حوامل «إملشيل» في المغرب يكتبن أسطورة سيزيف بدم النفاس

الطاهر الطويل
حجم الخط
0

الناشط باسو أوجبور يرصد جوانب من معاناة نساء ريفيات

الرباط ـ»القدس العربي»:  في أعلى مرتفعات جبال الأطلس الكبير الشرقي للمغرب تربض بلدة «إملشيل» والقرى التابعة لها. هناك، على ارتفاع 2300 متر عن سطح البحر، ومع اشتداد وطأة قرّ الشتاء وصقيع الثلج، تتكرر كل سنة حكايات معاناة أسر تعيش العزلة والحصار لأيام عديدة، نتيجة وعورة المسالك الطرقية وتعثر حركة المرور.

طقس بارد جدا وجاف، ودرجة حرارة تنزل شتاء إلى ما دون 18 درجة تحت الصفر، واقتصاد يعتمد على الزراعة المسقية وتربية المواشي خاصة الأغنام، وكذلك التجارة والسياحة الجبلية. وتعداد سكاني تجاوز، حسب الإحصاء الأخير، 31000 نسمة، موزعين على خمس جماعات قروية تابعة لمركز دائرة إملشيل هي: جماعة إملشيل، وبوزمو، وأوتربات، وأموكر، وأيت يحيى.
المعاناة تشتدّ في تلك التجمعات البشرية المتفرقة، حين يمرض أحد أفراد الأسر المستقرة، أو حين تحتاج امرأة حامل إلى إنقاذ عاجل من أجل الولادة. وكثيرا ما يُطلق شباب «إملشيل» نداءات استغاثة، وينظّمون حملة توعية تدعو المسؤولين إلى توفير الظروف من أجل تجنيب النساء الحوامل خطر المأساة، فكم من امرأة حامل لقيت حتفها جراء مضاعفات الولادة، وأحيانا يكون ذلك قبل الوصول إلى المستشفى الإقليمي لمدينة ميدلت التي تبعد عن «إملشيل» بحوالي 200 كيلومتر.
باسو أوجبور، ناشط جمعوي وفنان متعدد المواهب، يروي لـ»القدس العربي» جوانب من سيرة أبناء وبنات بلدته، فيقول:
«النساء هنا بأعالي الأطلس الكبير يكدحن الى جانب شقائقهن الرجال دون كلل أو ملل. كل الأعمال مقسمة بالتساوي بين الذكور والإناث، في الحقول يتولى الرجل شؤون الريّ، لأن دورة السقي قد تتزامن مع ساعة متأخرة من الليل. أما الأسمدة العضوية فهي التي تنثر أكوامها على التربة تمهيداً للحرث، ويحرث الرجل فتجمع المرأة جذور النباتات. في ما يخص تربية المواشي تختص المرأة بتربية الدجاج والبقر ويحرص الرجل على تربية الأغنام والماعز والبغال. أما حطب التدفئة والطهي فيحطب الرجل الأخشاب التي تتطلب مجهودا عضلياً، وتحطب المرأة نباتا شوكيا للتدفئة يُدعى بالأمازيغية «أزمروي» يتطلب سحبه مهارة تقنية أكثر من مجهود عضلي».
ويتابع قائلا: «في المطبخ أيضاً للرجل دور كما هو شأن المرأة، تختص المرأة بالخبز والكسكس والحريرة، ويتفنن الرجل في الطجين والشاي والكباب. النسيج بدوره تسهر المرأة فيه على نسج الجلباب والسلهام والحنديرة النسوية، ويتقن الرجل نسج الجوارب والقفازات وسراويل وقمصان الصوف بمهارة. أما الغسيل والتنظيف فالرجل يغسل ملابسه وتغسل المرأة ملابسها. فلا غرابة أن ترى النساء يكدحن في الحقل مثلما ترى الرجال تماماً، فقط يبدأ دور الأنثى مباشرة بعد دور الذكر».
ويؤكد أن لقبائل أيت حديدو التي تقطن المنطقة عادات وتقاليد ذات خصوصيات متميزة جعلتها حقلاً للأبحاث السوسيولوجية والأنثروبولجية، أسالت حبر أقلام العديد من الباحثين، خاصة الغربيين منهم، أمثال: الأمريكي دافيد هارت، والألماني هلموت هيس، والفرنسي ميشيل بيرون، والنمساوي فولفجانغ كراوس، والفرنسية ميشيل كاسرييل، وجاك بيرك، وهنري بوسكيت وأخرين. من بين هؤلاء الباحثين من يقصد المنطقة للبحث والتنقيب فيعود أدراجه دون أن يكتب صفحة أو أن يستنتج أو يستخلص شيئاً من تركيبة مجتمعية معقدة قد لا يفلح في فك شفرتها إلا القلة القليلة التي تستطيع أن تنفذ الى عمق روح الأنثى في تلك الجبال الوعرة.
ويستطرد أوجبور قائلا: في هذه المنطقة تتجدد المعاناة مع كل فصل الشتاء، حيث تنزل درجة الحرارة إلى أدنى مستوياتها في جبال الأطلس الكبير، فتتجمد كل السوائل إلا الدماء في شرايين النساء الحوامل اللواتي يرمقن مصيرهن ومآل الأجنة في بطونهن بعيون دامعة حزينة. يتحملن بصبر أيوب عليه السلام قساوة الطبيعة وبرودة المنطقة ويواجهن واقعهن بإرادة فولاذية، ولسان حالهن يردد شعار: التحدي، الحياة أو الموت.
مستشفى «إملشيل» عبارة عن بناية تنتصب على قارعة الطريق، وتركن على بابها سيارات الإسعاف رباعية الدفع مما يحمد عليه مجهود الدولة في هذا الجانب، ودار الأمومة أيضًا تسهر على مواكبة الحوامل اللواتي يقصدنها إذا ما قصدتها إحداهن. لكن من يقنع كادحة تشتغل في الحقل والجبل وتهتم بالمواشي وهي حامل، أن تنام على سرير الفحص والمواكبة المستمرة وهي لا ترضى أن تترك أبناءها، أو تجوع بقرتها أو يضيع عملها؟ معظم النساء الحوامل يباغتهن المخاض فيلدن في البيوت وأحياناً في العمل.
يتذكر ابن إملشيل سيدة جاءها المخاض وهي تحزم رزمة من الحطب مع رفيقاتها في الجبل، ولدت بشكل طبيعي فقطعت الحبل السري للمولود، ومزقت لباسها، وجعلته قماطاً للصبي، فأرضعته، وتجمعت حولها النساء لمساعدتها، وأصرّت في الأخير على حمل حطبها على ظهرها متأبطة ولدها بين ذراعيها حتى البيت.
يتساءل: هل تقبل يا ترى مثل أولئك النساء أن يرقدن في دار الأمومة أو المستشفى وينتظرن المخاض؟ ليجيب: لم ولن يفكرن في المستشفى، إلا تلك التي تعسرت عليها الولادة الطبيعية، وتلك التي تضع قدمها الأولى في الحياة والقدم الأخرى في الموت. في مثل هذه الحالات، بماذا يُجدي المستشفى أو دار الأمومة في غياب أخصائية التوليد؟ وبماذا تفيد سيارة الإسعاف، ولو كانت رباعية الدفع ومريحة جدًّا؟ قلة الكوادر والأطقم الطبية في المستشفى تجعله مجرد بناية إسمنتية بلا روح.
مدينة ميدلت عمالة الإقليم لا تتوفر إلا على أخصائيتين في التوليد تتناوبان في المستشفى الإقليمي، بينما تتناوب أخصائية أخرى على مدينة الريش وبومية. أما «إملشيل» فما على الحوامل إلا أن يضعن حملهن في البيوت بشكل طبيعي إذا كانت حالة الأم والجنين سليمة. أما إذا تعسرت الولادة فلن تنفعها سيارة الإسعاف في قطع مسافة تفوق مائتي كيلومتر نحو المستشفى الإقليمي بميدلت، وحينئذ تعيد الأسطوانة معزوفة حوامل إملشيل الحزينة.
