يوسف شيخو تفيد تقارير نشرت مؤخراً، بأن السينما هي الوجهة المفضلة للشباب السعودي الذي يزور البحرين، بحيث تسجل مبيعات دورالعرض فيها أرقاما قياسية، كما تفيد بإن السياح السعوديين، ينفقون نحو مليار ريال سنوياً لمشاهدة الأفلام هناك. إذ تحرص صالات البحرين، البالغ عددها 35، على عرض أفلام تستهوي أبناء المملكة السعودية، ما يؤكد، وبشكل لاغبارعليه، عطش المواطن السعودي إلى السينما، التي حُرم منها منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحت شعارات دينية واجتماعية، تسببت بغياب الشاشة الذهبية في هذا البلد، الذي دفع التشاؤم ببعض أبنائه من السينمائيين إلى القول بأن صناعة سينماهم، باتت حلما مستحيلا لا يمكن تحقيقه في بلدٍ لم يبدأ شبابه بمشاهدة الأفلام بجدية إلا بعد مرور مائة عام على اختراع هذا الفن. بالعودة إلى الوراء، سنجد أن سينما المملكة، ولدت مع فيلم ‘اغتيال مدينة’ للمخرج عبد الله المحيسن في عام 1977، والذي حاز على جائزة ‘نيفرتيتي الذهبية’ لأحسن فيلم قصير في مهرجان القاهرة السينمائي، وحينها، لم يكن المجتمع السعودي يرى ضرراً من وجود دور عرض للسينما. لكن، وبمجرد أن ولد هذا الفن، جاءت حقبة الثمانينات؛ لتعلن اغتياله، بفعل التغيرات الدينية والاجتماعية، والتي شهدت موجة عارمة من التدين. إذ تم إقفال دور العرض في كل المدن السعودية، كما أقفلت السفارات التي كانت تعرض الأفلام، لتصبح فكرة تصوير فيلم في نظر العديد من المتدينين في المجتمع جريمة أخلاقية، وهنا يمكن التذكير بأن المملكة منعت العرض العام للأفلام، إلى جانب وسائل ترفيهية أخرى لتهدئة علماء الدين، بعد أحداث الحرم المكي عام 1979، عقب ان وضع علماء الدين باللائمة على الحكام من خلال السماح بأساليب الحياة الغربية خلال الطفرة النفطية في السبعينات، عندها وجد المحيسن نفسه يتيماً، ورغم محاولته إنتاج بعض الأفلام في الثمانينات، إلا أنها لم تجد الصدى الذي وجدته في المجتمع من قبل. إذ ظلت السينما طوال هذه السنوات، حتى يومنا هذا، عبارة عن أفلام قصيرة، وتجارب فردية، لا يوجد أي عائد مالي يذكر من ورائها. وكانت هذه هي إشكالية السينما في نظر خالد ربيع، مؤلف أول كتاب سعودي عن السينما، الصادر قبل نحو عامين، تحت عنوان ‘الفانوس السحري: قراءات في السينما’، والذي يشير في كتابه، إلى أن السفارات الأجنبية في المملكة، كانت أول من فتح أبوابها لمشاهدة الأفلام السينمائية التي يقومون بعرضها. وبعيداً عن المضايقات والإهانات، التي يتعرض لها السينمائيون من قبل متشددين إسلاميين، يتهمونهم بالكفر والضلال، وهو ما حدث مع الممثل فايز المالكي في الرياض، يؤكد سينمائيو المملكة أن عدم وجود صالات سينما في البلاد، يجعل الجمهور السعودي في الخارج فضولياً لمتابعة ما سيقدمه ابن بلدهم. وفي حين يشير هؤلاء إلى أن هناك إقبالا شديدا في أعداد المنضمين لفريق صانعي الأفلام بالبلاد، تجدهم يتحدثون عن أن صناعة الفيلم الوثائقي في السعودية صعبة جدا. فالناس في الشارع غير معتادين على مواجهة الكاميرا. وبالتأكيد تقف حساسية تناول الكثير من القضايا الدينية والاجتماعية عائقاً، باعتبار أن المجتمع محافظ. وحين تغيب شروط صناعة السينما، يحاول الفيلم السعودي، وفق مختصين، الاستفادة مما هو موجود من فنون، وهو الأمر الذي يدفع بإشكالية الخلط بين فنون السينما والتلفزيون والمسرح، بحيث يتضمن المشهد السينمائي أداء مسرحيا وتلفزيونياً واضحاً، يعتمد كثيراً على تعبيرات الوجه والأداء الصوتي والإيماء بالأيدي والمبالغة، ذلك في وقت تعتمد فيه السينما على لغة الجسد والإيحاء، الذي تنقله اللقطات المعنية بتوصيل الشعور إزاء أمر ما، تماما كما يحدث في الواقع. وفي هذا السياق، يشير الممثل السعودي طارق خواجي، إلى أن الممثلين الجدد في السينما، يحتاجون لدورات مكثفة في التمثيل وأسلوب التجاوب مع الكاميرا، وهذا ينسحب أيضاً على المخرجين والمصورين وفنيي الإضاءة. فبعض الممثلين المسرحيين والدراميين، يأتون بخبراتهم التي هي أساساً تحتاج إلى صقل لكي يشاركوا في أعمال سينمائية، مما يجعلها لا تبدو سينمائية بقدر ما هي مسرحية أو درامية. وهو الأمر الذي يؤكد عليه المخرج موسى آل ثنيان، الذي يقول بضرورة اعتماد الممثل السعودي على الأداء الطبيعي غير المفتعل وغير المبالغ فيه كما هو في الأداء المسرحي أوالتلفزيوني.
فيما يخص المهرجانات، يجري حالياً الاستعداد لمهرجان ‘الفيلم السعودي’، الذي يبدأ في نهاية كانون الأول، ليكون الجديد فيه نقله تلفزيونياً، من خلال البث على إحدى القنوات الفضائية. ويأتي هذا المهرجان، بعد أن حلت السعودية، وللمرة الأولى، ضيفة شرف على مهرجان الفيلم العربي في ‘روتردام’ بهولندا في أيلول الفائت، حيث عرضت أربعة أفلام سعودية، وهي الروائي الطويل ‘صباح الليل’، و’حادثة داحس والغبراء’، و’حرب البسوس’، و’حادثة عمرو بن كلثوم مع عمرو بن كلاب’. كما شارك الفيلم القصير ‘خروج’. أما داخل أسوار المملكة، فشهد مهرجان ‘الأفلام الآسيوية الرابع’ بجدة في شباط الفائت، عرض ما يزيد على 30 فيلماً روائياً طويلاً، وتسجيلياً قصيراً، ووثائقياً للدول الآسيوية المشاركة، منها فقط ثلاثة أفلام سعودية تمثّلت في فيلم ‘مهمة في وسط المدينة’، و’عايش’ للمخرج عبدالله العياف، وفيلم ‘جدة ملتقى الحضارات والثقافات’. فيما رفض السينمائي عبدالله المحيسن عرض فيلمه ‘ظلال الصمت’، رغم أنه تم إدراجه في قائمة الأفلام السعودية المشاركة في المهرجان لهذا العام. في مهرجان المملكة، جاءت مشاركة السعودية رديفة مع دولة آسيوية، أي أنها لم تأتِ منفردة بيوم، كما هو الحال مع الدول المشاركة بأفلامها، إذ يُخصّص يوم لكل دولة لعرض أفلامها ما عدا السعودية، برغم كونها البلد المستضيف، وهو الأمر الذي أثار المحيسن، والذي احتج، قائلاً:’أسلوب العرض لا يليق بشبابنا السعودي، وليس تكريماً للعمل الفكري السعودي، المهم عندي هو قيمة بلدي وفكرها، ففي رأيي أنه ليس شيئاً لائقاً أن يأتي عدد قليل من الناس ليشاهدوا فيلمي في بيت سفير، وأنا أرى أنه لا بد لمثل هذه الدول العريقة كالصين واليابان وكوريا أن يكون لديها مراكز ثقافية أو على الأقل تستأجر مكاناً يليق بها كدول’. المؤسسة الدينية في الرياض، تعد صالات السينما ‘أماكن خطيئة’، وذلك باعتبار أنها تنشر الفساد، وتصرف العباد عن دينهم. وبعد إغلاق قسم الدراما في جامعة (الملك سعود) عام 2000، أضحت السعودية بلا مدارس أو معاهد سينما. ولأن جزءاً كبيراً من معدات الإنتاج السينمائي لا يتوفر في السعودية، يجبر السينمائي على السفر للحصول عليها أو شرائها عن طريق شبكة الانترنت، هذه الشبكة التي أضحت، في الواقع، بمثابة نافذة مضيئة لإيصال الفيلم السعودي إلى الجمهور في أنحاء العالم، والمشاركة في مهرجانات سينمائية. وهو ما يعده السينارست الإماراتي محمد حسن أحمد، غير مجدي، إذ يعتقد أن ‘اليوتيوب’ لا يصنع إبداعا، وإنما يصنع الحماسة الشبابية وعرض الأفلام فقط. مؤكداً على أنه بمجرد فتح صالات عرض سينمائية في السعودية، سيظهر ألف منتج سينمائي، ويليهم عشرات المخرجين السعوديين.
ويعتقد مراقبون لوضع الحركة الثقافية عموماً، بإن الأسرة الحاكمة في السعودية تحاول تمرير بعض المطالب الإصلاحية فيما يخص هذا الجانب، دون أن تهمش علماء الدين، ما يجعل الأمر غاية في الصعوبة، لكن ورغم ذلك، يرى سياسيون في عودة السينما إلى السعودية في الفترة الأخيرة، تراجعاً لنفوذ الرقيب الديني، خاصة بعد تزايد المطالب الشعبية، التي تجاوزت الشق الثقافي إلى الإصلاح الاقتصادي والسياسي.