انشقاق في أكبر أحزاب المعارضة التركية وأردوغان يعتبره “بداية تفكك” للحزب

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول –”القدس العربي”: عقب سنوات من الخلافات مع قيادة الحزب، أعلن محرم إنجي المرشح السابق للرئاسة التركية استقالته رسمياً من حزب الشعب الجمهوري، ليكون ذلك بمثابة أهم انشقاق في أكبر أحزاب المعارضة التركية في العقود الأخيرة، وهو ما دفع الرئيس رجب طيب أردوغان لاعتبار أن ما يجري هو “بداية تفكك” للحزب الذي كان يعمل على إعادة ترتيب صفوفه وتحالفاته في مسعى للإطاحة بالعدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة.

وكما كان متوقعاً، أعلن محرم إنجي في مؤتمر صحافي عقده، الإثنين، أنه سوف يستقيل رسمياً عقب المؤتمر من حزب الشعب الجمهوري عن طريق موقع الخدمات الحكومية الإلكترونية على أن يقدم مذكرة الاستقالة المكتوبة إلى قيادة الحزب خلال هذا الأسبوع، قاطعاً الطريق بشكل نهائي على أي مبادرة لإنهاء الخلافات بينه وبين قيادة الحزب التي هاجمها بقوة خلال المؤتمر.

وقال إنجي: “أفصل طريقي عمّن يتوسلون الديمقراطية من الولايات المتحدة الأمريكية، أفصل طريقي عن حزب الشعب الجمهوري المزيف، سأفصل طريقي عمّن لا يفقهون معنى الوطن الأزرق”، كما وجّه إنجي عدة انتقادات لمواقف الحزب الرافضة للتدخل العسكري التركي في ليبيا وأذربيجان.

ويُتوقع أن يتّجه إنجي إلى تشكيل حزب سياسي جديد في تركيا، إذ استقال نهاية الشهر الماضي ثلاثة نواب في البرلمان من الشعب الجمهوري بسبب الخلافات الداخلية في الحزب، ويُتوقع أن يشهد الحزب مزيداً من الاستقالات لأشخاص سوف ينضمون إلى الحزب الجديد الذي ينوي تشكيله.

وبات إنجي من أبرز قيادات حزب الشعب الجمهوري وزاد وزنه في الحياة السياسية التركية بعدما خاض الانتخابات الرئاسية مقابل أردوغان عام 2018 حيث قدم مدرس الفيزياء أداءً غير مسبوق في الحملة الانتخابية وتمكن من فرض شخصيته كمنافس عنيد لأردوغان وأظهر قدرة عالية على الخطابة ونجح في ملامسة احتياجات الشارع التركي وخاصة فئة الشباب تمثلت في نجاحه بتنظيم مهرجانات انتخابية هي الأضخم في مسيرة الحزب على مدار العقود الأخيرة شارك بها مئات الآلاف في إزمير وإسطنبول وأنقرة.

ورغم خسارته بفارق كبير أمام أردوغان، إلا أن أنجي تمكن من حصد أكثر من 30٪ من أصوات الناخبين الأتراك، وذلك بزيادة أكثر من 5٪ عن أصوات مرشحي الحزب للانتخابات الرئاسية، وبفارق أكثر من 8٪ عن نسبة الأصوات التي حصل عليها الحزب بشكل مباشر في الانتخابات البرلمانية.
هذا النجاح دفع إنجي لزيادة انتقاداته لقيادة الحزب حيث اتهم زعيمه كمال كليتشدار أوغلو بأنه “جبان ولا يقوى على خوض الانتخابات الرئاسية ويتبع سياسات دكتاتورية يحاول من خلالها إزاحة معارضيه ومنافسيه داخل الحزب”، وبدأ حراكاً واسعاً من أجل الإطاحة بكليتشدار أوغلو من قيادة الحزب بعدما بات يرى أنه أحق بقيادته بعد النتائج الإيجابية التي حصل عليها في الانتخابات الرئاسية، ورغم نجاحه في جمع تواقيع لعقد مؤتمر عام للحزب إلا أن كليتشدار أوغلو نجح في إعادة ترتيب صفوف الحزب وإزاحة إنجي والموالين له من دوائر صنع القرار في الحزب.

وبعدما فشل في الوصول لقيادة الحزب، بدأ إنجي حراكاً شعبياً تحضيراً لإنشاء حزب سياسي جديد في البلاد، ومع إعلان استقالته رسمياً يفترض أن يسرع خطواته نحو الإعلان عن حزبه الجديد وهو ما سيرافقه مزيد من الاستقالات من المستويات القيادية والشعبية المختلفة في الحزب للانضمام إلى إنجي، لكن التوقعات لا تشير حتى الآن إلى انقسام كبير وإنما استقالات محدودة.

ومع استقالة النواب الثلاثة، انخفض عدد مقاعد حزب الشعب الجمهوري في البرلمان التركي من 138 إلى 135، من إجمالي 600 مقعد، وفي ظل التنافس الكبير جداً بين الأحزاب وتقارب حظوظها في أي انتخابات مقبلة، فإن أي انشقاق ولو محدود يلقي بآثاره السلبية القطعية على الحزب الأم، على غرار ما شهدته العديد من الأحزاب التركية في الآونة الأخيرة وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية الحاكم.

هذا الحراك الكبير داخل أطر حزب الشعب الجمهوري، سبقه حراك أكبر داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي انشق عنه عدد ليس قليلا من القيادات التاريخية الكبيرة، حيث انشق رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو مشكلاً “حزب المستقبل”، قبل أن ينشق وزير الاقتصاد السابق علي باباجان مشكلاً “حزب التقدم والديمقراطية”، وسط ابتعاد للرئيس السابق عبد الله غول وعدد من القيادات عن حزب، وتكهنات بإمكانيات انضمام الأحزاب الجديدة المنشقة من رحم العدالة والتنمية إلى تحالف المعارضة الانتخابي أو تشكيل تحالف انتخابي ثالث.
وسبق ذلك أيضاً، الانشقاق الذي عصف بحزب الحركة القومية حليف أردوغان في السلطة، حيث انشقت نهاية عام 2017 القيادية البارزة ميرال أقشنار مشكلة “حزب الجيد” الذي نجح في دخول البرلمان والتحالف مع المعارضة التركية، وحديثاً تظهر تكهنات حول إمكانية حصول حراك داخل حزب الجيد الذي قد يشهد هو الآخر انشقاقاً جديداً.

ورغم أهمية كافة الانشقاقات السابقة، إلا أن الحراك المتصاعد داخل أروقة حزب الشعوب الديمقراطي -الكردي- يعتبر الأبرز في هذه الفترة، حيث تدور تكهنات حول إمكانية حصول انشقاق كبير داخل أروقة الحزب بسبب الاتهامات له بالتعاون مع “بي كا كا”، وهو الانشقاق الذي قد يمهد الطريق أمام الحكومة لإغلاق شق الحزب الأصلي، حيث أن أي انشقاق داخل البيت الكردي -الشعوب الديمقراطي- سيعزز رواية الحكومة بأن أجنحة بالحزب تقدم الدعم فعلياً لتنظيم بي كا كا.

وبشكل عام، فإن هذه الانشقاقات وما نتج وسينتج عنها من أحزاب جديدة سيفرض بلا شك على التكتلات الكبرى إعادة حساباتها وتكتلاتها الانتخابية كما يتوقع بقوة أن تفرز تكتلا انتخابيا ثالثا بعيداً عن تكتلي الموالاة الذي يضم العدالة والتنمية والحركة القومية، وتكتل المعارضة المدعوم من الشعب الجمهوري و”الجيد” والشعوب الديمقراطي، ليعاد رسم الخريطة الحزبية والسياسية في البلاد من جديد، وهو أمر يجعل من تكهن نتيجة الانتخابات المقبلة أمراً معقداً لحين اكتمال المشهد السياسي الجديد في البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية