تأثير ارتفاع أسعار النفط على ميزانيات الدول العربية وعلى المستهلكين

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

ارتفعت أسعار النفط العالمية خلال الفترة منذ بداية العام الحالي وحتي نهاية الأسبوع الماضي بنسبة 23 في المئة، لكنها ما تزال أقل بنحو دولارين عن متوسط أسعار كانون الثاني/يناير2020 عندما ضرب فيروس كوفيد-19 العالم. ونظرا لأن السوق تكتسب قوة دفع كبيرة بتأثير عوامل الطلب والعرض فمن المرجح استقرار الأسعار حول معدل 55 دولارا للبرميل حتى نهاية الربع الأول من العام عندما ينتهي العمل بالتخفيض الطوعي للإنتاج السعودي بمقدار مليون برميل يوميا، زيادة على التخفيضات المتفق عليها بين أوبك وروسيا. وإذا أحسنت أوبك لعب دورها في السوق، واستمر الطلب قويا مدعوما بتعافي الاقتصاد العالمي والنجاح في مكافحة الفيروس، فإن الأسعار قد تصعد إلى ما يتراوح بين 55 إلى 60 دولارا خلال النصف الثاني من العام.
وتظهر تقديرات الإدارة الأمريكية لمعلومات الطاقة اتجاها إيجابيًا في مراجعة الأسعار المتوقعة بسبب قوة الطلب والقيود المفروضة على العرض. وفي حال استقرار الأسعار حول معدل 55 دولارا للبرميل في العام الحالي، فإن هذا سيوفر إيرادات إضافية للدول العربية المصدرة تصل إلى 31 في المئة من الإيرادات المتوقعة في ميزانيات العام الحالي، التي تم إعداداها على أساس تقديرات لسعر النفط تتراوح بين 40 إلى 48 دولارا للبرميل. لكنه في الوقت نفسه سيترك آثارا سلبية على ميزانيات الدول المستهلكة وعلى المستهلكين بشكل عام.

السعر التوازني

تتحدد أسعار النفط في السوق طبقا لقوى العرض والطلب. وبينما يتغير الطلب لاعتبارات اقتصادية وبيئية أساسا، فإن الدول المصدرة للنفط تعمل على التحكم في الإنتاج للتأثير في الإمدادات العالمية، بما يقود إلى أسعار تتوافق مع احتياجاتها المالية. وفي العادة يتم إعداد الميزانيات الحكومية على أساس متوسط سعر متوقع للنفط على مدار السنة، فإذا ارتفع السعر عن التوقعات حققت هذه الميزانيات فائضا ماليا، وإذا انخفض فإنها تتعرض للعجز. وبعد أن تمتعت الدول النفطية بفوائض مالية ضخمة لسنوات طويلة، فإنها تعاني في السنوات الأخيرة من عجز في ميزانيتها بسبب هبوط الأسعار نتيجة لحروب الأسعار وضعف النمو في الدول الصناعية، زاد من حدته وباء كورونا الذي أدى إلى انكماش اقتصادي عالمي في العام الماضي.
وقد أدى انهيار الأسعار في العام الماضي إلى اتساع العجز المالي في كل الدول العربية المصدرة باستثناء قطر. ويعود السبب في استثناء قطر إلى أنها وضعت الميزانية على أساس سعر متحفظ جدا بلغ 39.9 دولار للبرميل، في حين بلغ متوسط سعر خام برنت عام 2020 حوالي 41.9 دولار، فكانت بذلك الدولة الخليجية الوحيدة التي نجت بعد عجز متواصل منذ عام 2017. لكن ميزانية السنة الحالية تتضمن عجزا بقيمة 9.5 مليار دولار، يترافق مع تخفيض النفقات عن العام الماضي بنسبة 7.5 في المئة. وافترضت الميزانية الجديدة أن متوسط سعر البترول للعام الحالي سيبلغ 40 دولار للبرميل، وعليه فإنها تتوقع انخفض الإيرادات من صادرات النفط والغاز بنسبة 27.6 في المئة عن العام الماضي.
وفي حال ارتفاع متوسط الأسعار عن 40 دولارا فإن العجز الفعلي سينخفض عن تقديرات الميزانية، بل يمكن أن تزيد فرص تحقيق فائض إذا ارتفعت الأسعار إلى 60 دولارا للبرميل، وهو ما يقود أيضا إلى ارتفاع أسعار الغاز المسال في العقود طويلة الأجل المربوطة بسعر خام برنت. ويتم احتساب أسعار وحدة قياس الغاز المسال (مليون وحدة حرارية) في العقود طويلة الأجل المرجحة بأسعار النفط بما يتراوح بين 11 إلى 12 في المئة من سعر خام نفط برنت. أما في الأسواق الفورية فإن الأسعار تتقلب حسب الاحتياجات ومدى وفرة المعروض. وقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية قفزة كبيرة في أسعار الغاز المسال في أسواق الشرق الأقصى بسبب موجة البرد الحالية، لكنها من المتوقع أن تعود إلى مستوياتها السابقة مع دخول فصل الربيع.

عجز الميزانيات الخليجية

وتقدر مؤسسة ستاندرد اند بورز للتقييم الائتماني عجز ميزانيات دول الخليج بين عامي 2020 و 2023 بحوالي 490 مليار دولار. وقد سجلت ميزانيات العام الماضي زيادة في العجز عن التقديرات المتوقعة، فزاد العجز في الميزانية السعودية إلى 12 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وفي الإمارات إلى 10 في المئة، وفي الكويت زاد العجز حتى الآن بنسبة 11.5 في المئة عن توقعات الميزانية التي تنتهي في الشهر المقبل، التي كانت قد افترضت سعرا للنفط يبلغ 55 دولارا للبرميل.
وفي ميزانيات العام الحالي افترضت السلطات المالية في دول الخليج عموما أسعارا متحفظة للنفط، خوفا من اتساع نطاق العجز عن تقديرات الميزانيات كما حدث في العام الماضي. على سبيل المثال فقد تضمنت ميزانيات الكويت وسلطنة عُمان والبحرين تحديد سعر النفط المتوقع لعام 2021 عند 45 دولارا للبرميل، في حين يعتقد خبراء النفط أن السعودية، التي لا تعلن عادة عن سعر النفط التقديري في الميزانية، وضعت سعرا غير معلن قدره 48 دولارا للبرميل. ورغبة من هذه الدول في إصلاح ماليتها فإنها قررت أيضا إجراءات لتخفيض النفقات العامة وزيادة الإيرادات الضريبية، بهدف تقليل العجز إلى أقل نسبة ممكنة. ومن المستهدف تخفيض العجز في الميزانية السعودية الجديدة إلى 4.9 في المئة من الناتج المحلي مقابل 12 في المئة عام 2020 وفي الميزانية الفيدرالية للإمارات إلى 5.1 في المئة مقابل 9.9 في المئة في العام الماضي، كما سينخفض كذلك في الدول الأخرى ومنها سلطنة عُمان التي ستحقق أقل عجز في الميزانية منذ عام 2015.
وفي حال ارتفعت أسعار النفط إلى 55 دولارا في المتوسط خلال العام الحالي، مدعومة بتقييد العرض وانتعاش الطلب، فإن هذا سيمنح كل دول الخليج المصدرة للنفط فرصة كبيرة لتخفيض العجز المالي عن التقديرات الواردة في الميزانيات الجديدة، كما سيسمح أيضا بتخفيف حدة الإجراءات التقشفية، ويفتح المجال لزيادة الاستثمارات. لكن نسبة التحسن المالي في الميزانية ستختلف من بلد إلى آخر حسب متغيرين أساسيين، هما مستوى أسعار النفط، ودرجة الانضباط المالي.

