إن إطلاق النار نحو مُسيرة سلاح الجو، وضع إسرائيل في معضلة: فمن جهة، أن غياب الرد سيؤدي إلى تآكل الردع، ومن جهة أخرى في عدم الرغبة في التصعيد على الحدود الشمالية.
هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها “حزب الله” ضرب طائرات إسرائيلية تعمل في لبنان. غير أن فعل ذلك سابقاً بسبب وبعلاقة واضحين، بينما اليوم جاء إلى إطلاق النار ظاهراً من اللامكان. صحيح أن سلاح الجو عمل في الأيام الأخيرة بكثافة في سماء لبنان (وهو موضوع حظي بتغطية واسعة في وسائل الإعلام اللبنانية وفي الشبكات الاجتماعية)، ولكنها كانت أعمال جمع معلومات عادية وليس خطوة هجومية.
يبدو أن “حزب الله” سعى لردع إسرائيل، ولتنفيذ تعهد حسن نصر الله القديم بأن يضرب طائرات إسرائيلية تعمل في الدولة. وقد تكون محاولة متأخرة رداً على قتل ناشط المنظمة في هجوم سلاح الجو في مطار دمشق في الصيف الماضي، والذي أدى إلى توتر على الحدود استمر بضعة أشهر.
التقديرات التي طرحت أمس وكأن “حزب الله” عمل كي يبعث بإشارة إلى إدارة بايدن بأنه من المجدي لها أن تسارع إلى رفع العقوبات عن سيدته، إيران، تبدو معقولة أقل. وإذا كان لا بد فالعكس هو الصحيح: مصلحة إيران في هدوء الجبهة، في حين أن لإسرائيل مصلحة بالربط بين إرهاب “حزب الله” والاتفاق النووي.
إن إطلاق النار نحو المُسيرة “زيك” تم أغلب الظن من بطاريات مضادات طائرات روسيىة هربت في الماضي إلى لبنان. وقد استخدمها “حزب الله” بقدر طفيف حتى الآن، وذلك أيضاً كي لا يثير غضب روسيا، وكذا كي تبقي هذه الوسيلة الاستراتيجية ليوم بارد. تتخوف المنظمة من أن يؤدي إطلاق النار إلى تدمير البطارية التي أطلقت النار، دون أن تتلقى المنظمة مقابلها بديلاً.
ليس واضحاً سبب امتناع سلاح الجو عن تدمير البطارية التي أطلقت النار، مثلما يفعل على نحو متواتر في الهجمات المنسوبة له في سوريا. يعتبر سلاح مضادات الطائرات منذ سنين كـ “محطم تعادل” (إلى جانب صواريخ دقيقة وصواريخ شاطئ البحر)، وتبذل إسرائيل جهداً هائلاً في منع نقله إلى حزب الله – المعني به كي يشوش التفوق الجوي لإسرائيل في لبنان في الأيام العادية، وبالتأكيد في المعركة مستقبلاً.
كما أن التلبثات الطويلة أمس حول شكل الرد بثت بعض التردد: “حزب الله” نفذ عملية هجومية تشذ عن كل ما هو مسلم به. والامتناع عن الرد الحاد سيطلق إشارة له بأن العملية كانت مقبولة، وسيعمل مرة أخرى. هذه مسيرة خطيرة من التعود المعروف من سنوات إطلاق الصواريخ من لبنان وغزة، هذه مسيرة يتآكل فيها الردع وستكون إسرائيل في نهايتها مطالبة برد قاس أكثر بكثير وقد يؤدي إلى تصعيد واسع.
وبالطبع، فإن الرد الآن قد يؤدي إلى تصعيد. هذه مخاطرة محسوبة ينبغي لإسرائيل أن تأخذها بالحسبان حتى بثمن بضعة أيام قتالية في الشمال. وسيستنتج “حزب الله” سلوكه من طبيعة الرد وإن كان عنده أيضاً من الصعب أن نشخص مصلحة في التصعيد الآن. فلبنان في حالة انهيار اقتصادي وصحي، و”حزب الله” مشغول البال في مشاكل داخلية، ومشكوك أن يحظى بالعطف الجماهيري إذا ما جر لبنان إلى مناوشات دامية.
في الصيف الماضي، في أعقاب قتل الناشط في دمشق، حاول “حزب الله” تنفيذ عملية قفز في استحكام غالديولا في هاردوف. وصل ثلاثة من رجال المنظمة حتى مسافة قصيرة من الموقع كي يقتلوا جنوداً. والجيش الإسرائيلي الذي تعقبهم حتى تسللوا إلى أراضي إسرائيل، قرر ألا يصفيهم أو يأسرهم، وتركهم يفرون كي يمتنع عن معركة وكي يسمح لـ”حزب الله” “بالنزول عن الشجرة”. هذه الخطوة أثارت في حينه غضباً شديداً لدى المستويات الميدانية التي تساءلت إذا كانت القيادة السياسية الأمنية فقدت الرغبة في القتال.
يفيد إطلاق الصاروخ فهم الرسالة. صحيح أن “حزب الله” يمتنع عن التصعيد المبادر إليه، ولكنه يبحث عن التحدث ويلذع إسرائيل، ويصمم قواعد جديدة في المنطقة. يتعين على الجيش الإسرائيلي أن يؤكد الرسائل التي تنقل له وما لا يفهم منها حتى الآن بالكلام أن يوضحه بالصواريخ.
بقلم: يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 4/2/2021