الحب الفلسطيني في المقاهي الفلسطينية
زياد خداشالحب الفلسطيني في المقاهي الفلسطينيةمقهي زريابفي مقهي زرياب، غالبا ما يبدأ الحب من نظرة، هو مقهي النظرات الاولي، ويا ليتها تبقي نظرات، فالاذكياء والعميقون يبقونها كذلك ويستمتعون بالانتظار والتخيل والتوهم، اما المتلهفون السطحيون العاديون فلا يصبرون، ويطلبون ما بعد النظرات، فيفاجأون بما ينتظرهم من العادي والمتعب، امرأة ضجرة تجلس وحيدة في اقصي اليسار، الشمس الشتوية، تكسر ملابسها وتغسل قلبها، الافق امامها ينتظر عينيها لتنتهكه باحزانها واوهامها ومتاعبها، الافق يتحمل كل متاعب الاخرين، يا له من تل صبور مسالم، لا يحرم احدا من ان يسقط عليه كل آلامه واحلامه، انه يعطينا الفرصة الشاسعة لان نتكيء علي كتفه نبكي او نموت او نحلم او نسافر، نتخيل غيومه مستقبلنا، وشمسه الغائبة حزننا، وشجيراته محطاتنا، وهكذا الخ، الرجل ينتظر صديقه، لكن صديقه لا يأتي، فقد انشغل بحادث بسيط لسيارته الرخيصة، وتلتقي العيون، ويتحرك الرجل كعادته، وتبتسم المرأة:ـ يا له من طقس رائع.ـ نعم نعم.ـ هل ممكن ان اقاسمك بضع قطرات من شمسك.ـ طبعا تفضل.وتبدأ رحلة الكذب،ويا لها من رحلة مخيفة.هو يعرف انها تكذب وهي تعرف انه يكذب، لكنهما يصدقان كذبات بعضهما، فالفراغ مخيف، مخيف.يأخذ رقم جوالها، يتصل بها بعد منتصف الليل، يتنهد ويقول كاذبا: ما زلت اقرأ في رواية الحمامة، بينما هو في الحقيقة يتحسس جسده وينظر متعرقا الي فضائية اباحية.تقول له: ما زلت افكر في كلامك، كلامك له رائحة عشب مريح تحت القدم العارية.يهتز السرير بعد لحظات ويسيل الليل، وبعد عام واحد يصبحان عدوين، حيت تمر عنه في الشارع تتقيأ وحين يمر عنها هو يضحك ويخبر اصدقاءه، عن غبية سقطت في هوته ذات زرياب بعيد.مقهي أوروبا انه مقهي المرايا، انه ينبهني الي فوضي وجهي وضياع ملامحي، ويسلمني الي ضراوة جوعي.النساء هنا مرهقات وحزينات وقليلات الكلام، فهن موظفات عائدات من مهنهن، جالسات لفترة قليلة في طريق العودة الي البيت، يلتقطن انفاسهن، وان وجدت امرأة مع رجل فاعرف فورا انهما متعبان من علاقتهما وانهما علي حافة الفراق، المرايا تصطف بانتظام علي يمينك حين تدخل كأنها جنود معادون محتلون يتأهبون لتفتيشك و التحقق من هويتك وانسانيتك، تصفعك المرايا وتصطادك بلا رحمة، تشتت هويتك، فلا تعود تعرف، ايهما انت: الذي في المرايا ؟ ام الذي في المقهي؟ اضطر في احيان كثيرة الي العودة الي المقهي لأسحبني من المرايا، اجرجرني امام المارة، واعود الي البيت لأجمعني وانام.مقهي موكارينا هناك يأتيني قويا وغادرا وهم الجمال والحصانة الداخلية، احس اني خارج لتوي من اجتماع مع ذهن العالم، الذهن الذي يخطط مسيرنا ويقترح نهاياتنا وبداياتنا. هنا استغني عن كل الاصدقاء، لا اعود اعرفهم، احب القراءة في هذا المقهي، محمد النادل الوسيم يعرف كم انا بحاجة الي الموسيقي لأقرأ واحيانا اكتب، فيشعل المكان انغاما خافتة، احسها احيانا شموعا لا انغاماً، يعطيني ابتسامات صغيرة محبة تفحص مدي انسجامي، فيسعد هو حين يراني ذائبا في الجدار او طائرا في الفضاء الصغير، حين تأتي امرأة لتجلس علي طاولة بجانبي مع صديقها او صديقتها ويصخب المكان بالثرثرات تتعالي داخلي صيحات الكبرياء و النشوة فيشتد حنيني الي هناك ويتوهج رنين العالم البدائي داخلي، كأني في سباق معهم، ايهما سيصل اولا الي الجبل، الجبل السحري، جبل توماس مان، انا واحلامي ونسور صمتي ووحشتي؟ ام هم بكلاب اكتظاظهم وجثث افكارهم و كلامهم؟ ومضغهم السريع للهمبرغر؟ لا احتاج الحب هنا، لا احتاج النساء، النساء هنا فائضات عن حاجاتي بل ومزعجات ولاهيات عن قفزات ذهني، ومملات وساحبات لطاقة الحياة والابداع، وفكرة الحب تبدو هنا اكلة ساندويش فلافل ساخن، بعد اكلة مسخن دسمة.مقهي الانشراحهنا يحلو لي البكاء الصامت، هنا اتلقي عادة خبر رحيل الاصدقاء وهنا ابكيهم واتذكرهم، هنا تلقيت خبر رحيل مروان برزق وهنا بكيت رحيل حسين البرغوثي وجمال يونس وعزت الغزاوي، هنا يحلو لي البكاء الصامت.هنا احب الاصدقاء، حبا مخلوطا بطعم الزعتر. مقهي ركباحب من هنا ان ارقب تفاصيل حركات المارة، نساء ورجالا، التفاصيل التي لا ينتبه لها احد، صوت ضحكة مكبوتة لامرأة محجبة، عرج صغير في قدم مدير عام يمشي مع ابنه، حزن سيدة فقيرة تقف امام محل ملابس فاخرة، تنهيدة شهوة حارقة في وجه مراهق، اراقب المطر وهو يمارس الحب مع قبعات النساء وحقائبهن الصغيرة، طفل صغير يقع فتنحني امه او اخته والمطر يشوش نظام رموشها، وهي ما بين السعادة والضيق، تحث صغيرها علي النهوض والسرعة. ليس هناك اجمل من امرأة تركض هاربة من مطر تعرف هي انه يحبها وتحبه، تركض لتستمتع بمطاردته لها، ويستمتع هو بهربها منه. هنا في ركب يختلط النظر السياحي بقهوة غاية في العذوبة، تخرج من يد عبد علوي النادل المبتسم دائما، هنا امارس الحب الفموي من وراء زجاج، مع امرأة تدعي مطر رام الله، انه الانثي التي تجرب ان تكون ذكرا، انه الذكر الذي يحب ان يتقنع بقناع انثي ويتحول الي ريح مبلولة. لمطر رام الله رائحة الدهشة الباكية لصورة شعرية جديدة تخطر فجأة علي بال شاعر مضطرب، عاني من عسر في الصور منذ سنين. الحب في ركب لا غيرة فيه علي احد، لا توتر لا مستلزمات، مثل قهوة علوي، هادئة ترتشف شفاهي وتمتص قلبي، وصامتة وموشكة علي النهاية تقعد في روحي ولا تغادر. الحبيبة التي امامك في ركب لا تغضب منك حين لا تنظر في وجهها وحين تنساها وتكف عن القول لها : اني احبك اكثر من المطر، انها تعذرك لانك واقع في مصيدة تفاصيل رام الله التي لا تقاوم، كذلك الحبيب، لا يستغرب ابدا ولا يفاجأ بعنق حبيبته وهو ينحني بعيدا عنه. هنا يأخذ الحبيبان اجازة صغيرة من نفسيهما. يتوقف كلام الحب والنظرات، ويبدأ كلام رام الله. مقهي سنغرياالمصدومات من نهاية علاقة طويلة و محمومة يهرعن الي هنا لاجئات الي دفء المكان وزجاجه المعتم قليلا واحترام النادلين الفقراء للخصوصيات، في هذا المقهي الحميم المطل الموازي للشارع الموار بحركة السيارات، غالبا ما تجد نساء جميلات غير مبتسمات يجلسن مع بعضهن البعض، يفضفضن عن احزانهن، يتوعدن الخائنين الرجال بحرب لا تحدث ابدا، لان سنة الحياة الغريبة غير العادلة تقرر دائما انتصار الرجال، انه مقهي المتروكات، المجتمعات الحائرات، المقتربات من بعضهن اقترابا يشبه رغبة في كسر قانون الغريزة وحرفها عن مسارها الممل الكريه.مقهي كتكاتبعد جولة الجنس الدموي الاولي يحلو القدوم الي هنا، انه مقهي الاستراحات ما بين جولة جنس واخري، يا له من مقهي فاخر وزجاجي في كل شيء حتي في نظرات نادليه، وفي ابتسامات الشخصيات المرسومة في اللوحات المعلقة، هيا نخرج قليلا نشرب القهوة ونتشمس، يقول المتوحش للمتوحشة، ولا يصلح لذلك سوي كتكات؛ حيث شمس رائعة تخرمش وجوه الجالسين واجسادهم، بعد قليل ستشب نار جديدة، في الجسدين المستريحين، سينز دخان خفيف من المسامات، دخان الرغبة الماكر، ستقول المتوحشة الجميلة والام لطفلين و القادمة من الشمال البعيد : هيا نعود الي غياب الشمس، اشتقت الي رائحة بطنك. يبتسم المتوحش البدوي الذي ترجع اصوله القريبة الي خربة في الجنوب، والذي يعمل مديرا عاما في احدي المؤسسات الكبري، والحاصل علي علامة خمسين في امتحان الثانوية، الذي لم يزر مؤسسته منذ شهرين، ينهض الشمال والجنوب، يذهبان الي جولة جنس اخري، يعودان بعدها الي الشمس الجاهزة، يهمس الجنوبي، لصاحب المقهي : كيف تقنعون الشمس بالمبيت هنا؟ ام انتم تستأجرونها؟ يضحك صاحب المقهي، ويقول مجاملا للجنوبي: كل شخص يأتي هنا يحضر معه شمسه، انها شمسك يا سيدي، وشمس متوحشتك. مقهي ستونزاذا اردت ان تتعرف علي صديقات اصحابك فتعال هنا، فالاصحاب هنا طيبون، حين تهاتف صديقا لك : يقول لك فورا دون ان يعي مخاطر دعوته: تعال انا مع فلانة وفلانة وفلانة، اركض فورا الي هناك، فصديقك المسكين ينسي هنا انك خطير جدا علي صديقاته، ليس لانه يثق بك، بل لان المقهي نفسه يسبب للجالسين فيه فقدان ذاكرة خفيفاً، ودواراً صوفياً حلواً، وان كنت انت من اصحاب النوايا الشهوية، فاعتقد فورا ان من السهولة الخروج برقم جوال احداهن، وسط ذهول الصديق الذي سيندم علي دعوتك، لن يتعلم الصديق الذي خدعته انت، وسلبت منه امرأة او اثنتين كما تسلب له قميصه الصيفي المكوي جيدا. ياه هل النساء قمصان ؟؟ هذا موضوع آخر، ان كل رجل يدخل هذا المقهي مع سرب نساء يقع دائما في فخ دعوة الاصدقاء الخبثاء، انها طيبة المكان التي تنقل عدواها اليك فتصبح طيبا جدا ونورانيا لا تعترف بالشر او اللصوصية،.ملاحظة مهمة جدا لأصحاب ومرتادي المقاهي المذكورةدوافع هذا النص هو هواجس خاصة اساسها علاقة فردية قد تكون مرضية او فنية او شيء آخر للكاتب مع المقاهي وهي لا تلزم احدا بتصديق ما اكتب وما اروي، فقد يعترض احدهم قائلا انه رأي في موكارينا حبا نظيفا وقويا ودائما، وقد يصيح البعض: نحن رأينا في كتكات نساء ضجرات وهكذا..اقول لهؤلاء: يا هؤلاء انتم لستم انا وانا لست انتم.كاتب من فلسطين0