أعباء الأسعار على المستهلكين

يعتبر ارتفاع أسعار النفط نعمة للشركات والحكومات، فالشركات تربح أكثر، والحكومات تستعين بزيادة الإيرادات لإصلاح ميزانياتها. لكن المستهلكين هم الذين يدفعون الثمن، سواء كانوا الأفراد في الدول المنتجة أو الحكومات والأفراد وقطاعات الأعمال في الدول المستهلكة. ويعتبر صندوق النقد الدولي أن أسعار الوقود يجب أن تتعادل في العالم كله بصرف النظر عن اختلاف تكاليف الإنتاج، وأنه يتعين على حكومات الدول المختلفة التخلص من دعم الوقود باعتباره أحد أوجه الخلل الرئيسية في الميزانيات الحكومية. ومن ثم فإن إلغاء دعم الوقود يأتي على رأس أولويات الإصلاح الاقتصادي سواء كنا نتحدث عن الكويت والسعودية أو عن مصر أو تونس. وتأخذ معظم الدول العربية حاليا، المصدرة والمستوردة للنفط، بسياسة متدرجة للتخلص من دعم الوقود، وهو ما أدى إلى قفزات حادة في أسعار وقود السيارات والغاز والبوتاغاز والكهرباء.
وتتبنى دول مثل السعودية والسودان ومصر والمغرب والأردن حاليا نظاما لمراجعة أسعار الوقود دوريا، على أساس معادلة تربط بين تغيرات أسعار البترول وأسعار الصرف والأسعار المحلية. وتختلف آليات تحقيق هذا النظام من بلد إلى آخر، لكنها تحقق الهدف نفسه، سواء كان ذلك بواسطة لجنة معنية بمراجعة الأسعار تتبع الشركة المنتجة كما هو الحال في السعودية «أرامكو» أو تتبع الحكومة كما هو الحال في مصر. وسواء كانت الأسعار تتغير يوميا، أو شهريا فإنها تعكس تغيرات الأسعار في السوق العالمية. ومن الملاحظ أن المستهلكين عموما لم يستفيدوا من انخفاض أسعار النفط والغاز في عام 2020 ولكنهم سيتحملون زيادات الأسعار في العام الحالي، سواء في فواتير الكهرباء والغاز أو وقود السيارات وتكلفة الانتقالات بوسائل النقل المختلفة. ونظرا لأن ميزانيات الدول العربية المستوردة للنفط مثل مصر والأردن وتونس والمغرب والسودان تعاني من عجز كبير، فلا شك أن ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى زيادة أعباء المالية العامة نظرا لزيادة تكلفة الاستيراد، وهي التكلفة التي سيتم نقلها إلى المستهلكين وأصحاب الأعمال من خلال زيادة أسعار الطاقة.

محركات الأسعار

وأسهمت عوامل تقييد العرض في حدوث موجتين لزيادات أسعار النفط الخام في العالم خلال الشهر الماضي، الأولى في الأسبوع الأول من الشهر عندما أعلنت السعودية تخفيضا طوعيا بكمية مليون برميل يوميا خلال شهري شباط/فبراير واذار/مارس، زيادة على التخفيضات المتفق عليها في أوبك وشركائها. في تلك الموجة ارتفعت الأسعار بأكثر من 6 في المئة، وتجاوزت حاجز 50 دولارا واستقرت فوقه. أما الموجة الثانية فبدأت في 27 من الشهر الماضي أيضا، عندما أصدر الرئيس الأمريكي بايدن مجموعة من الأوامر التنفيذية المتوافقة مع حماية البيئة وتخفيض نسبة الانبعاثات الكربونية في الجو، تضمنت حظر التنقيب عن النفط والغاز في الأراضي والمسطحات المائية الفيدرالية ووقف إصدار تراخيص جديدة للشركات في هذه المناطق التي توفر ما يقرب من 10 في المئة من إنتاج النفط في الولايات المتحدة.
وترافق تقييد العرض العالمي مع موجة تفاؤل بقرب وضع فيروس كوفيد -19 تحت السيطرة، بعد نجاح استخدام الأنواع المختلفة من اللقاحات الواقية منه، خصوصا في الدول الصناعية، وهو ما شجع مصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء على بناء مخزونات جديدة استعدادا لاحتمالات زيادة الطلب. وزاد من قوة موجة التفاؤل تلك، حالة التعافي الاقتصادي في الصين، التي تقود وارداتها من النفط والغاز المسال موجة ارتفاع الأسعار. ونتيجة لذلك فإن من المتوقع أن يزيد الطلب العالمي على النفط في العام الحالي بحوالي 5.6 مليون برميل يوميا حسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ومنظمة أوبك، ليصل إلى 98 مليون برميل يوميا، ثم يتجاوز 100 مليون برميل في العام المقبل.

دور أوبك

وبأخذ متغيرات العرض والطلب في الاعتبار، والحاجة إلى منع التقلبات الحادة في سوق النفط، فإن أوبك قد تعود لتلعب دور (المنتج المُرَجِّح) في السوق، بمعنى أن تتحكم في مقدار الإمدادات المعروضة، بالزيادة أو النقصان، للمحافظة على سعر توازني مقبول يحقق مصالح الدول المنتجة والمستهلكة ويوفر قوة كافية لمحركات النمو في الاقتصاد العالمي ككل. وسوف يتوقف مقدار ارتفاع الأسعار على تفاهم غير مكتوب بين الدول المصدرة، التي ترغب في تحقيق توازن ماليتها، والدول الصناعية ذات المصلحة في تحقيق نمو مستقر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية