نواب ينافسون الحكومة في زيادة الأعباء المالية على المواطنين… ويتامى مبارك يرفعون شعار «ولا يوم من أيامك»

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بين تجاهل تام ومرور عابر انقسمت أمس الخميس 11 فبراير/شباط صحف القاهرة على نفسها، تجاه الذكرى العاشرة لتنحي الرئيس مبارك الذي أدار سدة الحكم طيلة ثلاثة عقود، ففي يوم 11 فبراير 2011، ظهر عمر سليمان مدير المخابرات العامة على شاشات التلفزيون ليعلن تنحي الرئيس حسني مبارك، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، وضج ميدان التحرير وسط القاهرة بمظاهر فرح المحتجين، الذين اعتصموا فيه لنحو أسبوعين، وخرج مئات الألوف في مسيرات احتفالية. وجاء قرار مبارك بالتنحي عن السلطة بعد 18 يوما من الاحتجاجات المليونية، التي شهدتها القاهرة وعدد من المدن المصرية، تطالبه بالرحيل والتنحي عن الحكم، وكان مبارك قد قام بتفويض سلطاته لنائبه عمرسليمان.
وفي صحف أمس الخميس اتخذ كثير من الكتّاب الحيطة والحذر وسيلة للبقاء بمنأى عن التعرض لتوابع الذكرى الغالية على قلوب الأغلبية، التي أهدرت أعمارها في الوهم، مع الرئيس الذي ثارت عليه قبل عقد من الزمن، بعد انتظار ما لم يأتِ من أولويات الحياة الضرورية.. وآثر كثير من كتّاب الصحف، خاصة الكارهين لثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني عند التعامل مع الذكرى العاشرة للتنحي، في رجم الثورة وأتباعها والترحم على الرئيس الراحل، واصفين أيامه بأنها كانت “أيام خير”. وعاد للتداول شعار “ولا يوم من أيامك يا مبارك”، الذي سوقه من يعرفون من قبل خصومهم بـ”يتامى مبارك”، فيما وقف حشد من الكتّاب عند يقينهم القديم بأن ما نحياه حتى الآن من أزمات، سببه الوحيد الديكتاتور الذي بات نسياً منسياً، لكن بقيت خلفه الأزمات الكبرى، التي تعصف بالمصريين. وشهدت صحف أمس اهتماماً واسعاً بالقضية الفلسطينية وأشاد الكتّاب بالاجتماعات بين الفصائل التي شهدتها القاهرة، وعودة اللحمة بين الفرقاء الفلسطينيين.
ومن أخبار أمس الخميس السارة تراجع عدد المصابين بكورونا، وارتفاع معدل النمو الاقتصادي، وهو الخبر الذي استندت خلاله الصحف لمصادر دولية أشادت بالاقتصاد المصري، كما حفلت الصحف بعدد من المشروعات الجديدة، واهتمت كذلك بقانون المرور الجديد. وتابع البعض نقدهم لبعض المشروعات التي لا تقوم الحكومة بالتشاور مع المواطنين قبل تدشينها خاصة بعض الطرق والكباري. ومن الاخبار الحزينة، تغييب الموت الدكتور السيد العربي مصطفى استشاري الأمراض الجلدية في مستشفى العريش العام، بعد صراع مع المرض. ويعد العربي من الأطباء القلائل في مدينة العريش، الذي لم يرفع سعر تذكرة الكشف الخاصة به في عيادته الخاصة في العريش، حيث كان يقوم بتوقيع الكشف الطبي على المواطنين بسعر رمزي، وأحيانا كثيرة بالمجان.
كوميديا سوداء

من أهم معارك صحف الخميس ضد البرلمان تلك التي قادها أشرف البربري في “الشروق”: “استقر العُرف البرلماني في كل بلاد العالم من الكونغرس الأمريكى إلى برلمانات بلاد واق الواق، وبلاد تركب الأفيال على أن يكون دور البرلمان محاولة الحد من الأعباء المالية التي تحاول الحكومة فرضها على الشعب، لتدبير الاحتياجات المالية للدولة، انطلاقا من القاعدة التي تقول «للحكومات ضروراتها وللشعوب خياراتها» على أساس أن البرلمان هو ممثل الشعب وخياراته. ولكن يبدو أن أغلبية التشكيلة الجديدة لمجلس النواب، قررت أن تأتي بما لم يأتِ به الأوائل، فاختارت المزايدة على الحكومة في فرض الأعباء المالية على المواطنين. ففي تقرير الزميل أحمد عويس في جريدة “الشروق” عن الجلسة العامة لمجلس النواب يوم الثلاثاء الماضي، التي ناقشت تقرير لجنة الدفاع والأمن القومي بشأن التعديلات التي أدخلتها الحكومة على قانون المرور بهدف فرض رسوم جديدة، الحكومة اقترحت في تعديلاتها فرض رسم ملصق إلكتروني للمركبات قدره 50 جنيها سنويا، لكن اللجنة رأت رفع قيمة الرسم إلى 75 جنيها سنويا في سابقة برلمانية نادرة. وبدلا من المنطق البرلماني الذي اعتاده العالم، وهو طلب الحكومة فرض أعباء أكبر على المواطنين في صورة ضرائب ورسوم، يأتي أعضاء البرلمان ليحاولوا ترشيد هذه الأعباء وتقليلها، حتى إذا لم يتمكنوا، يتم إقرار الأعباء كما طلبتها الحكومة. أما أن تطلب الحكومة فرض رسم، ثم يأتي نواب إحدى اللجان ليرفعوا قيمة الرسم المقترح، وتأتي الأغلبية في الجلسة العامة لترفض طلب وكيل لجنة حقوق الإنسان بالمجلس أيمن أبو العلا، الإبقاء على الرسم كما اقترحته الحكومة، وتقر الزيادة التي اقترحتها لجنة الدفاع والأمن القومي، فهذا والله أمر لم يأتِ به أحد من قبل، في حدود علمنا المحدود”.

ضد الشعب

تابع أشرف البربري: “لم يقتصر الأمر على هذا الرسم الذي يُفرض على جميع المركبات، تتساوى في ذلك السيارة «المهكعة الكحيانة» التي قد يقترض صاحبها ثمن البنزين، بالسيارات الفارهة، وإنما تضمنت التعديلات فرض رسم سنوي «لتطوير منظومة النقل الذكي» تتراوح قيمته بين 60 جنيها وحتى 1000 جنيه حسب السعة اللترية للسيارة، لتقع الحكومة ومن ورائها البرلمان مرة أخرى في خطأ تجاهل حقيقة أن مصر فيها ملايين السيارات القديمة، منخفضة القيمة ذات السعة اللترية العالية، التي سيجد أصحابها صعوبة بالغة في تحمل قيمة الرسم المقررة عليها. كان الواجب على النواب الموقرين تنبيه الحكومة إلى هذه النقطة، التي تتكرر كثيرا مع كل رسم يتم فرضه على السيارات، كي يتم تحديده على أساس عاملي السعة اللترية وسنة الصنع لتجنيب أصحاب السيارات القديمة منخفضة القيمة عبء الرسوم المرتفعة، التي لا يطيقونها. ولكي تكتمل المأساة وافق النواب على زيادة هذا الرسم بنسبة 6% سنويا، وهي أيضا نادرة برلمانية، أن يتم إقرار زيادة سنوية لأي رسم في القانون، لكي تطارد هذه الأعباء المواطنين حتى نهاية عمرهم. والغريب أنه لم يتم ربط نسبة الزيادة بأي متغيرات، مثل معدل التضخم أو معدل الزيادة في دخل الفرد، وغير ذلك من العوامل التي تؤثر في قدرة المواطنين على تحمل مثل هذه الزيادة. للأسف الشديد، هذه بداية ليست مبشرة لبرلمان 2021”.

أسوأ ما جرى

نتحول للشأن الفلسطيني في صحبة عبد الله السناوي في «الشروق : “لم يكن يصح تلخيص «فتح» في «جنرالات إسرائيل في الأجهزة الأمنية»، أو رجال في قمة السلطة حولها شكوك بالفساد، أو تجاهل التنظيمات السياسية الأخرى مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الشريك الرئيسي لـ«فتح» في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. ولم يكن يصح تلخيص «حماس» في الدعوة إلى «إمارة إسلامية»، أو الحكم عليها بالإعدام الأدبي للحماقات الكبرى التي صاحبت الحسم العسكري من قتل على الهوية، وإجبار بعض القادة الأمنيين على الركوع عرايا، أو انتهاك حرمات بعض الأديرة، أو التصريحات الطائشة من نوع أن الحسم العسكري يشبه فتح مكة! في أي حساب تاريخي فإن «فتح» أكبر وأقوى التنظيمات المسلحة الفلسطينية، والعمود الفقري الذي تأسست عليه منظمة التحرير الفلسطينية، و«حماس» تولت في مرحلة لاحقة مسؤولية المقاومة المسلحة، وقدمت شهداء وتضحيات. استثمرت إسرائيل في الانشطار للمضي قدما في مشروعها الاستيطاني على ما تبقى من أراض فلسطينية. في ذلك الوقت نشأت ثلاثة اقتراحات في ما يتعلق بالغطاء السياسي للتفاوض بين رئيسي «فتح» و«حماس» محمود عباس وخالد مشعل. الأول ـ أن يعقد في الجامعة العربية وبرعايتها. والثاني أن يعقد برعاية مصرية ـ سعودية مشتركة. والثالث أن يعقد ـ كما جرت العادة ـ برعاية مصرية فقط. مال التصور العام لقيادة «حماس» إلى الموافقة على الاعتراف ـ مجددا ـ بولاية الرئاسة الفلسطينية على غزة بجوار الضفة، والدعوة إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس احترافية ووطنية، وفق اقتراحات أمنية مصرية سابقة، بل إن «حماس» وافقت، من حيث المبدأ العام على قبول فكرة حكومة وحدة وطنية جديدة لا تقتصر، هذه المرة، على محاصصة مقاعدها بين «فتح» و«حماس» بدخول فصائل أخرى إليها مثل «الجبهة الشعبية» و«الجهاد». الأفكار الأساسية تعيد إنتاج نفسها في كل مرة حتى مباحثات القاهرة الأخيرة، إذا لم يحدث اختراق سياسي ببرنامج مرحلي يؤسس لوحدة حقيقية بين الفلسطينيين، وفق قاعدة أن القضية أهم من الفصائل فإن النتائج لن تتغير”.

المطلوب رمز

وضع فاروق جويدة في “الأهرام” يده على المهم بالنسبة للفلسطينيين في المرحلة الراهنة: “جمعت القاهرة أخيراً جميع الفصائل الفلسطينية في محاولة لجمع الشمل، وتوحيد المواقف وإنقاذ القضية الفلسطينية.. وهي تتعرض الآن لأكبر مؤامرة في تاريخها.. كان انقسام الفصائل الفلسطينية خطأ تاريخيا دفع الشعب الفلسطيني ثمنه دماً وأمناً، وكانت الكارثة الكبرى يوم حمل الشعب الفلسطيني السلاح وتقاتل، ونسي كل شيء جرياً وراء السلطة. لقد كان الصدام المسلح أخطر وأسوأ ما أصاب القضية الفلسطينية من أبنائها. إن الظروف الصعبة التي يعيشها الآن الشعب الفلسطيني، وما يجري فرضه من واقع جديد يتطلب وحدة الشعب الفلسطيني، وإن كان يتطلب رموزاً وقيادات جديدة، لقد تغيرت حسابات كثيرة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، واستطاعت إسرائيل أن تحصل على مكاسب ضخمة.. ولابد أن تعيد القوى الفلسطينية النظر في مواقفها، خاصة أن هناك أطرافا فلسطينية تتربص بالمشهد كله، ولديها أطماع كثيرة وهي تملك المال والعلاقات، التي تجعلها قادرة على أن تغير حسابات كل شيء. لا شك في أن الشعب الفلسطيني في حاجة إلى ظهور رموز جديدة تقود مسيرة العمل الوطني، خاصة أن معظم المشروعات التي سبقت، لم تحقق أهدافها ابتداء باتفاقات أوسلو وانتهاء بانقسامات فتح وحماس.. إن القضية الفلسطينية في حاجة إلى وجوه جديدة.. وفي نضال الشعوب تأتي أوقات تتغير فيها الدماء والرموز والمواقف، وهذا ما تفرضه الآن الظروف. إن اجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهرة، تؤكد حرص مصر الذي لم يتغير في دعم حقوق الشعب الفلسطيني، رغم أن حسابات كثيرة تغيرت، ولكن سوف تبقى فلسطين قضية حية في ضمير الشعب المصري، وجزءا من أمن مصر القومي الذي لن تفرط فيه. اجتماعات القاهرة قد تكون فرصة تاريخية لجمع الشمل وتوحيد الصفوف بين أبناء الشعب الواحد، رغم كل ما شهدته الساحة من متغيرات في المصالح والحسابات”.

فليغتنموا الفرصة

أكد محمد التايب في “اليوم السابع”، أن مصر بذلت جهودا مضنية على المستويات كافة، سواء جهودها الدائمة لوقف إطلاق النار لتجنب المزيد من العنف وحقن دماء المدنيين الأبرياء، أو تكثيف الجهود الإنسانية وسبل الإغاثة، من خلال فتح معبر رفح لاستقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين وتوجيه المساعدات الغذائية والدوائية للشعب الفلسطيني، بشكل متواصل وبعيد عن أي توجهات، وشغلها الشاغل مؤازرة الشعب الفلسطيني في محنته، بكل صدق وإخلاص. ليستمر هذا العطاء المتواصل، في عهد الرئيس السيسي، الذي أولى القضية الفلسطينية اهتماما كبيرا، لن ينكره إلا جاحد أو جاهل أو مُغرض، ليأذن الله تعالى بتتويج هذه المجهودات خلال اليومين الماضيين بنجاح المصالحة بين الفصائل، بعد جلسات الحوار الوطني الفلسطيني بمشاركة 14 فصيلا على رأسها حركتا “فتح وحماس” حول ترتيبات البيت الفلسطيني، من خلال تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية فلسطينية لأول مرة منذ 13 عاما على الأقل، لتتحقق عدة نتائج وثمار خير، أهمها إنهاء حالة الانقسام، والتوصل لتسوية شاملة من شأنها دعم الاستقرار، وتحقيق الاصطفاف الفلسطيني، إضافة إلى إيجاد سند قانوني وصبغة شرعية، لقيام دولة فلسطينية معترف بها من جميع دول العالم لإنهاء معاناة الشعب وتحقيق حلم وجود دولة فلسطينية معترف بها من الجميع. ولم تكتف مصر بهذا الدعم والرعاية، بل تسعى مصر بكل ما تؤتي من قوة للتنسيق مع الأشقاء العرب لتوحيد الرأي، وضمان دعم الأخوة لشقيقتهم، بعيدا عن مبدأ الأنانية أو الاستحواذ، لتثبت للعالم أنها الشقيقة الكبرى، لأن ما يهمها في نهاية المطاف تحقيق الخير للفلسطينيين، بل التنسيق الدائم المتواصل مع المجتمع الدولي، خصوصاً مع الاتحاد الأوروبي، سواء بتسخير علاقاتها المميزة مع هذه الدول لصالح القضية الفلسطينية، أو توظيف الدبلوماسية المصرية لتحريك ملف عملية السلام، ليتحقق الرخاء على أرض القدس. وأخيرا نستطيع القول، إن خطوة الاتفاق على مواعيد محددة لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية واستكمال المجلس الوطني في فلسطين إنجاز تاريخي وحدث مهم للغاية.

بعد الملء

المشهد مثير للإزعاج، كما يرى الدكتور مصطفى عبد الرازق في “الوفد” ولا يدعو للاستبشار بحدوث انفراجة أو اختراق في قضية السد الإثيوبي يحقق مصلحة الطرفين المتضريين وهما مصر والسودان. وإذا كنت قد أشرت سابقا إلى ما اعتبرته مونولوجا مصريًّا بشأن أزمة سد النهضة، في إشارة إلى أنه يبدو من تطورات الموقف، أن مصر تظهر وكأنها تكلم نفسها، فإن الصيغة ذاتها تبدو قائمة على الجانب الإثيوبي، حيث يبدو أنه يعيش حالة مونولوج خاصة مع نفسه، بشأن الأزمة ذاتها، ما يعني في النهاية أن أي مفاوضات لا تتجاوز كونها ما يسميه الأخوة الشوام «حوار طرشان». آخر مظاهر هذا الأمر، المونولوج الإثيوبي، هو تصريحات وزير الري الإثيوبي، التي تنسف فكرة المفاوضات من الأصل وتكشف عن أنها مضيعة للوقت ليس إلا بتأكيده على أن بلاده غير معنية بفشل الأطراف في التوصل إلى اتفاق بشأن السد، خلال الجولات الماضية التي كان يرعاها الاتحاد الافريقي، وأن إثيوبيا ستبدأ عملية الملء الثانية لسد النهضة، خلال الأشهر المقبلة، في تحدٍ واضح لمواقف القاهرة والخرطوم الداعية إلى عدم بدء عملية الملء الثانية، قبل التوصل إلى اتفاق. دعك طبعا من الحرب النفسية الساعية لتأكيد أن السد انتهى، بوصول نسبة البناء فيه إلى أكثر من 91%، ومحاولات خلط الأوراق باتهام مصر والسودان بتعطيل المفاوضات، وكأنه من المفروض أن تستمر تلك المفاوضات إلى ما لا نهاية، لكن المهم أن تلك المواقف من وزير الري الإثيوبي لا تمثل سوى استمرارية للموقف الإثيوبي العام، الذي يرى أن أديس أبابا ستمضي في خططها بشأن السد وملئه، وأن على المتضرر ليس اللجوء إلى القضاء وإنما أن يضرب رأسه في الحائط.

