لم تأت حادثة طعن مدرسة أمريكية في إمارة أبو ظبي ومحاولة زرع قنبلة بدائية الصنع على يد سيدة إماراتية من فراغ، ولم تكن الأولى وربما لن تكون الأخيرة، فهذه الحادثة، ومن المعطيات الأولى ربما تدخل ضمن العمل الفردي أو ظاهرة ما يسمى بـ»الذئاب المستوحدة»، وهم أشخاص اعتنقوا التطرف ذاتياً، وينفذون عمليات إرهابية من دون أي صلة تربطهم بجماعات إرهابية.
وتعود جذور ظاهرة «الذئاب المستوحدة» إلى اوائل عام 2000، أي قبل ظهور ما يسمى بـ»الدولة الإسلامية» المعروفة إعلاميا بـ»داعش»، حيث اعتمدها تنظيم «القاعدة»، وكان أكبر مشجع لها هو الداعية اليمني ـ الأمريكي انور العولقي، حيث كان يكتب ويشجع على ظهور الذئاب المستوحدة في مجلة «القاعدة» التي تصدر باللغة الانكليزية «الهام»، ورغم أن العولقي قتل في غارة أمريكية لطائرة بدون طيار في اليمن عام 2011، إلا ان «الهام» العولقي وصل إلى العديد من الأشخاص، خاصة مع ثورة الإنترنت واتساع رقعة مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
الشبكة العنكبوتية توفر للإرهابي فرصا كبيرة لا حدود لها، حيث أنه من الممكن أن يحصل على إرشادات حول صنع القنابل محلية الصنع، كما أن الخرائط والرسوم البيانية لأهداف محتملة متوفرة ومتاحة، والأخطر هو وجود مئات، بل آلاف المواقع التي تبث الكراهية وتحرض على العنف والتطرف في جميع المجالات، سواء الدينية ـ إسلاما ـ مسيحية ـ يهودية ـ أو السياسية والعلمانية.
ويجب ألا نخص ظاهرة الذئاب المستوحدة بالمسلمين فقط، فقد ظهر أكثر من ذئب مستوحد في أكثر من دولة، وكانت دوافعهم ارهابية، علمانية كانت أم دينية غير تابعة للإسلام، وحتى جنائية، أو قضية أو أصحاب قضية واحدة، مثل المناهضين للإجهاض أو المدافعين عن حقوق الحيوانات وغيرها من القضايا التي لا علاقة لها بالايديولوجيا. فهناك حادثة أندرس بريفيك، الذي فجر سيارة مفخخة في العاصمة السويدية أوسلو ثم سافر إلى جزيرة وقتل 77 شخصا في مخيم صيفي للحزب الحاكم، ولم تكن دوافعه دينية بقدر ما هي سياسية يمينية متطرفة، وأيضا هناك حادثة تيموثي ماكفي الذي قتل 168 شخصا في مبنى حكومي في أوكلاهوما سيتي عام 1995، انتقاما لمهاجمة مجمع عبادة للديانة المسيحية وكانت دوافعه دينية مسيحية. وكشف مؤشر الإرهاب لعام 2014 أن مستوى الإرهاب في العالم يتخذ مساراً تصاعدياً. أبرز هذه الإحصاءات مستخلصة من بين 162 دولة بين عامي 2000 و2013.
عدد الوفيات نتيجة للعمليات والهجمات الإرهابية ارتفع منذ عام 2000 حتى اليوم خمسة أضعاف، أي بنسبة 61٪. في عام 2013 شهدت خمس دول وفيات كانت نسبة 82٪ من مجملها وفيات، بسبب العمليات الإرهابية في العالم، وهذه الدول هي العراق، أفغانستان، باكستان، نيجيريا وسوريا.
أما الجماعات والمنظمات الإرهابية المسؤولة عن ثلثي العمليات الإرهابية في العالم، فكانت بحسب المؤشر أربع جماعات هي: «داعش»، «بوكو حرام»، «القاعدة» و»طالبان».
أما في الدول الصناعية فكان العدد أقل، إذ شهدت هذه الدول 5٪ من العمليات الإرهابية، و25٪ من هذه الهجمات نفذها من يعرفون بـ»الذئاب المستوحدة».
ورغم التنامي المطرد والسريع لظاهرة «الذئاب المستوحدة»، إلا ان تركيز الحكومات وأجهزة الشرطة والاستخبارات ومحاولة دراستها ومعرفة النمطية التي يعملون بها، استمر ولا زال على الجماعات المتطرفة، ولم تأخذ فكرة دراسة ظاهرة «الذئاب المستوحدة» القدر الكافي من اهتمام الأجهزة، وربما هذا ما حدث في دولة الإمارات في الحادثة الأخيرة التي قتلت فيها المدرسة الأمريكية، (قد تكون مرتكبة الحادثة تعاني من مرض نفسي)، لذا من المجدي لحكومات الدول المتحالفة في الحرب على الإرهاب بكل أشكاله أن تعطي اهتماما أكبر لدراسة ظاهرة «الذئاب المستوحدة»، خاصة أن خطرها أكبر ولها تأثير أعمق على المجتمعات الديمقراطية والمدنية، وفي المستقبل المنظور ربما يشكل «الذئاب المستوحدة» خطرا لا يستهان به.
ورغم الاختلافات في الخلفية والتخطيط بين مرتكبي الحوادث الفردية، إلا أنه يمكن تتبع عوامل مشتركة بينهم، هم ليسوا في الواقع وحيدين، ولكنهم تواصلوا مع العالم الافتراضي على الشبكات الاجتماعية وحصلوا على التدريب والتجنيد عبر غرف الدردشة أو موقعي «فيسبوك» و»تويتر».
ولم يأت الاتهام الذي وجهه رئيس الاستخبارات البريطانية، ريتشارد هانيجان، لعدد من شركات التقنية الأمريكية، العاملة في وادي السيليكون، بأنها أصبحت شبكات القيادة والتحكم المفضلة للإرهابيين، محددا موقعي التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و»تويتر»، بانها أصبحت شبكات قيادة وتحكم للإرهابيين والمجرمين، كاشفا ان عناصر»داعش» في العراق وسوريا، يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي لترهيب الناس، وإلهام المتطرفين المحتملين من كل أنحاء العالم للانضمام إليهم.
تصريحات رئيس الاستخبارات البريطانية تثبت أن الحكومات المعنية بهذه الحرب على التطرف غير قادرة على التصدي لظاهرة «الذئاب المستوحدة» وحدها بدون التعاون مع شركات القطاع الخاص المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي، بمعنى التجسس على المشتركين، لكن المعضلة تبقى أمام هذه الحكومات التي تصنف على أنها ديمقراطية، هي اختراق خصوصية المشتركين ما يعني اختراق قوانين جعلت من هذه الدول ديمقراطية، بل انها انتقدت دولا عربية ـ منها دولة الإمارات ـ أو دولا من العالم الثالث لإجراءات مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، ويبقى السؤال: ما هو الأهم حماية الخصوصية أم حماية الأرواح والمجتمعات؟ فحادثة أبو ظبي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة.
٭ كاتب وصحافي فلسطيني
أحمد المصري