في أوج فصل الشتاء، تهب على إملشيل عاصفة ثلجية ترتعش لبرودتها الأبدان، وترتعد منها النساء الحوامل خوفًا من انقطاع المسالك والطرقات، ورعبًا من المخاض تحت البياض الذي يذكرهن بلون الكفن.
جلّ الحوامل اللواتي يُصبن بنزيف داخلي خلال المخاض فيكون مصيرهن الموت. الكثير من العائلات ماتت أمام أعينها حوامل دون حول ولا قوة. حتى باسو أوجبور نفسه يكشف لـ»القدس العربي» أنه فقد أختين عزيزتين وافتهما المنية بسبب نزيف داخلي أثناء الولادة، الأولى ماتت هي وجنينها، والثانية ماتت مباشرة بعد ولادة توأمتين قبل أن تلحق بها الصبيتان بعد يومين. تركت الأخيرة ثلاثة أطفال أيتام في أشد مرحلة يتمسك فيها الأبناء بالأمهات، وكان ذلك بقصر أكدال جماعة بوزمو.
مرارة فقدان أختين عزيزتين على قلبي ـ يقول المتحدث ـ أجبرت قريحتي على كتابة قصيدة رثائية أمازيغية تحت عنوان « تيزيري»، وتعني المخاض؛ تحكي القصيدة تكرار معاناة الحوامل بطريقة سيزيفية مع كل فصل الشتاء وترثي اللواتي غادرن الحياة مع الولادة الأولى لهن. تصف القصيدة واقع الحوامل المؤلم الذي يمس العواطف والأحاسيس ويحرك وسائل التواصل الاجتماعي التي تحرك بدورها الشباب خاصة طلبة الجامعات الذين يتناولون الموضوع باستنكار وتنديد، كل واحد من زاويته الخاصة.
ما برح الشباب ينظمون وقفات احتجاجية سلمية أمام البرلمان في الرباط، وفي رحاب جامعة مكناس وكذلك أمام مستشفى إملشيل. هذه السنة أيضاً عادت التنديدات الى شاشات الحواسب والهواتف متحدة على «هاشتاغ» بعنوان «حوامل إملشيل جريمة ضد الإنسانية».
وتقول إدارة الصحة في إقليم ميدلت إنها منخرطة حاليا في عملية «رعاية» التي تستمر حتى 30 آذار/مارس، وتشمل تنظيم حملات طبية متخصصة لا سيما في أمراض النساء والتوليد، وإحصاء النساء الحوامل ونقلهن إلى المستشفيات ودور التوليد، ورصد معدات لوجيستيكية من سيارات إسعاف وسيارات رباعية الدفع وحصص من الأدوية ومعدات طبية وأوكسجين ومعدات التدفئة للمستشفيات، بحسب ما ورد في معطيات أوردتها صحيفة «لوماتان» الصادرة بالفرنسية.
أمام قتامة الصورة وقسوتها، يقول باسو أوجبور إن كل الضمائر الحية في المنطقة تسعى إلى إيجاد الحلول المناسبة لهذه المشكلة التي تدمع العيون، وتقلق العقول، كما تحزن القلوب الرحيمة. جمعية «أخيام» تبحث وتجري الاتصالات مع كل الجهات الرسمية وغيرها لعلها تجد كوادر طبية متطوعة، لا تبتغي في عملها النبيل غير العمل الإنساني وإرضاء الضمير وترسيخ قيم العدل الاجتماعي.
وبحسرة، يختم شهادته قائلا: إن حوامل إملشيل يكتبن أسطورة سيزيف على أكفانهن بدم النفاس ويردد الأيتام البيت الشعري للشاعر بدر شاكر السياب: «سيزيف إن الحجر ما أثقله».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية