في منجزه «الهايكوي» الثالث «العصافير من سلالة الرياح» الصادر سنة 2017، والمترجم إلى لغات عدة الإسبانية، الإنكليزية، الروسية، الفارسية، يواصل عذاب الركابي عزفه المنفرد على إيقاع يسابق الريح، ونسج أشبه بصوت العصافير، ويوقّع حضوره المتجدد بعد توقيعين لافتين «ما يقوله الربيع» و»رسائل المطر»، إنها تجربة تختلف باختلاف محمولاتها، وترفع من وتيرة «التجاوز» بكلّ مبتغياته، تفعيلا لكلّ اللقطات الماردة/النصوص الومضة، ومحاولة للقبض على اللحظة «المسحورة»، التي تضعنا في مواجهة نصوص بألف معنى، وألف تأويل، نصوص تكفر بالحيّز الضيّق، وتتمرّد عليه، محدثة خلخلة في المفاهيم المدرسية «الينبغية» التي تعاملها كقطعة قماش تخضع للقياس.. فلم يتخلّص الشاعر من حسّه النّقدي، ولا من رغبته الدّائمة في التنكّر للسائد، والبحث عن المختلف، فعزفه «الهايكوي» يمثل «كتابةً هي بعد الكلمات، وفروسية خيال بعد الخيال، وبلاغة البلاغة..» (المقدمة) ..تلك فلسفة «الهايكو»، وهذه العصافير التي من سلالة الرياح تتمطّىّ لها:
« العصافير والبلابلُ متفقان على أنّ صداقة العواصف كذبٌ.. ووهمٌ!»
فلسفة التأمل..أو نشيد التحرّر:
لم تشذّ هذه المجموعة الشعرية عن فلسفة «الهايكو» القائمة على التأمل، والتماهي بالطبيعة استحضارا لنبضها، وإصغاء لكلّ تجلياتها الجمالية، هذه الفلسفة التي لها امتدادات تاريخية عميقة تعود في أصولها إلى «الزن» بوصفه مذهبا تأمليا في الحضارات الشرقية، خصوصا البوذية منها، حيث الوعي بكلّ توقيعات هذا الوجود، واستقطاب ترديداته التي لا يترجمها إلاّ الشعر بوصفه ناقلا ومترجما لهذه المضمرات، فتنبثق الرؤى، وتتكثّف الصور وتتعاضد بشكل لولبي محدثة رجّة في المتلقّي، ومشتغلة على أوتار وعيه وانفعالاته:
«كلام الوردة:
عطر
كلامُ العصافير:
غناء
كلام الريح:
فوضى
كلام النّهر:
ماء
وكلام الشاعر بعد الكلام..»
إنّنا نسترق السمع إلى نبض الطبيعة من خلال هذه المجازات المفتوحة، الحافرة في اللانهايات، القائمة على خلخلة السّائد بتركيز عال، وجرعات قليلة غير أنّها ناجعة في تحريك الساكن، ورفع درجات توتّره، بفعل سحر الساحر عذاب الركابي، وهو ينفخ من روحه تبتلات المعنى:
«لامعنى لدورة الزّمن
من دون عصفور يغنّي،
ووردة تتفتّح،
وموجة تتناسل أشرعة..
وزوارق..»
خطْبٌ ما يخلق من المعنى السطحي معنى أعمق، معنى يتجاوز كلّ الأسئلة المشرّعة، والنهايات «المتوقّعة»، فالنهاية هنا هي نقطة البدء «لا معنى..» ولم تكن أبدا عامل ثبات، بلْ «مقْلب» انشطار يكسْرُ الجمود، ويؤثث الفراغات – وإن كانت موحشة:
«يموتُ العشبُ حين يتطاول على الماء..
تضمرُ الموسيقى حين تسخرُ
من الرّقص..
ويطول عمرُ الكلمات في الألم..»
ثمّة حالة انسجام تامّ بين متواليات هذه المجموعة الباحثة عن مَلاذات قد لا تكون اعتباطية في النّهاية.. ملاذات ينفخ فيها الشاعرمن نفسه الشّعري، ويهبها المتلقّي على طبق من فيوضات باذخة التأويل، هفهافة التجلّي حدّ التّبتّل:
« الخطى: أحلام القُبلُ: أطفال الشهوة: سلطة المكارمُ : سنابلْ..»
إيقاعُ الخيبةِ..أو حينَ تجرحنا النهايات:
من الظواهر اللاّفتة في هذه المجموعة نزوع الشاعر أحيانا إلى استقطاب ثنائيتيْ الغياب/الحضور وإنْ شئنا ثنائيتيْ الهدأة/الفجأة مستغلا في ذلك توليفة إيقاعية مبنية على تكرار لازمة بعينها:
«عادلةٌ في قانونها قطرة المطرْ
عادلةٌ في تبرجها الياسمينةُ
عادلةٌ في ذهاب بريقها السنابلُ
وليستْ عادلة هي الحروب!»
إنّ ترديد ملفوظ «عادلة» لم يكن فعلا معزولا بقدر ما كان حالة شعرية لها مآل صادم في النهاية، ففي المقاطع الثلاثة الأولى، يبدو الوضع مستتبّا لا توتّر فيه، سرعان ما تفرض النهاية غير المتوقّعة تخييما صادما يلقي بظلاله على الحيّز الشعري ككل:
«…عادلةٌ
هي الحروب»
فهذه المفارقة العجيبة التي تفرض اتصال ندّينْ لا يلتقيان «الحرب/العدل» بعد حالات انسجام تامّ لا تتكرّر إلا عند عذاب الركابي بشكل موجع:
«ثمّةَ أملٌ يزين الأفقْ
ثمّة أحلامٌ تبهجُ الوجدان..
وثمّةَ أحزانٌ تهدّد ذاكرة الطفولة..»
إنها فلسفة الحزن في الشِّعر ربما، أو نوتة أخرى من نوتات «العصافير ليست من سلالة الرياح» يلفّها الشاعر بكثير من التسبيح لجلالة المعنى، وكثير من الغرابات أيضا بعيدا عن «الاستعراض» اللغوي، قريبا أقرب إلى الإدهاش. إنها نصوص «تُقرأ بالعين والقلب معا، بلْ بكامل الجسد.. وبكلّ طقوس الصمت المقدّس القريب من الصلاة والخشوع.. وفي ذهول هو الأقرب إلى ذهول مغرم بتفاصيل أنثى ولدتْ من رحم قرنفلة جريحة…» هكذا يوطئ عذاب الركابي مجموعته الشعرية الباحثة عن موكب فراشات يحرّر ورود المعنى بكثير من الإبهار، كثير من التجلّي والتسبيغ:
«صديقان وقتيان
بينما
النّورُ والمحبّة
صديقان أبديان»
كاتب جزائري