■ صدر قبل أسابيع للباحث والأكاديمي المصري رفعت سيد أحمد، كتاب مهم يتناول جذور ظاهرة تنظيم «داعش» وامتداداته وارتباطاته، جاء تحت عنوان «داعش خلافة الدم والنار».
ورغم الجهد القيم الذي بذله الكاتب في مؤلفه والوثائق التي اعتمدها، إلا أنه لم يخلو من مواقف وأحكام مسبقة، بدون تقديم أدلة عليها. ولكن هذا لا يقلل من أهمية الكتاب والمعلومات التي تضمنها. وبحسب الكاتب فإن «داعش» جماعة وظيفية، بمعنى أنها تشكلت للقيام بوظيفة معينة، هذه الوظيفة هي تشويه الإسلام واغتيال قيمه الحقيقية، ومن ثم ولترسيخ وظيفة إضعاف الإسلام وتشويهه، عمدت الجماعة لأداء وظيفتها الثانية وهي اغتيال الأوطان، وبالتالي وفي إطار تأدية وظيفة اغتيال الأوطان جرى العمل على تحقيق وظيفة ثالثة هي بث الفرقة في المجتمعات عبر محاولة استئصال مكونات اجتماعية بعينها أو العمل على طردها جغرافيا من مناطق معينة، وبما يحقق اغتيال قيم الإسلام من جانب واغتيال الاوطان من جانب آخر.
ويؤكد الكتاب على أن «داعش» لم يكن له أن يستمر وينمو من غير نوعين من الدعم: دعم مالي «دولي وإقليمي»، ودعم بالفتاوى الدينية الضالة والمضلة، التي تبرر استحلال الدم والأموال، وتضيع الأوطان باسم الدين؛ والدين براء من ذلك. ويشير إلى أن «داعش» هم خوارج هذا العصر بكل ما للكلمة من دلالات تاريخية وعقائدية، وهم حين قتلوا المسيحيين والأقليات الأخرى، واعتدوا على المسلمين الشيعة والمسلمين السنة داخل سوريا والعراق، وحين ذبحوا المراسلين الصحافيين الأجانب وسرقوا ونهبوا وباعوا النساء في أسواق نخاسة جديدة في الموصل، عندما فعلوا كل ذلك كانوا يترجمون عمليا ما تعلموه من فتاوى ضالة وفقه شاذ، يبرر اغتيال الدنيا والدين معاً. ويؤكد أن قتل «داعش» لمسيحيي العراق وسوريا له أسبابه العقائدية وليس السياسية فحسب، فهؤلاء المنحرفون دينياً تتلمذوا على أيدى شيوخ يكرهون المسيحيين ويكفرون الآخر الديني والمذهبي.
ويوضح الكاتب أن القادة المؤسسين لـ»داعش» هم أبو مصعب الزرقاوي ـ أبو عمر البغدادي ـ أبو حمزة المهاجر، أما القادة الحاليون للتنظيم الذي نما وسطع تحت مسمى «داعش»، فهم – أبو بكر البغدادي ـ أبو عبد الرحمن البيلاوي- العقيد حجي بكر- عمر الشيشاني «طرخان باترشفيلي» و12 آخرين باسمائهم الحقيقية. ويصل الكاتب إلى نتيجة بهذا الخصوص، أنه في ظل استمرار تدفق فتاوى دينية متطرفة وشاذة تعود إلى شيوخ متطرفين في العديد من بلادنا العربية والإسلامية، أن تنظيم «داعش» الحالي وإن تقلص كتنظيم، ولكن الأرض العربية ستلد «دواعش» آخرين.
ويعتبر الكاتب أن «داعش» تنظيم صنعته واشنطن على أيدى جون ماكين وقادة في المخابرات المركزية، وبالتالي هو يشير إلى أنه كجماعة وظيفية يعمل لصالح واشنطن، من أجل ضرب الوحدة الداخلية في سوريا والعراق باسم الإسلام، وعندما بدأ يقترب من «النفط» في كركوك، وقواعد التجسس الأمريكي/ الإسرائيلي ضد روسيا وإيران في كردستان.. هنا قررت واشنطن ضربه، وتقليم أظافره.
والمعلومات التي يقدمها الكاتب لإثبات ما يعتبره حقيقة لا ترقى إلى معلومات حقيقية موثقة، وانما إلى استنتاجات واوهام يحيطها الكثير من الشك، وبناء على قناعات الكاتب بهذا الشأن يتجه الكاتب وفق «نظرية المؤامرة» التي تتلبس الفكر العربي، إلى أن من بين أبرز الأهداف الأمريكية السرية لبناء التحالف الدولي لضرب «داعش» هو التدخل في سوريا، لإسقاط النظام الذي استعصى على جماعات المعارضة المسلحة، رغم المليارات التي صرفت عليها؛ كما أن الهدف الآخر للتحالف الدولي هو إعادة رسم المنطقة استعمارياً، انطلاقاً من العراق.
وفي الواقع نحن لا نبرئ أمريكا، عندما نعارض ما ذهب إليه كتاب الدكتور رفعت سيد احمد بشأن الاتهامات لأمريكا ودورها في صناعة «داعش»، ولكننا نعتقد أن أمريكا كانت هي الصانعة لتنظيم «القاعدة» الأم الذي تفرع عنه فيما بعد «داعش» وما شابهه.
ويبدو أن إيران استعارت ذات النموذج في ما بعد في افغانستان والعراق، وبحسب الصحافي الأمريكي دكستر فيلكنز، الذي ينقل في مقال له العام الماضي نشر في «نيويوركر» عن السفير رويان كروكر، انه ابتداء من العام 2001، فتح كروكر قناة سرية مع الإيرانيين، عبر دبلوماسيين ايرانيين في جنيف، عقدوا لقاءات متكررة معه، وعملوا خلالها على تبادل المعلومات الاستخباراتية حول قوات حركة «طالبان» وحرب أمريكا في افغانستان.
ويروي كروكر لفيلكنز أنه في الايام التي تلت هجمات 11 سبتمبر، كانت لقاءاته المتكررة مع وفد إيراني في سويسرا تتم بسرية مطلقة، حتى عن العاملين في وزارة الخارجية. ويقول كروكر: «كنت أطير إلى جنيف يوم الجمعة، وأعود يوم الأحد حتى لا يلاحظ أحد في مكتبي غيابي»، مضيفا: «كنا نسهر كل الليل، وكان من الواضح لدي أن الايرانيين يأتمرون بأوامر الحاج قاسم سليماني، وانهم كانوا حريصين على مساعدة الولايات المتحدة في القضاء على العدو المشترك»، أي طالبان
واستمر التعاون الأمريكي – الإيراني حتى خطاب «حال الاتحاد» الذي أدلى به الرئيس السابق جورج بوش في يناير/كانون الثاني 2002، الذي وضع فيه إيران في «محور الشر». بعد ذلك، شعر كروكر بأن بلاده ذاهبة إلى حرب في العراق، فحاول الإفادة من ذلك بابلاغ سليماني. ورد المفاوض الإيراني على كروكر بأن الإيرانيين مستعدون للحوار، وأن «العراق، مثل افغانستان، جزء من الملف المسؤول عنه سليماني».
وعلى أثر سقوط صدام، ارسلت واشنطن كروكر ليعمل على تشكيل «مجلس الحكم الانتقالي»، وعادت المشاورات بين كروكر وسليماني، فأرسل كروكر لائحة بالمرشحين، ولم يسم أيا من الذين اعترض عليهم سليماني. ويقول كروكر «بعد أن شكلنا مجلس الحكم، انهار كل شيء، وبدأ سليماني حملة تخريب، منتهزا الفرصة، وباشر بتسليح وتدريب مجموعات سنية وشيعية لمواجهة القوات الأمريكية».
وتابع فيلكنز: «ثم طلب سليماني من رئيس استخبارات نظام الأسد أن يسهل حركة المتطرفين السنة عبر سورية إلى العراق ليحاربوا الأمريكيين، وتم السماح بحرية الحركة لـ»القاعدة» في إيران.. وكانت عناصر «القاعدة» الموجودة في إيران، ومن بينهم الزرقاوي قد تم تشجيعهم للذهاب إلى العراق عشية الغزو الأمريكي عام 2003، كما أن المتطرفين الذين عبروا للعراق عبر سوريا كانوا هم نواة «داعش» الذين ارتدوا في ما بعد على ايران وحلفائها في العراق..».
وبهذا المعنى يمكن القول إن «داعش» الذي هو امتداد لتنظيم «القاعدة» تمت رعايته اول الامر من قبل أمريكا ومخابرات عربية، في مقدمتها المخابرات السعودية، ثم في ما بعد الغزو الأمريكي للعراق تمت رعايته من قبل ايران وسوريا، وبالخصوص أجهزة الاستخبارات السورية. وقد أسهم تطور المشهد السوري وتعقيداته بعد عام 2011 في سطوع نجم «داعش»، وهذا ما يلفت النظر له كتاب «داعش خلافة الدم والنار»، اذ يشير إلى أنه كان في سوريا قرابة الـ1800 تنظيم مسلح بعد عام 2011، وفقاً لشهادة الأخضر الإبراهيمي، استطاع ثلاثة منها أن تتفوق في الإرهاب، وأن تبتلع غيرها بداخلها وهي «النصرة أحرار الشام داعش»، وبالتالي استطاع تنظيم «داعش» بحكم قدرته على بلوغ اقصى درجات التوحش أن يضم اكبر عدد من المقاتلين، وبحسب بعض التقديرات الأمريكية فإن تعداد «داعش» في العراق لا يتجاوز 17 ألفا، أما في سوريا فهو يقترب من الـ25 ألفاً ولها قواعدها المسلحة الرئيسية.
وبغض النظر عن الجزئيات، فإن كتاب «داعش خلافة الدم والنار» يتضمن الكثير من التفاصيل عن ظاهرة «داعش» التي يخلص الكتاب إلى وصفه بأنه ظاهرة ليست مخالفة لروح العصر ولسماحة وعدالة الإسلام فحسب، ولكنه أيضاً يمثل برأي المؤلف «إسرائيل العربية» مثلما إسرائيل تمثل «داعش العبرية»، إنه لا يخدم استراتيجياً سوى أعداء هذه المنطقة، مهما ادعت بياناته زوراً الدفاع عن الإسلام، الذي يغتاله بأفعاله وفهمه المتخلف لمراميه ومقاصده وشريعته النبيلة. فـ»داعش» وما شابهه من تنظيمات لا يجد في الاحتلال الصهيوني لفلسطين مبرراً للحرب المقدسة ضده، ولم يضبط مرة واحدة فقط، وهو يوجه رصاصه للعدو الصهيوني، ولكنه يوجه حربه للمسلمين والأقليات الأخرى. إن «داعش» وأخواته من التنظيمات الإرهابية الملتحفة خطأ برداء الإسلام، قد يكون لنشأته أسباب سياسية واجتماعية وإقليمية، ولكن العامل الخارجي في تخليقه وتوظيفه كان هو الأبرز ايضا.
٭ كاتب وصحافي عراقي
عصام فاهم العامري