اقتصاد السيسي: الاستثمار في الكباري على حساب البشر والمصانع والتاريخ

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: يواجه نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، انتقادات بسبب توسعه في مشروعات إنشاء الكباري والطرق وقطار لربط العاصمة الإدارية الجديدة المعروف إعلاميا بـ «قطار العين السخنة» في وقت يعاني فيه الاقتصاد من أزمات كبيرة، وتجري فيه تصفية شركات حكومية، تحت مزاعم خسارتها وعدم توفر أموال لإعادة هيكلتها وتطويرها، وكان آخرها شركة «الحديد والصلب» في حلوان، وهي الشركة التاريخية التي يعود تاريخ إنشائها إلى خمسينيات القرن الماضي.
خطة الكباري التي غزت مصر بشكل عام، ومنطقة مصر الجديدة في القاهرة بشكل خاص، من أجل تسهيل الوصول إلى العاصمة الإدارية الجديدة التي ينشئها السيسي على طريق «القاهرة ـ السويس» الصحراوي، أزالت في طريقها مقابر وقصورا أثرية.

600 كوبري

وشهدت مصر في عهد السيسي إنشاء ما يقرب من 600 كوبري ونفق أعلى مزلقانات السكك الحديدية وعند تقاطعات الطرق الرئيسية، بتكلفة 85 مليار جنيه مصري.
آخر الضحايا المتوقعة لهذه الكباري كان قصر «برسوم باشا» الذي يعود تاريخ إنشائه إلى القرن التاسع عشر.
وقال المهندس شريف حنا حفيد «برسوم باشا» إنه قبل 10 أيام فوجئ بالمهندسين التابعين لإحدى شركات المقاولات الشهيرة ينتشرون حول مقر إقامته الكائن في شارع العباسية، ويلتقطون الصور لمختلف الجوانب والزوايا، ويرفعون القياسات الهندسية. وعندما استفسر عن السبب، أخبروه بأنه وفقا للرسومات التي بحيازتهم، فإن منزله معرض للإزالة بسبب أعمال محور الفردوس، حيث سيقع تماما عند منزل الكوبري.
وزاد: «ولدت في هذا القصر وعشت فيه حتى اليوم، وأحافظ جاهدا على حالته المعمارية والجمالية، خارجيا وداخليا، فهو ليس ملكية خاصة فحسب، بل مسجل في الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ضمن المباني ذات الطراز المعماري المميز، لدرجة أني عندما أقوم بإعادة طلائه من الخارج، يرسل الجهاز نحو 20 مراقبا للإشراف على عملية الطلاء والتأكد من الالتزام بدرجة اللون، وقد خسرنا من قبل حديقته التي أزيلت عند شق شارع أحمد سعيد عقب ثورة يوليو، وتبلغ مساحته حاليا 1600 متر ومأهول بالكامل».
والقصر المهدد شهد لقاءات عديدة بين سينوت بك وسعد زغلول، ويمتاز برسومات بديعة ذات طراز إيطالي تزين أسقفه، فيما تعلوه قبة تتميز بعلامتي الهلال والنجمة.

ليس دليل تقدم

وتحت عنوان «الحل ليس في الكباري «، كتب الدكتور عمرو الشوبكي، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: «لم أسمع عن بلد نام أو متقدم اعتبر إنشاء الكباري دليل تقدمه، فمصر بنت مشاريع عملاقة مثل السد العالي، وصناعات ثقيلة (الحديد والصلب) وأخرى متوسطة وصغيرة، فكانت شاهدة على درجة من التقدم، كما عرفت ثورة حقيقية في الاستثمار في سيناء في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي حتى أصبحت مقصدا سياحيا عالميا، لن تحققه العاصمة الإدارية، ولا أي مكان ساحلي آخر في مصر، ومع ذلك لا يمكن أن نعتبر ما جرى فيها على أهميته، مشروعا قوميا أو دليل تقدم».

الكباري لم تترك الموتى

وأضاف: «الكباري في كل شارع، الكباري لم تترك حتى الموتى ولا المقابر المملوكية الأثرية، الكباري في مصر الجديدة دمرتها، ونسيت أو تناست أنها في حي سكني عريق فلم تهتم بالمواطن الذي يعبر الطريق، فهو غير موجود في حسابات من يستثمرون في الحجر، فالكوبري صنع خصيصا للأقوى لمن يمتلك سيارة وليس مهما وجود كوبري للمشاة ولا نفق ولا إشارة مرور، المهم هدم الأشجار وتوسعه شوارع سكنية إلى 6 حارات و«يتفلق» الناس حتى لو دفعوا أرواحهم على الطريق لعدم وجود أماكن آمنة لعبور المشاة، فنحن في عصر الكوبري والدوران الحر الذي يرحل مشكلة الزحام لنقطة الدوران الحر حيث التكدس والعشوائية والفوضى».
وتابع: «مصر ليست في حاجة إلى كباري تضرب الأحياء والأموات وتخرب أحياء كاملة وتهدم قيما جمالية كثيرة، إنما هي في أشد الحاجة إلى استثمار في البشر وفي رجال إنفاذ القانون لكي يطبقوا القانون بعدالة ولا يكونون عرضة للفساد والرشوة والبقشيش. لو استثمرنا في إعادة النظام لشوارع القاهرة وطبقنا القانون على الجميع أهم ألف مرة من الكباري التي أصبحت مصدرا للديون وليس التقدم».
«الحزب الاشتراكي المصري» قال في بيان: «في نفس الأسبوع الذي يتم فيه الإعلان عن تصفية مصنع الحديد والصلب في حلوان لخسائره التي بلغت تسعة مليارات جنيه، يعلن فيه عن قطار الرصاصة المعتزم إنشاؤه بين العين السخنة والعلمين بتكلفة إجمالية 360 مليار جنيه، وإذا لم يكن هذا كافيا لفتح ملف مستقبل التنمية في مصر، فماذا يمكن أكثر من ذلك؟!».

أزالت في طريقها مقابر وقصورا أثرية… وتشييدها يتزامن مع تصفية شركات حكومية

وأضاف الحزب في بيان حمل عنوان «تنمية مصر بين الحديد والصلب وقطار الرصاصة»: «تأتي التنمية في المحل الأول بالصناعة والزراعة، والأهم هو الصناعة التي توفر فرص العمالة في ظل الفقر الحالي (30٪ حاليا حسب الإحصاءات الحكومية) والبطالة الحالية (نحو 10٪ حسب الإحصاءات الحكومية أيضا). والحديد والصلب يقع في موقع القلب من مستقبل الصناعة، أي صناعة، بحكم كونه مصدرا أساسيا للكثير من الصناعات المغذية للتنمية في مختلف المجالات، أو ما يطلق عليه الترابطات الأمامية والخلفية مع مختلف المجالات. بل والمفارقة الأخرى هي الإعلان الحكومي عن النية أو الرغبة، بمناسبة تطوير السكك الحديدية، في إقامة مصنع لصنع قضبان السكك الحديدية في نفس الوقت الذي تتم فيه تصفية المصنع الوحيد الذي ينتجها في مصر».
وتابع الحزب: «التنمية الحكومية لها أولويات مختلفة، وهي تنمية الخدمات التي أعلنت الحكومة سابقا أنها تعتزم زيادة نسبتها في الناتج المحلى الإجمالي من 50٪ حاليا إلى 70٪ عام 2030 ويتبجح البعض بأن الاتجاه الحديث في أمريكا والعالم المتقدم هو زيادة مساهمة تنمية الخدمات، ويغفلون أن «خدماتهم» هي تنمية تطوير تكنولوجيا الإلكترونيات والاتصالات، بالإضافة للخدمات المالية، بينما «خدماتنا» تقتصر على الطرق والكباري والإنشاءات وبيع الأراضي والتنمية العقارية مع بناء المولات والمنتجعات السياحية».
وزاد: «قلب التنمية، بجانب تنمية الإنتاج الزراعي الصناعي، هو التنمية البشرية والتنمية التكنولوجية، وعمادها التعليم والصحة، ولكن في بلادنا في العام الحالي تبلغ نسبة الإنفاق على التعليم 2.3٪، والصحة 1.5٪، والبحث العلمي 0.4٪ من الناتج المحلى الإجمالي، وبإجمالي للمجالات الثلاثة 4.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي لم تصل إلى نصف النسبة الدستورية التي يحددها بـ 10٪ على الأقل وتزيد تدريجيا حتى تصل للنسبة العالمية».
وبين: «قامت مصر في فترة تنمية بنيتها الصناعية في الخمسينايت والستينيات بتوسع شديد للبنية التحتية من سكك حديد وطرق، لكي تخدم احتياجات التنمية مثل طرق أسوان والواحات والإسكندرية محملة على السد العالي والحديد والصلب وغيرها، بينما تهدف تنمية الخدمات حاليا إلى تلبية احتياجات المرفهين من أصحاب المنتجعات وغيرها وتنفيذ مطالب صندوق النقد والبنك الدوليين باقتصار الحكومة على تنمية الخدمات وترك التنمية الإنتاجية للقطاع الخاص المحلي والأجنبي، على أن تقتصر صناعاتنا على الصناعات الملوثة للبيئة التي يلفظها الغرب في بلاده مثل الصناعات البترولية والأسمدة والسيراميك».
وواصل : «اتبعت الحكومة تلك التوصيات منذ التنازل عن السيادة في اختيار أولويات التنمية عام 1974، ومضى نحو نصف قرن في انتظار رؤوس الأموال المصرية والأجنبية لتنمية مصر ولم تأتِ حتى الآن، فقط أتت لكي تشتري الأصول المصرية التي بناها الشعب المصري بعرقه في العقود الماضية، وبقروض من البنوك المصرية رغم تحريم الحكومة على القطاع العام ضمان قروضه من البنوك المصرية! بالإضافة إلى هذا الحرص على تصفية القطاعات المتقدمة للصناعة المصرية مثل شركة المراجل البخارية والحديد والصلب».
واختتم الحزب: «كأن كل إيرادات تبديد أصول التنمية في بلادنا بالخصخصة لا تكفي فزاد عليها مضاعفة الديون لتتجاوز 120 مليار دولار حاليا، أي أن تنمية المرافق تتم على حساب ما بنيناه في السنوات الماضية وضيعناه بالخصخصة وعلى حساب الأجيال القادمة التي ترث الديون الحالية! أي أننا نعيش اليوم على حساب الأجيال الماضية والآتية! آن الأوان لكي يقول الشعب كلمته في تخطيط مستقبل التنمية في بلاده والكف عن تبديد أصولنا بالخصخصة والتخطيط لتنميتها الحقيقية بالزراعة والصناعة والتنمية البشرية، تنمية معتمدة على الذات، وليس بتنمية الخدمات على حساب مضاعفة الديون».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية