في ذكراها العاشرة: غابت الثورة وحضرت كورونا

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”: كبرت ثورة يناير وبلغت من عمرها عقداً، وبينما تضيق على الأغلبية الفقيرة والنخبة ومن ثم السلطة، ما زال من شارك فيها وحمل الراية طلباً لإزاحة الديكتاتور الذي حكم البلاد طيلة عقود ثلاثة متوقفاً عند الحد الأدنى من الأماني. وها هو الآن نفس الجيل يطالب بذات المطالب التي من أجلها قامت الثورة وشعارها التاريخي الذي أخفقت حكومات في تحقيقه “عيش ..حرية ..كرامة اجتماعية” ومالبثت ان عادت الملايين للمربع صفر حيث باتت الكلمة أشد خطراً من الرصاصة ومجرد الاشتباه بالحنين للثورة يدفع صاحبه الكلفة مرتفعة. في العشرية الأولى للثورة وبينما الأغلبية باتت تقاتل في خندق الباحثين عن رغيف وفرصة للعلاج دخل الفيروس القاتل كورونا، طرفاً في المعركة موجها سهامه ضد الطرفين معاً السلطة والشعب، كأن استدعاء المطالب التاريخية والعادلة للثورة يعد نزقاً لا يمكن بأي حال مجرد التفكير فيه.

تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي غداة الذكرى العاشرة للثورة هو تثمين في نظر ثوار يناير حينما قال “يناير ثورة قادها الشباب المخلصين، وهم يتطلعون لمستقبل وواقع أفضل، وأقول لشباب مصر أن وطنكم يحتاج لسواعدكم وجهودكم لاستكمال طريق البناء والتنمية وتحقيق آمال المصريين ليوفر فرصا متساوية في الحياة الكريمة” وذلك على الرغم من أن أذرع السلطة الإعلامية ما زالت ترمي الحدث الكبير في ذكراه العاشرة بأنه مصدر الموبقات والشرور التي حلت بمصر بداية من سد النهضة والانفلات الأمني الذي تعرضت له البلاد قبيل وعقب رحيل مبارك. وبينما يقسم كثير من إعلاميي السلطة على ان الثورة باتت نسياً منسياً، يرى أنصارها أنها حية في القلوب وما زالت تثير الجدل. ويجزم كثير من المراقبين من أنصار الثورة وكذلك من الموضوعيين من المنتمين للسلطة ان القوى الوطنية المصرية بحاجة إلى حوار وطني حقيقي من أجل تجاوز حال الكساد السياسي التي أضحت تقف حائلاً دون تحقيق مطالب يناير.

الإخوان كانوا هناك

رغم انهم كانوا من بين من توجهوا لميدان التحرير غداة الثورة إلا انهم باتوا يشبهون “البطة السوداء” في أعين باقي القوى الوطنية وقد بات ميدان التحريرعلى وجه التحديد يمثل لكوادر الإخوان ظلالاً لنكبة وخيبة أمل أكثر من كونه ذكرى خالدة. فبعد مرور عقد على شمس “يناير” لم تفلح الجماعة التي يعاني أفرادها الشتات في الداخل والخارج في ان تحصل على حكم بالبراءة من التهمة التي تلاحقها من قبل خصومها “شركاء الميدان في السابق” والتي تتمثل في التآمر على الثورة ومحاولة التهام المكاسب لأنصارها. وعلى مدار الأسابيع الماضية نشطت الآلة الإعلامية للسلطة في شن هجوم ما زال قائماً ضد الجماعة وجرى استدعاء كل المزاعم القديمة بهدف شيطنة ليس فقط تيار الإسلام السياسي بل مختلف قوى المعارضة. عقد كامل لم يكن كافياً لأن تنجو الجماعة من تداعيات اتهام خصومها لها ببيع الثورة والثوار لصالح المجلس العسكري آنفاً مما أسفر عن مزيد من العزلة لها وكانت النتيجة غربة تعاني منها الجماعة التي فقدت الرهان على النخبة والسلطة في آن واحد. وفيما يشير الكثير من المراقبين إلى ان الإخوان ما زالوا يحظون بشعبية وحضور بدليل استمرار الهجوم الإعلامي على الجماعة يترقب الشارع السياسي المرحلة المقبلة وما يمكن ان تسفر عنه وهل من الممكن ان تقدم السلطة على مصالحة تاريخية مع سائر قوى المعارضة؟ والجماعة وبحسب ما يتسرب من معلومات تولي بصرها صوب البيت الأبيض فالزائر الجديد بحسب ما يراهن بعض المتعاطفين مع الإخوان وغيرهم من قوى المعارضة قد يمارس ضغوطاً على السلطة القائمة كي تخفف القيود المفروضة على العمل السياسي وكذلك الإفراج عن المحبوسين في قضايا سياسية ومعظمهم من أنصار الجماعة، وهو الحلم الذي يراود الكثير من أعضاء الجماعة ومن يتعاطف معهم والذين ذهبت صيحاتهم للإفراج عن ذويهم سدى. وعلى الرغم من التسريبات التي تطلق حول قبول الإخوان عقد صلح مع السلطة إلا ان ما يصدر عن الجماعة يؤكد عدم صحة تلك المزاعم. وقد استبقت الجماعة الذكرى العاشرة ببيان أكدت خلاله على تمسكها بـ 5 بنود وفي مقدمتها استمرارها في مواصلة الكفاح، ودعت لأن تكون مصر وطناً للجميع وليس حكرا لفئة أو حزب أو جماعة، وأن يصير الشعب صاحب القرار النهائي في قضاياه الوطنية واختيار من يحكمه عبر انتخابات نزيهة. وأكدت استمرار مواصلة الكفاح بين صفوف الشعب.

لم يتعلموا بعد

سؤال قديم يتجدد مع كل ذكرى للثورة، لماذا تعجز الجماعة بعد مرور عقد على الثورة عن استدعاء بريقها القديم وجذب الجماهير لقضيتها؟ مما لا ينكره الكثيرون ومن بينهم من يتسم بالموضوعية من رموز الإخوان ان ثلة من الأخطاء الفادحة، ارتكبتها الجماعة أدت بها في النهاية لأن تفقد شعبية مثلت لها فيما مضى حاضنة كانت بمثابة الوقود الذي تستمد منه قوتها ونفوذها خاصة في زمن الانتخابات والأحداث المحلية والعربية والإسلامية، وهو البريق الذي خفت لحده الأدنى ليبدأ زمن الخسارات الفادحة التي لا تقف أسبابه عند بطش السلطة بل تمتد لأخطاء الجماعة نفسها والتي تبنت خطاباً عنيفاً أسفر عن انفضاض الكثير عنها لينتهي بها الحال إلى ما آلت إليه من تمزق وفقدان للأنصار. ويشير البعض إلى ان السبب الرئيسي لتوقف الجماعة عن التظاهر مرده عدم استجابة الجماهير لها فضلاً عن رسوخ أقدام السلطة في مواقعها ومواجهة أي حراك باعتباره خروجا على سلطة الدولة وشرعيتها.

 

رهان على الوقت

الطرفان راهنا على الوقت، الثوار من أجل ان يستعيدوا الجماهير للميادين مرة أخرى والسلطة وأنصارها لينسى الناس الثورة. بالكاد وعلى مضض تستدعي الحكومة وأجهزتها الثورة عبر برقيات خاطفة يتبادل خلالها المسؤولون التهنئة بمناسبة عيد الشرطة ويذكرون على مضض التحية بمناسبة الثورة “اللي متتسماش”. مؤخراً وفي تصرف نادر قررت الحكومة استمرار فتح المقاهي سواء في ذكرى مرور عشرة أعوام على الثورة أو ذكرى يوم تنحي مبارك وهو ما فسره كثيرون باعتباره رسالة بأنها نجحت بالفعل في تجفيف منابع الثورة تلك التي لم تجد له مكاناً سوى منصات التواصل بتغريدات وبيانات “إحياء عشرية يناير”. ومؤخراً خلت الشوارع والميادين من أي مظاهر للاحتفال بالثورة وهو ما مثل رصيداً إضافيا من ثقة السلطة في أجهزتها.

الثورة ترف

بحلول الذكرى العاشرة للحدث المزلزل كانت الحكومة التي يترأسها الدكتور مصطفى مدبولي قد أعدت للأمر عدته، فالسلطة التي تقف بالمرصاد لأي دعوة للحراك الجماهيري لديها من المبررات ما تقنع به الكثيرين، وقبل أيام أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي تراجع معدل الفقر في مصر لأول مرة منذ 20 سنة وهو ما يعتبره أنصار السلطة القائمة أبرز دليل على ان شعارات ثورة يناير لها نصيب الأولوية في تخطيط الرئيس السيسي الذي يترجم تلك المطالب الثورية عبر افتتاح المزيد من المشروعات التي تمثل أمل الجماهير والتي تهدف لخلق العديد من فرص العمل للعاطلين من الشباب وكذلك بناء المساكن للمقيمين بالأحياء العشوائية. غير ان خصوم السلطة يستشهدون بما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر في 2019 عن ارتفاع معدلات الفقر في البلاد ما يشير لعدم دقة ما أعلنه رئيس الوزراء.

وقال الأديب يوسف القعيد لـ”القدس العربي” إن الرئيس السيسي يلبي مطالب الثورة التي نادت بها جموع المصريين، فالبلاد تواجهها المزيد من المشاكل لأجل ذلك فالعمل ثم العمل من أجل توفير حياة كريمة للأغلبية الفقيرة يعد على رأس الأولويات. واعترف مجدي شندي رئيس تحرير صحيفة “المشهد” أن ثورة يناير لها تقديرها في قلوب المصريين كما ان العقد الأول من عمر الثورة شهد صعوبات تعرضت لها البلاد لذا كان من الطبيعي على السلطة ان تضع نصب عينيها هدفا رئيسيا يتمثل في تأمين الدولة واستقرارها ومحاولة ضمان ألا يتكرر مشهد الخروج في 25 يناير، كما ان الظروف التي واجهها العالم منذ اجتياح وباء كورونا للبشر أصاب اقتصاد العالم. ويرى شندي بأن الحكومة نجحت بالفعل رغم صعوبة الظروف في حصد الانجازات التي تمثل هدفاً لطموح فقراء المصريين مثل سن معاشات الضمان الاجتماعي، ومشروع تكافل وكرامة، فضلاً عن مشروعات تطوير القرى.

سجين ومهاجر ومتلون

السؤال الذي فرض نفسه في الذكرى العاشرة للثورة اين اختفى رموز الميدان الذين مثلوا الشرارة الأولى للحدث ومنهم وائل غنيم الذي اعتبره البعض أيقونة الثورة قبل ان يغير معتقداته أخيراً ويعادي الكثير من رموزها لأسباب اعتبرها البعض موضوعية لها علاقة بالتردي الذي آلت إليه أوضاع البلاد لاحقاً. وهو يعد أحد أبرز مفجري الثورة من خلال تأسيس صفحة “كلنا خالد سعيد” التي لعبت دور المحرك الرئيسي في حشد الجماهير للتظاهر ضد نظام مبارك. ومن بين من تستدعيه الذاكرة محمد البرادعي الحاصل على جائزة نوبل للسلام 2005 بالمشاركة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال عمله مديرا لها. والذي رشحه الكثيرون للعب دور محوري عقب الثورة لنقل البلاد من مضمار البؤس والشقاء للعالم المتقدم، وقد عاد إلى مصر في 2010 وأصبح رئيس الجبهة الوطنية للتغيير المعارضة التي دعت لإسقاط مبارك.

ومن بين مفكري الثورة حازم حسني وحسن نافعة المفرج عنهما بعد ان أمضيا عدة أشهر في السجن وكذلك الدكتور يحيي القزاز ويحيي حسين عبد الهادي. كما يوجد من رموز الثورة من اكتفى بالنضال عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهم حشد كبير من رموز الثورة وشبابها، وبينما آثر كثير منهم السلامة هاجر كثيرون للخارج. ورغم وجود أحمد ماهر مؤسس حركة “6 أبريل” المعارضة التي كان لها الدور الرئيسي في تنظيم المظاهرات خارج السجن إلا انه اختفى عن الأنظار وشغل من قبل منصب المنسق العام الحركة حتى عام 2013. ومن رموز الثورة المحكومة اسراء عبد الفتاح وهي من مؤسسي حركة “6 إبريل” المعارضة الداعية للمظاهرات. اعتقلت عدة مرات قبل اندلاع الثورة، ثم أصبحت من أشد المعارضين لحكم الإخوان. ومن الوجوه الثورية احمد دومة الذي يقضي عقوبة السجن المشدد 15 عاماً في قضية التعدي على مبان حكومية ومنها مبنى مجلس الوزراء. ومن أبرز اللواتي اختفين عن المشهد في العقد الأول للثورة اسماء عبد الفتاح التي كانت ضمن الذين فازوا بجائزة ساخاروف لحرية الفكر التي يمنحها الاتحاد الأوروبي. وتعد المحامية الموجودة قيد الحبس ماهيتور المصري من أبرز الوجوه الثورية التي تبوأت موقع الصدارة في الفعل الثوري. وقد كشفت السنوات الخمس الماضية عن ظهور جيل جديد من السياسيين الشبان المنضوين تحت لواء السلطة والذين جاؤوا نتاجاً لمؤتمرات الشباب التي حرصت السلطة من خلالها على تخريج كوادر سياسية شابة تحمل عبء العمل العام مستقبلاً وهو الأمر الذي الذي طالب به الرئيس السيسي ونالت الفكرة ترحيباُ بين الأحزاب السياسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية