن من الحصول على 30 في المئة من أصوات الناخبين وهي أعلى نسبة يحصل عليها الحزب منذ عقود ما دفعه للسعي لتشكيل حزب سياسي جديد عقب توجيه اتهامات حادة لقيادة حزب الشعب الجمهوري.

ومن شأن هذا الانشقاق أن يضعف أكبر أحزاب المعارضة الذي ارتفعت لديه الآمال مؤخراً بالقدرة على الإطاحة بحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة، وهو ما دفع الناطق باسم حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزال لاتهام اردوغان بمحاولة تفكيك الحزب ودعم المنشقين. وفي وقت سابق اتهمت قيادات بالحزب محرم إنجي بالحصول على دعم من أردوغان لتشكيل حزب جديد، وهي اتهامات ينفيها إنجي والعدالة والتنمية على حد سواء.

وتتمحور الخلافات داخل حزب الشعب الجمهوري حول الهوية الفكرية للحزب وتحالفاته السياسية، لاسيما فيما يتعلق بالهوية العلمانية والتحالف مع حزب الجيد -قومي محافظ- والسعادة -إسلامي-، وخلافات أخرى حول التحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي المتهم بتقديم دعم لتنظيم بي كا كا الإرهابي، كما تبرز الخلافات في السنوات الأخيرة حول مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية بين مؤيد لمرشح خالص من الحزب، ومؤيد لمرشح توافقي قادر على هزيمة أردوغان حتى ولو من خارج الحزب.

هذا الحراك الكبير داخل أطر حزب الشعب الجمهوري، سبقه حراك أكبر داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي انشق عنه عدد ليس قليلا من القيادات التاريخية الكبيرة، حيث انشق رئيس الوزراء السابق احمد داود أوغلو مشكلاً “حزب المستقبل” قبل أن ينشق وزير الاقتصاد السابق علي باباجان مشكلاً “حزب التقدم والديمقراطية” وسط ابتعاد للرئيس السابق عبد الله غول وعدد من القيادات عن حزب، وتكهنات بإمكانيات انضمام الأحزاب الجديدة المنشقة من رحم العدالة والتنمية إلى تحالف المعارضة الانتخابي أو تشكيل تحالف انتخابي ثالث.

وسبق ذلك أيضاً، الانشقاق الذي عصف بحزب الحركة القومية حليف اردوغان في السلطة، حيث انشقت نهاية عام 2017 القيادية البارزة ميرال أقشنار مشكلة “حزب الجيد” الذي نجح في دخول البرلمان والتحالف مع المعارضة التركية، وحديثاً توجد تكهنات حول إمكانية حصول حراك داخل حزب الجيد الذي قد يشهد هو الآخر انشقاقاً جديداً.

ورغم أهمية كافة الانشقاقات السابقة، إلا أن الحراك المتصاعد داخل اروقة حزب الشعوب الديمقراطي -الكردي- يعتبر الأبرز في هذه الفترة، حيث تدور تكهنات حول إمكانية حصول انشقاق كبير داخل أروقة الحزب بسبب الاتهامات له بالتعاون مع “بي كا كا” وهو الانشقاق الذي قد يمهد الطريق أمام الحكومة لإغلاق شق الحزب الأصلي، حيث أن أي انشقاق داخل البيت الكردي – الشعوب الديمقراطي- سيعزز رواية الحكومة بأن أجنحة في الحزب تقدم الدعم فعلياً لتنظيم بي كا كا.

ومن شأن أي انشقاق أو إغلاق لشق من الحزب أن يؤدي لأكبر تغيير في التركيبة السياسية في البلاد، حيث كانت أصوات الأكراد في الانتخابات المختلفة في السنوات الأخيرة هي المتغير الأهم والحاسم، ومن شأن تفكك حزب الشعوب الديمقراطي الكردي وارتباك دعمه لتكتل المعارضة أن يؤدي إلى تسهيل مهمة اردوغان في حسم أي انتخابات مقبلة.

وبشكل عام، فإن هذه الانشقاقات وما نتج وسينتج عنها من أحزاب جديدة سيفرض بلا شك على التكتلات الكبرى إعادة حساباتها وتكتلاتها الانتخابية كما يتوقع بقوة أن تفرز تكتلا انتخابيا ثالثا بعيداً عن تكتلي الموالاة الذي يضم العدالة والتنمية والحركة القومية، وتكتل المعارضة المدعوم من الشعب الجمهوري و”الجيد” والشعوب الديمقراطي، ليعاد رسم الخريطة الحزبية والسياسية في البلاد من جديد، وهو أمر يجعل من تكهن نتيجة الانتخابات المقبلة أمراً معقداً لحين اكتمال المشهد السياسي الجديد في البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية