ربما يكون إعلان الأمم المتحدة عن حكومة جديدة ومجلس رئاسي جديد في ليبيا مدعاة للفرح ويعطي الشعب الليبي المجهد فترة للراحة، لكن علينا في كل أمر بليبيا الانتظار ورصد تصرف اللاعبين المحليين وداعميهم في الخارج. وفي الوقت الحالي تمخض «ملتقى الحوار السياسي الليبي» الذي عقد برعاية الأمم المتحدة في جنيف تحت شعار «ليبيا أولا» وشارك فيه 75 مندوبا اختارتهم المنظمة الدولية كممثلين للطيف السياسي في ليبيا عن «سلطة تنفيذية جديدة». وبعد خمسة أيام من النقاشات والتصويت الذي بثت نتائجه على الهواء تم اختيار رئيس وزراء انتقالي جديد وهو رجل الأعمال من مدينة مصراتة في غرب البلاد، عبد الحميد دبيبه بالإضافة لمجلس رئاسي بقيادة سفير ليبيا السابق في اليونان محمد يونس المنفي (من الشرق) وموسى الكوني (من الجنوب) مع عبد الله حسين اللافي (طرابلس).
مهام محددة ومعوقات
وجاء انتخاب المجموعة هذه للقيام بمهمة محددة وهي إدارة البلاد والتحضير للانتخابات في كانون الأول/ديسمبر حيث لن يسمح لأي منهم الترشح في منصب آخر بعد ذلك. وهذه هي المرة الأولى منذ سنوات والتي يتفق فيها الليبيون على قيادة موحدة تجمع المناطق الليبية الثلاث في الغرب والشرق والجنوب. وأمام دبيبه 21 يوما لتشكيل الحكومة ونيل الثقة من البرلمان. وفي حالة فشله فسيعود إلى المنبر الذي اختارته المبعوثة الأممية ستيفاني ويليامز.
وستواجه حكومته معوقات كبرى للحصول على الاعتراف في الداخل والخارج. وتلقى الليبيون أخبار الاتفاق بنوع من السخرية والأمل، خاصة أن البلد لا يزال ممزقا في الذكرى العاشرة التي تحل هذا الشهر للإطاحة بنظام معمر القذافي واندلاع الحرب الأهلية في 2014 عندما أعلن الجنرال المتمرد خليفة حفتر عن حملة للسيطرة على كل ليبيا ولكن أحلامه انهارت في حزيران/يونيو 2020 على أبواب طرابلس التي حاصرها 14 شهرا واضطرته القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني على التراجع إلى الشرق حيث لا يزال يسيطر على منطقة الهلال النفطي ويدعمه برلمان طبرق.
واللافت في الأمر أن القوى التقليدية التي كانت مرشحة للفوز في إدارة البلاد لحين الانتخابات فشلت في جولة انتخابات جنيف، ولم تفز القائمة التي جمعت عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق ووزير داخلية حكومة الوفاق في طرابلس فتحي باشاغا، وهو من مدينة مصراتة وبميول إسلامية إلا بـ 34 صوتا وقد قبلا بنتائج الانتخابات. وحاول باشاغا الحصول على دعم خارجي لتأمين فوزه، وقام بجولات على الدول التي تملك رأيا في الشأن السياسي ببلاده للحصول على دعمها، إلا أن القائمة المنافسة فازت بـ 39 صوتا متقدمة على قائمته وصالح بخمسة أصوات.
وتقول صحيفة «الغارديان» (5/2/2021) إن الشراكة الغريبة بين باشاغا وصالح قد تكون سببا في الخسارة، ذلك أن هناك كراهية عالية لرئيس مجلس نواب طبرق في الغرب لدعمه حملة حفتر العسكرية وحصار طرابلس الطويل. وقد صدم صالح الوفود المجتمعة في خطابه الانتخابي عندما حاول التقليل من الهجوم على العاصمة والذي أدى لمقتل أكثر من 1.000 شخص قائلا إن الوقت قد حان لطي الصفحة. ويرى ولفرام لاتشر من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية أن «الشخصيات القوية خسرت في العملية هذه. وسيشعر الكثيرون في الغرب الذين عارضوا التحالف الانتهازي بين صالح وحفتر بالارتياح، لكن الحكومة الجديدة لن تكون قادرة على التأثير في الشرق». وقال السفير البريطاني السابق في ليبيا، بيتر ميليت «هذه ليست النتيجة التي توقعها معظم المراقبين، فالتوليفة بين عقيلة صالح كرئيس للمجلس الرئاسي وباشاغا كرئيس للوزراء كانت الأوفر حظا وحظيت بدعم اللاعبين الخارجيين مثل مصر». وأضاف ميليت أن «عائلة دبيبه مثيرة للجدل وهناك اتهامات لها بالتورط في الفساد. وهناك أصوات في الشرق بدأت تدعو للحرب. كما أن نوايا حفتر ليست واضحة، والأهم في الوقت الحالي هو حصول الحكومة الانتقالية على دعم في الداخل وعلى المستوى الدولي».
وأصبح اللاعبون الدوليون هم الذين يقررون اللعبة السياسية والعسكرية في ليبيا التي انقسمت إلى حكومتين في داخلهما فصائل كل واحد متشرذم لجماعات قوى وفصائل مسلحة، فالإمارات العربية المتحدة ومصر وروسيا تدعم حفتر في الشرق، أما في الغرب فتعتبر تركيا اللاعب الرئيسي، وقد دعمت تركيا حملة باشاغا. ويخشى المراقبون من تغيير حفتر رأيه من العملية السياسية كما رفض اتفاق الصخيرات في 2015 والذي تشكلت حكومة الوفاق الوطني بناء على مخرجاته. علاوة على أن اتفاق وقف إطلاق الذي اتفق عليه في تشرين الأول/أكتوبر هش وتبادل الطرفان الاتهامات بخرقه.
لم يتغير شيء
وقالت «الغارديان» إن الكثيرين سيشعرون بالخيبة لأن العملية لم تقدم جيلا جديدا من القيادات ولكنها قامت بعملية تدوير للقيادات التقليدية التي أثبتت فشلا في لم شمل الليبيين وردم الخلافات الجهوية التي تميز البلاد منذ الإطاحة بنظام القذافي. وأي حكومة عادية تبدأ عملها في ظل وباء عالمي وكساد في سوق النفط ستجد نفسها مثقلة بالأعباء فما بال حكومة تواجه هذه الرزمة من المشاكل وتتمتع بتفويض محدد واؤكلت إليها مهمة بناء عملية سياسية وتقديم الخدمات وحل مشكلة السلاح والميليشيات والمرتزقة ومواجهة رموز مثل حفتر ظلت مهمته هي تخريب أي عملية سياسية.
فقد هاجم طرابلس في نيسان/إبريل 2019 بدعم من الإمارات ومصر والسعودية في وقت كان فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريش يحضر لمؤتمر عام في مدينة غدامس لحل الخلافات والبحث عن تسوية سياسية. ومع ترحيب الدول المعنية بالأزمة الليبية بالاتفاق إلا أن الحكومة الجديدة هي خطوة على الطريق، وهي كما يقول الباحث في معهد تشاتام هاوس في لندن، تيم إيتون «ليست نتاجا لعملية مصالحة وطنية» بل «خرجت من خلال صفقة سياسية أو اتفاق مشاركة في السلطة ولا تزال الكثير من عناصر النزاع قائمة». وأضاف في تصريحات نقلتها صحيفة «فايننشال تايمز» (5/2/2021) أن الحكومة الجديدة ليس لديها تفويض قوي لأنها حصلت على دعم 39 من 75 مشاركا في ملتقى الحوار الوطني الليبي. وأضاف أن علينا الانتظار ومعرفة الطريقة التي سترد فيها القوى الخارجية التي ستلعب دورا في التأثير على الحكومة الجديدة. ويرى إيتون أن السلطة الجديدة ليست لديها رؤية جديدة أو برنامج واضح. وبالتالي فهي بحاجة إلى عقد صفقات مع عدد من القوى المؤثرة «أعتقد ان هناك الكثير من الفصائل المؤثرة التي منعت من هذه العملية». و»علينا الانتظار ورؤية الكيفية التي ستوسع من تحالفاتها». وكما تقول صحيفة «وول ستريت جورنال» (5/1/2021) فالحكومة الجديدة مرتبطة بلاعبين سياسيين مؤثرين ومصالح في ليبيا، فعبد الحميد دبيبه هو قريب لعلي دبيبه الذي يعد من أثرياء البلاد. وكان وزيرا في حكومة القذافي وتم التحقيق معه بعد الإطاحة بالديكتاتور. ويرى جليل الحرشاوي، الخبير في شؤون ليبيا بالمبادرة الدولية للجريمة المنظمة العابرة للحدود إن النتائج هي تعبير عن المصالح الذاتية ولكنها شكل من البراغماتية.
مرتزقة
لكن الطريق لحل الأزمة الليبية يظل غير واضح في ظل وجود أكثر من 20.000 مرتزق في ليبيا من سوريا وتشاد والسودان وروسيا، بالإضافة لقوات تركية ومقاتلات روسية أرسلت لدعم حفتر بعد هزيمته في طرابلس. فالخلطة من المصالح الأجنبية أدت إلى زعزعة استقرار المنطقة ومحاولة كل دولة تأمين مصالحها في دولة لديها أكبر احتياطي للنفط في أفريقيا وتحولت بفعل الفوضى لبوابة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا ووجدت فيها الجماعات الجهادية ملجأ كما فعل تنظيم «الدولة» عندما سيطر على مدينة سرت، مسقط رأس العقيد القذافي. ووجدت روسيا فرصة لتعزيز وجودها في ليبيا عندما سيطر مرتزقة شركة فاغنر الروسية على منشآت نفطية حيوية العام الماضي. وتواصل تركيا وروسيا والإمارات العربية المتحدة دعمها للأطراف المتحاربة بالسلاح غير آبهة للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تصدير السلاح إلى ليبيا. ووصلت عشر رحلات جوية من روسيا محملة بالمعدات القتالية وخمس طائرات من تركيا في كانون الثاني/يناير.
وكشفت شبكة «سي أن أن» (22/1/2021) في تحقيق لها أن المرتزقة العاملين في فاغنر قاموا بحفر خندق كبير مما يشير إلى أنهم لم يخرجوا أو لن يغادروا البلد. وكان من المتوقع مغادرة هؤلاء المرتزقة وغيرهم ليبيا يوم 23 كانون الثاني/يناير حسب اتفاق السلام الذي رعته الأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر 2020. ولاحظ مسؤول استخباراتي أمريكي أن الخندق هو دليل على أن فاغنر التي تعتبر ليبيا أكبر ساحة لها في العالم تقوم بـ «بالتحضير لإقامة طويلة». ويمتد الخندق على مساحة عدة كيلومترات جنوب المناطق الساحلية المأهولة بالسكان في سرت إلى الجفرة التي تسيطر عليها فاغنر، وتم رصده عبر الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية وتم تزويده بحمايات مدروسة. وقال المسؤول الإستخباراتي الأمريكي إن الخندق هو سبب يجعلنا «نرى ألا نية أو أي تحرك من القوات التركية والروسية للالتزام بشروط الاتفاق، وهو ما يعرقل العملية السلمية الهشة واتفاق إطلاق النار. ونحن نواجه عاما صعبا أمامنا». ووصف تقرير سري للأمم المتحدة مقاتلي فاغنر بـ «القوة الفعالة المضاعفة». وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العام الماضي نفيه وجود قوات روسية في ليبيا وإن وجدت فهي لا تمثل روسيا. ورغم حظر السلاح على ليبيا إلا أن مفتشي الأمم المتحدة سجلوا عددا من الرحلات الروسية إلى ليبيا خلال عام 2020. وأشارت القيادة المركزية «أفريكوم» إلى الوجود الروسي في ليبيا وقالت إنه مشابه لما يجري في سوريا. وقال دبلوماسي غربي على معرفة بحركة السلاح إلى ليبيا إن الطائرات الروسية انخفضت رحلاتها من 93 في وقت الذروة إلى مجموعة قليلة في نهاية 2020. مشيرا إلى أن تركيا كانت تقوم بنفس العدد من الرحلات. ولكن تركيا صريحة حول وجودها العسكري في ليبيا لدعم عمليات التدريب الدفاعي لحكومة الوفاق الوطني. وقال مسؤول أمريكي إنها جهود شاملة وقاموا ببناء منشآت وجلبوا الجنود والمعدات وأحضروا بطاريات هوك للدفاعات الصاروخية ورادارات 3 دي. وأظهرت صور فضائية تعديلات في ميناء الخمس والتي تقترح أنه يتم تحضيره لكي يكون قاعدة عسكرية تركية دائمة مع أن وزير دفاع حكومة الوفاق الوطني نفى هذا.
وقال مسؤول أمريكي إن المرتزقة السوريين الذين دعموا حكومة الوفاق الوطني تم استخدامهم في مكان آخر وهو دعم أذربيجان في أثناء الحملة ضد أرمينيا في إقليم ناغورو قرة باغ.
المرتزقة السودانيون
وكشف تقرير لجنة الخبراء في الأمم المتحدة عن ليبيا، عن بعد آخر لتعقيد مشكلة المرتزقة وهو الدور الإماراتي. ونشرت مجلة «فورين بوليسي» (4/2/2021) مقالا حول التقرير الأممي الذي كشف عنه في كانون الثاني/يناير وقالت فيه إن الإمارات العربية المتحدة تواصل استخدام المقاتلين السودانيين لمواجهة الحكومة المعترف بها دوليا في ليبيا. وأشار التقرير إلى أن أبو ظبي فتحت خطوط اتصال مباشرة مع الجماعات السودانية المسلحة ومعظمها من دارفور تقاتل في حرب الوكالة الليبية دفاعا عن أمير الحرب حفتر. ويرى الخبراء أن الاتصال المباشر بين الإمارات والجماعات المسلحة السودانية وتجاوزها لحفتر وقواته يكشف عن شهية لدور مباشر لها في النزاع ويعبر عن عدم الثقة بالجنرال الآبق. ومن خلال تحويل الدعم الإماراتي للجماعات السودانية فإن أبو ظبي تكون جاهزة لدعم أي زعيم بديل عن حفتر حالة ظهور واحد.
وقيم المفتش العام بوزارة الدفاع الأمريكية في العام الماضي في تقرير له حول عمليات مكافحة الإرهاب في شمال أفريقيا أن الإمارات ساعدت بشكل محتمل نشاطات المرتزقة الروس التابعين لفاغنر في ليبيا. ونفى السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة وبشدة المزاعم. وبحسب تقرير الأمم المتحدة فقد التقى قادة الجماعات المسلحة في دارفور وبشكل مستمر مع المسؤولين الإماراتيين في مدينة بنغازي الليبية. وذلك لمناقشة الدعم اللوجيستي والمالي الذي تحتاجه هذه الجماعات. ويكشف التقرير الكيفية التي طورت فيها الإمارات علاقات مع قادة كبار لهذه الجماعات وقضى اثنان منهم أسابيع في الإمارات العام الماضي، حيث التقيا عددا من كبار المسؤولين الأمنيين في البلد.