واشنطن تراوغنا

الأكثر مدعاة للدهشة حسب رأي الدكتور مصطفى عبد الرزاق، هو طبيعة الرد المضاد على مثل هذه المواقف الإثيوبية، التي لا تتجاوز ما حدث مع الملء الأول من التأكيد على ضرورة عدم القيام بهذه الخطوة إلا بعد الترتيب مع الدولتين المتضررتين وهو ما تجاهلته أديس أبابا في الملء الأول، وتصر على تأكيد تجاهله في مساعيها للملء الثاني. ولعل ما يزيد لديك حالة الاستغراب والدهشة بشأن أزمة سد النهضة في هذا الخصوص، تحولات الموقف السوداني، وهو موقف يعزز فكرة أن التعاطي الخاطئ مع أي أزمة يزيدها تفاقما، ويفرض أوضاعًا على الأرض يصعب معه تغييرها. لقد أصبحت نبرة الخرطوم غاضبة وزاعقة متجاوزة مواقف القاهرة، وهو أمر رغم صحته وأهميته في مواجهة الموقف الإثيوبي، إلا أنه يثير الأسى على تأخره كل هذه الفترة. تعزز الصورة السلبية عن مسار الأزمة تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، التي رغم أنها كانت موجهة للرأي العام المصري أساسا، من خلال وسيلة إعلام مصرية، إلا أنها واضحة في وجود تغير سلبي في موقف واشنطن، بفعل تغير الإدارة الأمريكية، ففيما كان ترامب يتبنى الموقف المصري بالكامل، بغض النظر هنا عن أي تحفظات عليه، فإن التصريح الأمريكي الأخير، يشير إلى حالة ميوعة في موقف إدارة بايدن على نحو قد يتطلب المزيد من الجهد لإعادتها إلى الوضع الذي كان عليه موقف واشنطن من قبل.

لص غبي

واقعة مثيرة في مجال الفساد الثقافي اهتمت بها عبلة الرويني في “الأخبار”: “أخطر ما في واقعة سرقة قصيدة نزار قباني “اختاري” وقيام السارق بوضع اسمه عليها كمؤلف، ونشرها ضمن كتاب مطبوع، تقدم به للحصول على عضوية اتحاد الكتاب، وبالفعل يتم اعتماده عضوا في اتحاد الكتاب.. أخطر ما في واقعة السرقة، هو حجم الاجتراء والاستخفاف والجهل، أخطر ما في الواقعة، هو حجم الفساد البالغ، يضرب عرض الحائط بكل القيم الثقافية والأخلاقية! صحيح أن اتحاد الكتاب يحقق في الواقعة، تمهيدا لشطب مصطفى أبو زيد من عضوية الاتحاد، بعد كشف واقعة السرقة.. ويحقق أيضا مع لجنة الفحص والقراءة التي اعتمدت الكتاب، لكن المسألة تتجاوز واقعة سرقة قصيدة، إلى السرقة الفضيحة، السرقة المدوية! من دون الشعراء يختار السارق نزار قباني، الأكثر شهرة وصيتا، ليسطو على قصيدته “اختاري” من ديوان “قصائد متوحشة” الصادر 1970 والتي قام بغنائها كاظم الساهر مضاعفا حضور القصيدة وانتشارها.. يسطو أبو زيد على القصيدة الأشهر للشاعر الأشهر، وينشرها ضمن كتابه “حروف من حب” الذي تقدم به إلى اتحاد الكتاب للحصول على العضوية. وبالفعل يمرّ الكتاب على لجنة الفحص والقراءة، ولجنة القيد بدون أن تزكم أنوفهم رائحة السرقة، ليعتمد السارق شاعرا، وعضوا في اتحاد الكتاب. منتهى الجهل أو منتهى الفساد والتواطؤ، قد يلحق بعضوية الكثيرين في اتحاد الكتاب، ويشكك في استحقاقهم. وبالفعل يتم أيضا التحقيق مع شاعرة، تم اعتماد كتبها، واعتماد عضويتها، رغم قيامها بسرقة دواوين كاملة من شاعرة أخرى، والتقدم بها للحصول على عضوية اتحاد الكتاب.

ما وراء الكنيسة

عندما اخترقت المعدات الثقيلة ميدان كنيسة البازيليك وعَلِم السكان أن هناك نية لإقامة كوبري يعبر الميدان ويفسده، ثارت ثورتهم وخرجوا، كما اكدت كريمة كمال في “المصري اليوم”، يعلنون رفضهم الشديد على مواقع التواصل الاجتماعي.. كانوا بالفعل يصرخون بألا يتم تشويه الحي أكثر من هذا، وكان واضحا من صرخاتهم مدى رفضهم، بل كتبت بيانات وجمعت آلاف التوقيعات وكتبت هاشتاغات، ووصل الأمر إلى البرلمان، حيث أثار عدد من النواب المشكلة.. وبحث سكان مصر الجديدة عن نواب مصر الجديدة في البرلمان، لكنهم اكتشفوا أن ليس كل نوابهم معهم، فقد وقف نائب عن مصر الجديدة، هو النائب طارق شكري ليدافع عن مصر الجديدة وضم صوته لصوت أهالي دائرته، ودافع عن تميز الحي وطرازه المعماري وحقوق سكانه، ولم يتردد في أن يعلن موقفه الرافض، بينما النائب الآخر كان – على حد تعبير سكان مصر الجديدة- مهزوزًا، واتخذ موقفًا محايدًا، بل أقرب لموقف الطرف الآخر، في مواجهة سكان الحي، أي أن موقفه كان مخزيًا بشدة، وخذل أهالى دائرته، بل خذل الحق في قضية تشويه الحي، وهكذا أدرك السكان نوعية كل نائب. تابعت الكاتبة كل هذه الضجة التي أثارها سكان مصر الجديدة، تؤكد بشدة على أنه يجب أن يؤخذ في الاعتبار رأي سكان أي حي قبل إجراء أي تغيير فيه، وهو ما يحدث في كل بلاد الدنيا، فلا يمكن رفع طوبة أو زيادة طوبة، بدون حوار مجتمعي يثبت موافقة أهل الحي. أما نحن، فكل شيء نفاجأ به حتى يصبح أمرا واقعا بلا أي حق للسكان وأهل الحي، حتى لو كان هذا التنفيذ يعني الإفساد والتشويه، يؤخذ رأي مسؤولي الطرق، ولا يؤخذ رأى أهل الاختصاص من خبراء التخطيط العمراني وأساتذته، بل إن هذا الكوبري يخالف القانون، حيث أن القانون 119 للبناء الموحد اعتمد اشتراطات الحفاظ على المناطق التراثية.

عشها بسهولة

إذا كانت للموت أسبابٌ فما هي أسباب الحياة؟ اكتشف صالح الصالحي الكاتب في “الأخبار”، تعريفات كثيرة لسر الحياة منها ما هو علمي وديني ومنها ما هو عاطفي، ومنها ما هو عام يتعلق بالسر كلفظ.. فالحياة أسرار.. ولكل منا سر في حياته قد يحتفظ به لذاته فيعيش ويموت سره معه أو قد يبوح به لأقرب الناس إليه. وتابع الكاتب كلامه: بعض العلماء يرون أن أهم أسرار الحياة هو الحمض النووي المسمى (DNA) الذي يجمع جميع المعلومات والأوامر عن صفاتنا وسماتنا وأشكالنا، وحتى سلوكنا وطريقة تفكيرنا وأمراضنا المستقبلية، ويعطي الأوامر التي تحتاجها خلايانا لتعمل، كما يحمل جميع صفاتنا الوراثية.. باختصار هو الجزء الأساسي الحلزوني المبهر. وفريق ثان من العلماء يرى أن الحياة هي مجموعة الخواص لكيان فيزيائي تتميز بعمليات بيولوجية معقدة، وبتوقفها تنتهي الحياة ويحدث الموت. ويرى فريق ثالث أن أهم أسرار الحياة هو اكتشاف الخلايا المسؤولة عن الشيخوخة، التي يمكن عبر التحكم بها أن يعيش الإنسان لمدة أطول، ويبدو أكثر شبابا، وأقل هرماً بعد أن يبلغ من الكبر عتيا.. يعني باختصار سر الحياة أن يحيا الانسان شاباً. أما التفسير الديني لسر الحياة عند علماء الدين فهو عبادة الله كما أمرنا. وبالنسبة للعامة فيتلخص سر الحياة في الماء.. “وجعلنا من الماء كل شيء حي”. وعلى الجانب العاطفي يرى المحب أن النظر في عيون حبيبه هو سر حياته. وأخيرا اقتنع الكاتب بأن الحياة سرها في سهولتها. ولكننا دائما ما نصعّبها ونعقدها على أنفسنا.. إنها النفس البشرية التي لا ترضى بما قسمه وكتبه الله لها.. فدائما تحيا في كبد وشقاء.. نحمل أنفسنا طائعين بما لا طاقة لنا به ونشتكي أن لحظات السعادة في حياتنا معدودة.

ثروة لو استثمرت

على مدى عقود، تحدث رؤساء مصر المتعاقبون، كما أوضحت مي عزام في “المصري اليوم” عن زيادة النسل كعائق أمام التنمية، وتوفير حياة كريمة للمصريين، فحتى يشعر المواطن بالتحسن المعيشي، لا بد أن تكون معدلات التنمية أعلى من الزيادة السكانية، وهو ما لم يحدث أبداً. ولأن أغلب دخل مصر ريعي وليس إنتاجياً، فالزيادة السكانية تتحول إلى عبء، المواليد الجدد، يلتهمون ثمار التنمية، ويذهب نتاجها إلى توفير الخدمات الأساسية، بدلًا من استثمارها في قطاعات تولد إنتاجاً، وتوفر المبالغ اللازمة لتحديث التعليم وتحسين الرعاية الصحية والبنية التحتية. ما العمل إذن؟ عقود طويلة اختزلت الحكومات المصرية قضية السكان في «زيادة النسل». وأكدت الكاتبة أن مشكلة السكان حلها ليس عند المواطن وحده، لكن العبء الأكبر يقع على عاتق الحكومة التي تدير أموره بقوانين وقرارات ملزمة، يقرّها البرلمان ممثل الشعب والمنوطة به مراقبة الحكومة لصالح المواطن. كل مجتمع له هويته وثقافته، وهو ما يلقي ظلاله على المشكلة السكانية، فيجب أن تتواءم الخطة الحكومية مع هذه الهوية، ويمكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال، لكن لا يمكن نقلها حرفيا في مصر.. حلّ المشكلة السكانية يجب أن يسير في عدة مسارات.. وطرحت مي أفكارًا في هذا الصدد: الأم هي حجر الأساس في الأسرة، لو تم التركيز على توعية الإناث في الريف، بأهمية التعليم وتحفيزهن بشتى الطرق، فسيكون لهذا تأثير كبير على تنظيم النسل وتحسين خصائص الأسرة، الأم المتعلمة ستحرص على تعليم أولادها، وتوفير حياة أفضل لأولادها. وضع خطة خمسية لإعادة توزيع الكثافة السكانية في مصر، التي تتسبب في انهيار المرافق، وسوء الخدمات المقدمة.. نحن نتمركز في مساحة لا تتجاوز 9٪ من إجمالي مساحة مصر.
أين تكمن المعضلة؟

وتفترح مي عزام، لاستثمار الزيادة السكانية كذلك وضع استراتيجية متكاملة للتعليم العالي والفني، تربط التعليم بسوق العمل، ورفع كفاءة الشباب المصري، وتأهيله وتدريبه بصفة مستمرة حتى يواكب التطور المذهل في التكنولوجيا. تقول الكاتبة، أقترح تحويل مراكز الشباب إلى مراكز تأهيل وتدريب مستمر. تطوير القرى وتحويلها إلى وحدات إنتاجية حتى تتوقف الهجرة من الريف إلى المدينة. محاربة الفساد في شتى أنواعه.. هناك اتهام مستمر على مدى عقود لزيادة النسل، بأنها سبب إفقار مصر وتخلُّفها عن التنمية، لكن طبقا لتقرير منظمة الشفافية الدولية، فإن الفساد هو أساس مشكلة الفقر، التي يعاني منها العالم، وهو أقوى عامل يحول دون محاربته. دافيد نوسبوم المدير التنفيذي للمنظمة، صرح منذ سنوات بـ«أن الفساد عملية منظمة تهدف إلى سلب الفرص من الرجال والنساء والأطفال العاجزين عن حماية أنفسهم». الفساد يعوق التنمية الاقتصادية، ويعرقل العدالة الاجتماعية، ويجهض أحلام المواطنين، ويغلق أمامهم أفق الحياة الجيدة ذات المعايير الإنسانية الكريمة المنصوص عليها في مواثيق حقوق الإنسان الدولية.. الفساد يجعل المواطن ييأس من إمكانية تغيير أوضاعه إلى الأفضل، فتصبح كل الأمور عنده سواء، فلا فرق في أن ينجب طفلا أو عشرة مادامت حياته ستظل على ما هي عليه، بل ربما ساعدته كثرة العيال في التخفيف من أعبائها. قُل المشكلة السكانية والفساد سبب عرقلة التنمية والتحديث، ولا تقل زيادة النسل.. الأخيرة جزء من كلّ، والأولى مشكلة المصريين جميعًا، مَن يقتنع منهم بتحديد النسل ومَن يكفر بالفكرة.

القط والفأر

نتوجه نحو طهران في صحبة الدكتور محمود خليل في “الوطن”: “بكلمات صريحة لا تحتمل التأويل خرج المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مؤكداً على ضرورة أن تبادر الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات الاقتصادية، التي فرضها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على بلاده، حتى تعود حكومته إلى الالتزام ببنود الاتفاق النووي المبرم بين الدولتين. من ناحيته أكد جو بايدن أن على إيران العودة أولاً إلى الالتزام ببنود الاتفاق والتوقف عن تخصيب اليورانيوم بنسب معينة، حتى ترفع الإدارة الأمريكية العقوبات وتعود إلى الاتفاق. إنها مناوشات ما قبل العودة.. هذا الطرف يشد.. فيظهر الطرف المقابل له وكأنه يتشدد.. ثم يتصالح الطرفان على عودة المياه إلى مجاريها. النظام الإيراني لا يملك التراجع، التجربة تقول ذلك، إدارة ترامب ضغطت كثيراً على حكومة طهران، فرضت عقوبات اقتصادية عليها، وخططت ونفذت عمليات اغتيال كبرى، فاغتالت قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني، والعالم النووي محسن فخري زاده، ولم تبدِ إيران رد فعل ذا بال على ذلك، بل مدت في حبال الصبر، انتظاراً للحظة التي سوف تملي فيها إرادتها. لا تملك حكومة طهران أن تتعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة بأي نوع من المرونة. فالنظام الإيراني بطبيعته نظام مؤدلج، يستند إلى مجموعة من الأفكار والتوجهات القطعية، وطريقة في الحساب السياسي لا تعرف سوى إملاء الإرادة. وعلى الجهة المقابلة تعلم الإدارة الأمريكية الجديدة، أن العودة إلى الاتفاق النووي هي الأنفع والأجدى بالنسبة لها، لأن ترك الأمور على ما هي عليه الآن سوف يزيد الطين بلة، ويمنح إيران الذريعة الأدبية لمواصلة تخصيب اليورانيوم. وهناك تقارير صحافية تتحدث عن أن طهران توشك بالفعل على تصنيع قنبلة نووية”.

لو نجحت

ترتيباً على ذلك، والكلام ما زال للدكتور محمود خليل، فإن العودة إلى الاتفاق تمثل المسار الأكثر معقولية بالنسبة للأمريكيين، حتى لا تتفاقم الأمور أكثر من ذلك. وبالتالي فأي حديث عن تعديل بنود الاتفاق، أو إضافة أطراف أخرى – عربية على وجه التحديد – إليه يفتقر إلى الواقعية. كل ما ستناله الأطراف الخليجية من الموقف الحالي، يتمثل في مساعدتها على الخروج الآمن من مستنقع اليمن. والضغوط الأمريكية المعلنة التي تشترط عودة إيران إلى الالتزام ببنود الاتفاق مجرد مناورة من جانب الأمريكيين للضغط على حكومة طهران في ملف الحوثيين. فالولايات المتحدة تريد من طهران الضغط على الحوثيين لإيقاف الحرب المستعرة في اليمن، منذ عدة سنوات، وضمان الخروج الآمن للأطراف الخليجية التي تورطت فيها. إذا نجحت إيران في دفع الولايات المتحدة إلى العودة إلى الاتفاق النووي، ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، فستكون قد أعطت درساً فريداً لإملاء الإرادة السياسية على المجتمع الدولي. ليس هناك خلاف على أن إيران دفعت ثمناً باهظاً كي تفلح في الوصول إلى هدفها، لكنها في النهاية نجحت، وقد يكون في مقدورها في المستقبل ترميم الآثار المترتبة على الفترة التي قضتها في الحصار الاقتصادي. إنه درس قد يستفيد منه العرب والدول العربية كثيراً لو تأملوه. فالعالم الذي نعيش فيه لا يفهم سوى لغة التحدي وفرض الإرادة.. وخير للحملان الوديعة أن تصمت وتتقبل أقدارها إذا كانت عاجزة عن إملاء إرادتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية