النفاق والسخرية وازدواجية المعايير هي سمات سلوك مؤسسة الأمن في معاملتها لمردخاي فعنونو. وانضم إليها جهاز القضاء الذي يعدّ منذ عشرات السنين مجرد خاتم مطاط له. قبل حوالي عشرة أيام، رفضت المحكمة العليا مرة أخرى بانعقادها كمحكمة عدل عليا، التماس فعنونو، الذي قدمه محاميه افيغدور فيلدمان لرفع القيود المفروضة عليه. كان هذا هو الالتماس الـ 14 الذي يرفض في الـ 17 سنة التي مرت منذ إطلاق سراح فعنونو من السجن.
لقد كان هناك أمل أخير بأن تحدث معجزة في محكمة العدل هذه المرة، أمل تولد لدى مقدم الالتماس ومحاميه في أعقاب وصول الجاسوس يونثان بولارد مؤخراً إلى إسرائيل. ورغم الفروق في طبيعتهما وفي خلفيتهما الشخصية، إلا أن هناك تشابهاً بين الحالتين.
عمل الاثنان خلافاً للقانون، وتم تشغيلهما في مؤسسات سرية. وكلاهما خرق واجب السرية الملقى عليه. تجاه فعنونو المفاعل النووي في ديمونة، أما بولارد فتجاه الأسطول الأمريكي. كلاهما اعتقلا، بولارد في العام 1985 وفعنونو في العام 1986. وكلاهما قدم للمحاكمة وأدين بجرائم تجسس خطيرة. وقد حكم عليهما بأحكام شديدة. حكم على بولارد بالسجن المؤبد، وحكم على فعنونو 18 سنة. كلاهما شعر بأن السلطات ترغب في الانتقام بعد المعاقبة. وقد تجندت شخصيات ومنظمات محلية ودولية لإطلاق سراحهما أو تخفيف عقوبتهما. مولت حكومة إسرائيل كل نفقات الدفاع عن بولارد ودفعت له مخصصات شهرية. أما الدفاع عن فعنونو فمولته صحيفة “صاندي تايمز” وتبرعات أشخاص ومنظمات.
مع ذلك، هناك فروق بارزة بين الحالتين. فقد كان تعامل سلطات القانون والجهات الأمنية مع فعنونو قاسياً بدرجة لا تقارن بالتعامل مع بولارد. وضع فعنونو في العزل مدة سبع سنوات، وكان ألغي فقط بعد أن كان هناك خوف على صحته النفسية. أما بولارد، الذي ساء وضعه في السجن أيضاً، فقد قام بزيارته سياسيون ومؤيدوه، من بينهم أشخاص من إسرائيل ويهود أمريكا. ورغم اعتبارهما في الدولتين خونة وجواسيس، إلا أن هناك فروقاً دقيقة في حالة فعنونو ليست لدى بولارد. تحرك فعنونو بدافع رؤيته الشخصية والأيديولوجية و لم تكن دوافعه مالية. ورغم أن “صاندي تايمز” وعدته بمكافأة عندما ينشر قصته في كتاب وهذا لم يحدث، تحرك بولارد في الواقع بدوافع صهيونية، لكن أيضاً حركه الطمع ودُفعت أموال كثيرة له.
وثمة فرق مهم آخر: بولارد تجسس سراً من أجل دولة أجنبية هي إسرائيل. وفعنونو أعطى المعلومات لمراسلين كي ينشروها على الملأ، رغم أنه يمكن أن تكون قد وصلت قبل ذلك إلى جهات استخبارية.
هنا نصل إلى ازدواجية المعايير. بعد أن بولارد قضى في السجن ثلاثين سنة تم تخفيف عقوبته، وقرر جهازا القضاء والمخابرات في الولايات المتحدة السماح له بالخروج من السجن مع فرض قيود عليه. وقد تم تكبيله إلكترونياً، وحظر عليه التحدث عن عمله في الأسطول والخروج من مدينة نيويورك. رُفعت هذه القيود بعد خمس سنوات ووصل إلى إسرائيل. لكن القيود التي على فعنونو المشابهة جداً ما زالت سارية المفعول.
على النقيض من شفقة أنظمة أمريكا ودرجة الرحمة والعدالة والمنطق، فليست هي المعايير نفسها التي لدى كهنة لجنة الطاقة الذرية والمسؤول عن الأمن في جهاز الأمن، بدعم من النيابة العامة والقضاة، إنما يتمسكون بفرض القيود عليه، وتحديداً منعه من الخروج إلى الخارج. من المدهش مناقشة أن المبرر الرئيسي لسلطات الأمن، الذي يتبناه القضاة، هو الادعاء بأن فعنونو “يخزن في دماغه معلومات حساسة قد يكشفها للآخرين”. هذا هو المبرر الذي استخدمه جهاز المخابرات الأمريكي كي يشرح سبب عدم اطلاق سراح بولارد.
إلى أي درجة يخترق عالم المفاهيم والرؤية الأمنية لدى إسرائيل جهاز القضاء، وتدل عليها لغة القاضي إسحق عمير الذي صاغ قرار الحكم؛ فهو يسمي زوجة فعنونو “فلانة”، ربما يكون ذلك زلة قلم فرويدية، كما لو أن ذكر اسمها جزء من الحفاظ على السرية في القضية. ورغم أن اسمها، الدكتورة كريستين يواخمسن، كان قد نشر على الملأ.
إن تشكيلة القضاة التي ناقشت الالتماس كانت كما يبدو ليبرالية: عميت، وعنات بارون، وعوفر غروسكوفف. منذ سنوات وأنا أتابع مناقشات وأحكام جهاز القضاء، بما في ذلك التماسات قدمتها للمحكمة العليا. من تجربتي أستطيع القول إن الخلاف بين “ليبراليين” و”محافظين” يزول عندما يتعلق الأمر بمسائل أمنية. القضاة يكثرون من الاستجابة لطلبات جهاز الأمن لإجراء مداولات وراء أبواب مغلقة وبحضور طرف واحد، ويصادقون على استخدام كاسح لأوامر منع النشر ويمسون بحق الجمهور في المعرفة. عندما يصل الأمر إلى الأمن القومي، يقف قضاة المحكمة العليا بصمت ويؤدون التحية للدولة.
في قرار الحكم القصير الذي كتبه عميت، لا نعرف -إذا كان بسخرية أو لتقرير واقعة- بأن الالتماسات ورفضها أصبحت “تقليداً”، فربما أراد بذلك إعطاء إشارة لفعنونو ومحاميه فيلدمان بالكف عن محاولاتهما.
نفس المنطق ونفس التبريرات التي سمحت بإطلاق سراح بولارد (رغم أنه خزن في ذاكرته معلومات حساسة) يجب أن يسري على فعنونو. ولكن للأسف، يبدو أن فعنونو سيواصل كونه أسيراً في صهيون، رغم أن كل ما طلبه هو مغادرة إسرائيل كي يستطيع قضاء ما تبقى من حياته، هو ابن 67 سنة، مع زوجته، في النرويج.
بقلم: يوسي ميلمان
هآرتس 31/1/2021