موستن مورتين – (إنكلترا): ودعت بريطانيا بالزهور والأضواء اليوم الأربعاء الكابتن توم مور (100 عام) الذي لمس قلوب الملايين برسالة أمل وتضحية في سبيل الآخرين خلال فترة العزل العام لمكافحة مرض كوفيد-19.

وتوفي أمس الثلاثاء في أحد مستشفيات بيدفورد بعد إصابته بفيروس كورونا والتهاب رئوي. وظل مور يصارع السرطان لخمس سنوات.
ووضع الأطفال الزهور أمام منزله في موستن مورتين على بعد 80 كيلومترا شمالي لندن. وورد في واحدة من الرسائل “ارقد بسلام يا كابتن توم، نحبك”.


ووضعت صورته في ميدان بيكاديلي في وسط لندن فيما أضيئت عجلة لندن الدوارة (لندن آي) وملعب ويمبلي وبرج بلاكبول تكريما له.
وتدفقت عبارات الرثاء من الملكة إليزابيث الثانية ورئيس الوزراء بوريس جونسون، وحتى البيت الأبيض وبكى لاعبو كرة القدم وتلاميذ المدارس وأسرته حزنا على رجل اعتبره الملايين بطل فترة العزل العام.

ووسط الموت والكآبة التي صاحبت فترة العزل لعب المحارب المخضرم مور على وتر حساس لدى الملايين برسالة أمل إلى العالم تقول إن الشمس ستشرق من جديد.
وقال في رسالته التي سجلها مرتديا سترة، وضع عليها الأوسمة التي حصل عليها في الحرب، وربطة عنق، بعد استكمال جولات السير في أبريل نيسان “أقول لكل من يكابدون الصعوبات في الوقت الراهن: ستشرق الشمس من جديد وستتبدد الغيوم”.
“عليكم جميعا تذكر أننا سنجتاز هذا في نهاية المطاف، سيكون كل شيء على ما يرام. قد يستغرق ذلك وقتا، لكن في نهاية اليوم سنكون جميعا بخير من جديد”.
وقلدته الملكة إليزابيث وسام فارس في احتفال بقلعة وندسور.
وصرح وزير الصحة مات هانكوك بأن بريطانيا ستحيي ذكراه.
وقال لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) “علينا إيجاد طريقة لضمان إحياء ذكرى الكابتن توم وشكره على مساهمته التي قدمها لهيئة الصحة العامة”.
وأضاف “لمس قلوب الشعب وعلينا أن نتذكر ذلك”.
وشكّل المقاتل السابق في الحرب العالمية الثانية توم مور رمزا للأمل لدى البريطانيين خلال الجائحة، بعدما استطاع جمع مبلغ هائل لمساعدة الطواقم الطبية في معركتهم ضد فيروس كورونا الذي خطفه الثلاثاء في عامه المئة.

وفي خلال بضعة أشهر، أصبح المحارب السابق من المشاهير، إذ أثار تعاطفا في العالم أجمع من خلال اجتيازه حديقة منزله متكئا على مشّايته، محطما الأرقام القياسية لمبيعات الألبومات، حتى أنه نال تكريما من الملكة إليزابيث الثانية التي أرسلت تعازيها إلى عائلته الثلاثاء.
وقالت ابنتاه هانا ولوسي في بيان “ببالغ الأسى نعلن وفاة والدنا العزيز الكابتن توني مور”، معربتين عن “الامتنان للتمكن من مواكبته في ساعاته الأخيرة”، بعد إدخاله المستشفى الأحد جراء مضاعفات كوفيد-19.
وكان المقاتل السابق في الحرب العالمية الثانية قد حدد هدفا متواضعا خلال فترة الإغلاق الأولى في الربيع الفائت، يقضي بجمع ألف جنيه إسترليني (حوالى 1400 دولار) لمساعدة هيئة الصحة العامة البريطانية إثر تدفق مرضى كوفيد-19.
وهو أراد أن تشكّل هذه الخطوة عربون شكر للهيئة بعدما عالجته إثر الإصابة بسرطان في الجلد وكسر في الورك.
وعلى موقع جمع التبرعات، تعهد توم مور البالغ حينها 99 عاما بأن يجتاز مئة مرة حديقة منزله في مارستون مورتاين في جنوب إنكلترا قبل بلوغ عامه المئة.
وقد أثار مشهد الرجل العجوز يتنقل بعزيمة في حديقة منزله متكئا على أداة المشي، تعاطفا كبيرا لدى البريطانيين وعزّز لديهم الامتنان لعمل الطواقم العلاجية.
وتدفقت التبرعات عندها بسرعة كبيرة لدرجة أدت إلى تعطل الصفحة الإلكترونية التي كانت تُجمع من خلالها.
وفي النهاية، جمع المقاتل السابق 33 مليون جنيه استرليني (45 مليون دولار)، وهو أكبر مبلغ يجمعه شخص واحد في حملة خيرية.
وقال “الكابتن توم” حينها “خلال الحرب العالمية الثانية، كان الجنود في خط المواجهة الأول. هذه المرة، يتكوّن جيشنا من الأطباء والممرضات”، مبدياً “السعادة” لأنه استطاع “في هذه المرحلة الصعبة” مساعدة الطواقم الطبية التي قدّمت له الكثير.
وأصبح توم مور بفضل هذا الإنجاز من المشاهير، حتى أن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وصفه بأنه “كنز وطني”.
وقد حظيت الأمتار الأخيرة من تحدي المشي الذي قطعه المقاتل السابق الحائز ميداليات عدة في حديقته، باهتمام إعلامي كبير حتى أن القنوات التلفزيونية نقلت وقائع الإنجاز مباشرة على الهواء، كذلك الأمر مع عرض سلاح الجو الملكي لمناسبه بلوغه عامه المئة والذي حصل خلاله على 140 ألف بطاقة معايدة.


حتى أن الملكة إليزابيث الثانية كسرت حجرها المنزلي لمنحه وساما تكريميا برتبة فارس خلال مراسم في قصر ويندسور قال “الكابتن توم” على إثرها “يا لها من مكافأة، وتلقيها من يد صاحبة الجلالة… ماذا عساي أطلب أكثر؟”.
وكان توم مور المولود سنة 1920 في كيلي شمال إنكلترا، قد خدم كمهندس في الجيش البريطاني في الهند وبورما وإندونيسيا خلال الحرب العالمية الثانية.
وإثر عودته من بريطانيا، بدأ المقاتل السابق العمل في شركة إنشاءات عائلية قبل أن يصبح مسؤولا في شركة للإسمنت.
هذا المولع بالدراجات النارية الذي أقرّ بأن الشرطة سطّرت في حقه ضبط مخالفة بسبب السرعة الزائدة فيما كان عمره يفوق التسعين، قد التقى في سن الخمسين زوجته الثانية باميلا التي أنجبت منه ابنتين، قبل أن تتوفى بعد أربعين عاما في دار للمسنين كان يقصده يوميا لرؤيتها.
وقد خاض توم مور غمار الغناء مع تسجيله نسخة جديدة من أغنية مايكل بول “يول نيفر ووك ألون”، نشيد نادي ليفربول لكرة القدم. واستحال العمل رمزا للتعاضد خلال الجائحة.
واحتلت الأغنية سريعا المراتب الأولى في قوائم الأغاني الأكثر انتشارا في بريطانيا.
وأصبح “كابتن توم” أكبر شخص سناً تتربع أغنية له على سباق الأغنيات في البلاد، وفق أكاديمية غينيس.
وقال توم مور حينها “أحفادي لا يصدقون أني تصدّرت سباق الأغنيات”.
ولدى إبلاغه عن التحضير لفيلم يروي قصته، اقترح إسناد شخصيته إلى مايكل كاين أو أنتوني هوبكينز… “شرط أن يكونا على استعداد بأن يكبّرا عمرهما” لأداء الدور.
(وكالات)