اعتقال مذيعة في تلفزيون النظام… سوريا كما تبدو في فيديو من السويداء… ومحمد ملص مبارِكاً جود سعيد

حجم الخط
3

أعلنت «داخلية» النظام السوري أخيراً توقيف ثمانية أشخاص بـ «جرم التواصل والتعامل مع مواقع الكترونية مشبوهة» من بين الموقوفين سنعثر على اسم مذيعة في تلفزيون النظام قيل إنها أوقفت منذ أسبوع.
ومادام الأمر متعلقاً بـ «جريمة إلكترونية» فإن خير سبيل للمعرفة العودة إلى صفحة الإعلامية على فيسبوك أو تويتر. هكذا سنتأكد أن حقيقة الأمر ليست في مواقع مشبوهة، ولا في«لايك» انزلقت سهواً على صفحة عدوّة. إنه ذلك النقد العميق الذي يعرف النظام إلى أين يمكن أن يصل، وأي مشاعر يمكن أن يخلّفها لدى القارئ.
تصفُّح يوميات وآراء الإعلامية، المشار إليها بالأحرف الأولى من اسمها، يشير إلى الخيبة الكبيرة وانقطاع الأمل والإذلال اليومي في حياة الناس تحت سيطرة النظام، أي كل ما من شأنه «وهن نفسية الأمة» حسب العبارة المكررة في أدبيات النظام، والأنظمة المماثلة.

قد ينخدع المرء في السياسة، في ما لا يعاينه ويعايشه عن قرب، إنما لا يمكن أن ينخدع أو يخدع نفسه بأحوال العيش، الجوع، ارتفاع الأسعار، احتكار السلع أو فقدانها، الأحوال الصحية، أبناء الشوارع، الفساد الحكومي، التعفيش.

أول ما يواجهك منشور يقول «ليكن شعارك للمرحلة المقبلة خليك بالبيت والتزم الصمت المطبق» و«مو اسمها حياة، هي مسخرة. صرنا نشتهي نستعجل الموت طالما هي النهاية المحتومة. لا بارك بكل من يتلاعب فينا. عذراً هذا ليس كلام إعلام منمق، هذا وجع» ، و«من ليس لديه ما يقدمه لخير الناس عليه أن ينأى بنفسه عن التعاطي مع الشأن العام… مني وجرّ. الوضع دقيق والبطون الخاوية لن تنتظر» و«إلى متى سنظل نراقب بصمت أسس بناء يتخلخل ليتهاوى أمام أعيننا… اسمه وطن».
حتى الفيديوهات التي وضعتها الإعلامية لم تكن بعيدة عن أجواء الرفض والتنديد بما وصلت إليه البلاد. هكذا يرى المرء إلى أغنية» جينا جينا» الشهيرة لـ« طلائع البعث» وضعت المذيعة فيديو كليب لها مع صور متلاحقة لمجموعات من الأطفال، أجيال السوريين المهدورة حياتهم.. لا يمكنك، إن نظرت واستمعت إلى الفيديو بين تلك الأسطر الغاضبة إلا أن تحزن لحال هذه البلاد.
لكن ربما خطر سؤال لدى المرء، المتصفح، إن كان معارضاً للنظام خصوصاً، كيف يمكن لإعلامي أن يصمد كل هذا الوقت في التلفزيون، متفقاً مع سياساته، السياسات الإعلامية، كما السياسة العامة للنظام (نلمح مثلاً على صفحتها مشاركة لأخبار تتحدث عن أن نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت كانت مخصصة للمسلحين (المعارضة) ولربما كان الجواب في أن المرء قد ينخدع في السياسة، في ما لا يعاينه ويعايشه عن قرب، إنما لا يمكن أن ينخدع أو يخدع نفسه بأحوال العيش، الجوع، ارتفاع الأسعار، احتكار السلع أو فقدانها، الأحوال الصحية، أبناء الشوارع، الفساد الحكومي، التعفيش.
إن نظاماً بهذا التوحش لن يفرق معه، خصوصاً بعد وهم الانتصار، أن ينتهك الناس لمجرد قولهم آخ. إنها رسالة تأديبية، وما بيان «داخلية» النظام سوى تصديق عليها.

فيديو من السويداء

يصعب أن نجد فيديو يعكس بؤس النظام السوري كما يظهر في فيديو يصور أحد الوفود الرسمية في جولة تطييب خاطر لشيخ العقل الدرزي حكمت الهجري، بعد إهانة تلقاها الأخير على يد ضابط أمنيّ. عندما تحدث رئيس الوفد، محاولاً شراء ودّ أهل المدينة، عن نقاوة ووطنية الـ 95 في المئة من أهلها، لم يهن حتى الـ 5 في المئة على الحاضرين، نهض شاب فتحدث عن مسؤولية النظام في تشتيت شبان المدينة «الخمسة في المئة جرّتهم الأفرع الأمنية عملتهم هيك. ولادنا نصفهم يقاتلون مع روسيا في ليبيا، ونصفهم يحضرون للسفر إلى فنزويلا، ونصفهم (هكذا في الأصل) مع حزب الله، ونصفهم مع إيران، ونصفهم عم يأخذهم الأمن العسكري على القامشلي بثلاثمئة دولار، نحن ننتظر اعتذار، إذا لم يصلنا لنا تصرف آخر. إذا لم يصل الاعتذار بدنا نتشبه فيكن ونحتفظ بحق الردّ «قبل أن ينهض آخر ويهدد» إن لم نجد من يجلّس عقال الشيخ، فنحنا اللي راح نجلّس عقاله» في إشارة إلى نيتهم أخذ حقهم بأيديهم.
هؤلاء الغاضبون هم من الموالين للنظام، وكذلك الشيخ الهجري نفسه، وبالإمكان تخيّل ما في صدور المغلوب على أمرهم ممن لا يملكون السلاح ولا التمثيل القادر على منحهم غطاء لإمكانية القول والتعبير عن آرائهم.

ملص مع فريق “خريف العشاق”

لقاء أجيال

مع صورة تجمعها بالمخرجين السينمائيين محمد ملص وجود سعيد، وبعض فريق مسلسل «خريف العشاق» كتبت السيناريست ومنتجة المسلسل ديانا جبور: «لها وقع كبير أن يقوم مخرج أفنى عمره للسينما، وفي السينما، بزيارة مباركة لموقع تصوير مسلسل تلفزيوني.. أستاذ محمد ملص في زيارة لموقع تصوير «خريف العشاق» . ممتنة لحضورك وقد اكتنز بالنسبة لي دلالات كثيرة» .
وما دامت الناقدة تتحدث عن «دلالات» فمعناه أن الصورة ليست شخصية، ولا عائلية، معناه أنها «تكتنز بالدلالات». خصوصاً أن ملص عاد وشارك الصورة على صفحته في فيسبوك مع تعليق: «أسعدتني هذه الزيارة كثيراً. شكراً جود لدعوتك. لقد وجدت نفسي معكم وبينكم بحميمة عالية. متمنياً لكم المزيد من النجاح والتألق. والعزيزة ديانا التي يحسّ الجميع بصداقتها وودّها -كما العادة- تنسى أنها بينكم صاحبة النص والمديرة المنتجة؛ فلا يرى الفريق العامل منها إلا ودّها».

إن كان تاريخ السينما السورية هو تاريخ صراعها مع الرقابة، فإن أعمال جود سعيد تبدو وكأنها أنتجت من قبل تلك الرقابة وبإشرافها. أعماله ما هي إلا تمجيد لـ “بطولة” جيش النظام في عهد الوصاية في لبنان، وبعد الثورة ما هي إلا تزوير للأحداث وتفسيرها على نحو طائفي.

بالنسبة للكثيرين يعني محمد ملص ذلك الاسم الساطع من صنّاع السينما السورية، اسم لا يذكر إلا ويأتي معه الراحل عمر أميرالاي وأسامة محمد والراحلان رياض شيّا ونبيل المالح والمخرج سمير ذكرى ،.. أسماء أقل ما يقال فيها إنها خاضت معارك عسيرة مع سلطة «المؤسسة العامة للسينما» ومختلف الجهات الرقابية، فلكل فيلم من أفلامهم قصص وحكايات مع الرقابة، ما جعل تلك الأسماء محسوبة على معارضي النظام حتى قبل اندلاع الثورة في البلاد. ولملص بالذات اسمه البارز بين الموقعين على بيان الـ 99 التاريخي، الذي طالب بإلغاء قانون الطوارئ وإطلاق سراح معتقلي الرأي وحرية التعبير، وكانت مطالبات محرمة وخطرة حينذاك.
لكن حينما جدّ الجدّ نأى ملص بنفسه أولاً، ثم ما لبث أن أعلن أن تلك الثورة لم تكن سوى رقص على الجثث. إلى مواقف أخرى لم يعد مهماً تتبّعها ما دام الرجل يقف اليوم شامخاً إلى جانب جود سعيد.
مواطنه جود سعيد لم ينأَ بنفسه مرة، ولقد كُتب أنه إن كان تاريخ السينما السورية هو تاريخ صراعها مع الرقابة، فإن أعمال سعيد تبدو وكأنها أنتجت من قبل تلك الرقابة وبإشرافها. أعماله ما هي إلا تمجيد لبطولة جيش النظام في عهد الوصاية في لبنان، وبعد الثورة ما هي إلا تزوير للأحداث وتفسيرها على نحو طائفي صريح.
ما الدلالات إذاً غير أن ملص يعلن عن موقعه لمن لا يعرف أين يقف على وجه التحديد، فالصورة ليست مصادفة في معرض تشكيلي، ولا في عرس صديق مشترك، إنها في موقع تصوير مسلسل من تأليف ديانا جبور وإخراج جود سعيد.
هل هناك أوضح من هذا الرقص على الجثث!

٭ كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية