كرامات اولياء الفوتوشوب في ‘ام بي سي’ وجويل ملكة ‘الميك أب’ لم تسمع بنهر الفرات!

حجم الخط
0

إقبال التميمي لا يخفى على أحد استئثار البرامج التسويقية المتعلقة بالتجميل والموضة بجزء لا يستهان به من برامج بعض القنوات التلفزيونية مثل ‘إم بي سي’ التي تبث من دبي. على رأس تلك البرامج جميعاً، برنامج ‘جويل’، أشهر برامج التجميل على الإطلاق. من خلاله تحاول قناة ‘إم بي سي’ محاكاة البرامج الأمريكية للـ’ميك أوفر’، أو بتعريب وتبسيط المصطلح، هو برنامج لمتابعة عمليات تغيير سحنة ومظهر شخص ما بشكل كامل، ليصبح جذاباً. حسب النسخة الأمريكية من البرنامج، يفترض بأن يحصل هذا من خلال سلسلة من عمليات تجميل جراحية إضافة إلى بعض التغييرات الأقل جذرية. لكن ميزانية برنامج ‘جويل’ أو ما يمكن أن تسمح به القناة من إنفاق، اختصرت عمليات التجميل المكلفة من شفط ونفخ وغيره، واكتفت بالرتوش من عمليات تصحيح نظر وأسنان وتطويل وتقصير شعر وعلاجات جلد من ‘كشط’ وشدّ وتنعيم، إضافة إلى تغيير ماكياج ونصائح بتغيير أساليب اختيار الملابس، وأهمها ارتداء كعوب أعلى، قد تحتاج المرأة لارتداء مظلّة أو باراشوت معها احتياطاً وتحسباً للحاجة لفتحها في حال السقوط من ارتفاع الكعب المبالغ في علوّه.

رغم كل شيء بقي برنامج جويل هو الأكثر شعبية بين نساء الوطن العربي بسبب شخصيتها الجاذبة، ومقدرتها على الوصول لقلوب النساء بعفويتها وبساطتها في الحديث غير المتكلّف، مما دفع بالقناة لمنحها مساحة لبرنامج امتد بثّه لسنوات، تم توثيق ثلاثة فصول منها على موقع القناة.

إن هذه النجومية وضعت جويل في موقع المسؤولية والمساءلة، رغم أنها متخصصة في مجال التجميل وليست إعلامية. لأنها أصبحت بفضل قناة ‘إم بي سي’ ذات شهرة وصيت انعكس على نجاح أعمال مركزها في دبي، مما جعلها في مرمى نيران تقييم الإعلاميات من خلال نافذة التجميل. لذلك لم أصدق نفسي عندما شاهدت حلقتها رقم 26 والتي بثّت منذ أيام من خلال موسمها الثالث على الشاشة، عندما كررت ثلاثة مرات على الأقل بأنه شقّ عليها حفظ اسم المحامية ضيفة الحلقة، لأنه وحسب اعتراف ‘جويل’ لم تسمع أبداً بمثل هذا الاسم من قبل لتستطيع تذكره. كان اسم المحامية ‘فرات’. هذه المعلومة صعقتني. هل من المعقول أن هناك شخص يعيش في العالم العربي ولم يسمع بالفرات؟ هل يعقل أن تتذكر جويل أسماء جميع مصممي الأزياء في العالم، نفر… نفر، وأن تذكر الأسماء المستحدثة لكل درجة لون دون أن تنتابها لعثمة، ولا تتذكر اسم أشهر نهر شقّ قلب العراق والأمة العربية لكثرة ما ذكر اسمه مرافقاً لأحداث الألم والدمار منذ غزو العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية؟ طبعاً ‘الفرات’ لم يكن هو الضعف الوحيد في معلومات جويل اللغوية، إذ اعترفت على الشاشة في ذات الحلقة عن عدم معرفتها بالفرق بين الحاجب والجبين مع أنها تقوم برسم حواجب النساء يومياً باستخدام آلية الوشم.

وأنا أفكر بهذه الاحتمالات، نقلتنا الشاشة إلى لقطة تتحدث فيها جويل أثناء قيادتها لسيارتها في شوارع دبي، وهي تلتفت موجهة حديثها إلى الكاميرا، ثم تتحدث بهاتفها الخلوي (أثناء القيادة)، وبعد قليل تتحدث وكلتا يداها معاً تلوحان بالهواء بعيداً عن مقود القيادة وهي تنظر إلى الكاميرا الجانبية (أثناء قيادة السيارة أيضاً). إن لم تكن هذه الحركات البهلوانية استهتارا موثّقا ومتلفزا بقوانين السير، وبسلامة وأرواح الناس، ماذا يمكن أن تكون. على أي حال، هذا البرنامج قدم لشرطة دبي أول إثبات يوثقّه شخص على نفسه بخرق القانون علناً، لكن هل تتجرأ شرطة دبي بتطبيق المخالفات على شخصية ‘سوبر… سوبر’ على رأي جويل.

المنتج السحريلقد تابعنا مراراً سقوط مؤسسات إعلامية عالمية بعد مقاضاتها ومطالبتها بتعويضات مادية لأنها استغفلت المشاهد أو القارئ، وقدمت له معلومات غير حقيقية (كاذبة)، عن طريق العبث بمحتوى الدعايات من خلال استهبال الجمهور وتنويمه إعلامياً لإقناعه بشراء شيء عن طريق الاحتيال المعلوماتي، وإيهامه بخصائص المنتج السحرية. لكن القانون له صلاحيات وباعه طويل في الدول المتحضرة فقط، حيث لا يملك الساسة حصصاً في المؤسسات الإعلامية، ولا ينفع الاتصال الهاتفي مع شخص لإلغاء المخالفات من ملفات الدولة بما فيها مخالفات المرور.

لقد تعرضت كمشاهدة، مراراً وتكراراً للتعذيب النفسي كلما ظهرت دعاية تقدمها الممثلة المصرية ‘منّة شلبي’ على قناة ‘إم بي سي’. حيث توجّه لنا نصيحة شراء مستحضر غسول مستخلص من الأعشاب لمعالجة البشرة. كلما شاهدتها استفزّت فيّ الصراخ لأن الدعاية تدليس واستغفال للمشاهد في وضح النهار. تحاول ‘منّة شلبي’ من خلال حوارها مع صبية أخرى في الدعاية نصحنا باستخدام غسول الوجه العجيب، الذي على ما يبدو، يقوم بتعبيد طرق الجلد كما يفعل الفنان الذي يمهّد أرضية اللوحة. تقول ‘منّة’ لشريكتها في الدعاية،… ‘ما فيش داعي تخبّي بشرتك’ وتنصحها باستخدام الغسول العجيب الذي يقضي على كل بلاوي البشرة المتراكمة بغض النظر عن مسبباتها، ولا تستثني عيباً، مثل ردم حفر الجدري في وجه مغطى بالمطبّات، أو إزالة الكلَف الذي ينتهج التمييز العنصري باحتلال مستوطنات جلدية دون غيرها. غالبية التلاعبات التي تظهر على شاشات التلفزيون في الدعايات، تعد النساء بمظهر أفضل، وتدعي إعادة عقارب الزمن إلى الوراء. لكن والحق يقال، إعلامنا العربي قدّها وقدود، وسيد من ادعى القدرة على اخفاء تجاعيد بمجرد دهن كريم على البشرة.

لا يخطر ببال كثير من النساء أنه لو كانت الدهون تمر حقاً من خلال الجلد لإصلاح عطبه، لكنّا جميعاً أمواتا منذ سنوات لأن أيدينا ذاتها التي يفترض أن تمر عبرها الدهونات العجيبة دون الوقوف على إشارة مرور، ياما غطست في سموم مواد التنظيف والمساحيق والمبيضات والمسودّات وفي سموم ما يستوجب تسليك البلاعات. وقياساً عليه، ذات الجلد الذي يسمح بدخول المستحضرات السحرية، يفترض به أن يسمح بدخول الغبار والأوساخ وغيرها، وهذا يجعل من دورتنا الدموية شبكة صرف صحي.

لو أخبرني أحدهم أن باستطاعته أن يخفي ميزانية مؤسسة بحيث تصبح أموالها خلال شهر واحد ‘بح’ دون أي أثر لصدقت، لأن هذه المهارة موثقة لدينا واحنا سيد من أخفى. ولو أخبرني احدهم بأن إعلامنا يستطيع إخفاء ملفات الفساد كما تختفي رشّة الملح في الماء لصدّقت، لأن لدى البعض مهارة الحاوي في هذا المجال. لكن أن يدعي أحدهم أنه بغسول وجه يستطيع إخفاء التجاعيد والبثور والبقع ومسامات مفتوحة يمكن رؤيتها عن بعد دون استخدام منظار، فهذه كذبة ‘إكسترا لارج’. عدت لملف مجموعة كبيرة من صور منّة شلبي أخذت في ظروف وأماكن مختلفة للمقارنة، جميعها دلّت على أن مظهر بشرتها يختلف تماماً عن بشرتها التي ظهرت في دعاية الـ’إم بي سي’ بدون نقرة واحدة. واللون، تبارك الرحمن، أبيض حليب، ثابت وموحّد الدرجة من الجبين إلى الأكواع، حتى لون الأسنان تم تبييضه دون الإبقاء حتى على الظلال التي يفترض أن تظهر بشكل طبيعي نتيجة زوايا التصوير وعوامل الإضاءة. بينما الشفاه لا يوجد بها كسرة واحدة، والعيون نقية لامعة. لكن المفاجأة ليست هنا فقط، أو أن لون الجبين هو ذات لون الرقبة والذراعين، بل في كون أنه ومنذ اليوم الأول لنزول الدعاية والمستحضر حصل هذا التغيير العجيب لوجه ‘منّة’، أي أنها لم تخضع لمليون عملية غسول قبل أن تستغفلنا الدعاية وتقنعنا بأن هذه النتائج هي بفضل غسول الوجه الذي استخدمته. والأغرب من ذلك أن زميلتها في الإعلان ظهرت وبقدرة لا إله إلا الله، تحمل نفس درجة لون بشرة ‘منّة’ ونفس درجة لون أسنانها وعيونها، ولا تختلف عن ‘منّة’ إلا برسمة دائرة صغيرة حمراء على الخد الأيمن، لإقناع المشاهدات بأنها تعاني من وجود بثرة. وبدون سحر أو شعوذة، وبعد غسلة واحدة بالغسول العجيب، اختفت البثرة.

إن ما يحصل على شاشات التلفزيون في الدعايات التي تقوم على المبالغة في قدرات مستحضرات التجميل، هي فساد إعلامي واضح. ألم يخطر ببال القائمين على عمليات التزوير بأن المشاهد سيستغرب من أمر تمتع فتاتين، بنفس درجة اللون الموحّد للجلد من الألف إلى الياء، في جميع أجزاء الوجه والرقبة والكتفين والذراعين. ألم يخطر ببالهم بأننا سنلاحظ أن بشرة الفتاتين ما شاء الله مكويّة تماماً، ولا يوجد في بشرة أي منهما إشارة لخطّ أو بقعة أو مسامة. بركاتك يا طاقم الـ’إم بي سي’ وبركاتك يا تقنية ‘أدوبي فوتوشوب’ المستخدمة بسخاء لتحرير المواد الفلمية.

للأسف نحن النساء مستهدفات في حملات التسويق، لأننا في غالبية الأحيان قليلات الثقة بأنفسنا، ونخشى من فقدان الرجل بسبب عيوبنا الجسدية. نخشى من غزو اللون الفضي لشعر الواحدة منا ونصاب بالهلع عند اكتشاف أي من عوامل تقادم السن، وننسى أن الرجل أيضاً يسقط شعره عن رأسه وينزرع في أذنيه مع عامل الزمن. نتحسس عيوبنا الجسدية بمرارة وأسى آناء الليل وأطراف النهار، لأننا نعلم أن الإعلام ‘مستقصدنا’، بينما لا أحد يعيب على الرجال زيادة أوزانهم أو تدلي كروشهم من فوق الأحزمة. بل أن مجتمعنا يمنح عيوب الرجال الجسدية صفات إيجابية من خلال الأمثال الشعبية، ويقولون أن ‘الكرش وجاهة’ و’الخير يبان على اصحابه’ في إشارة إلى ترافق سمنة الذكور مع سمات الكرم والمكانة الاجتماعية. على محطة ‘إم بي سي’ وغيرها أن تحترم ذكاء المشاهد، وأن لا تعرض مادة تعرضت للعبث التقني، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنصائح طبية لها علاقة بالتسويق الدعائي. بغض النظر، إن كانت الدعايات من إنتاج استوديوهاتها الخاصة أو من إنتاج غيرها، لتحافظ على مصداقيتها كمنصّة إعلامية واحتراما لأخلاقيات المهنة.

مديرة مركز الرصد الاعلامي للصحافيات العربيات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية