يدخل الموظف الأردني من طراز «رفيع المستوى» بأنفة وكبرياء إلى إجتماع عربي او إقليمي او دولي وهو يمثل دولة عريقة تكاد تكون الدولة الأقدم في تاريخ الدول بالعصر الحديث وشعبا إبتلاه الله بنخبته التي يتيح لها نظام المحاصصة البائسة تمثيلا لا تستحقه على مستوى الإدارة والحكم بنفس الدرجة التي تتيح فيه ظروف ومتطلبات المعارضة والمناكفة الوظيفية ممثلين في المعارضة تنطبق عليهم مقولة غوار الطوشه الخالدة» ما في حليب بهالحليب بابا».
الإدارة الأردنية قد تكون أكثر دولة يسافر مسؤولوها وموظفوها للخارج للمشاركة في مناسبات وفعاليات متعددة الأغراض وللإنصاف يمكن القول أن الجانب الرسمي يوفر لمندوبيه وممثليه البائسين في أغلب الأحوال بيئة سفر سياحية من الدرجة الأولى للخارج وسط مظاهر «كشخة وأبهة» لا يوازيها أي إنجاز من أي نوع بدليل أن القضايا المفصلية وغير المفصلية يضطر رئيس الوزراء شخصيا للتماس معها حتى تعالج رغم وجود جيش من الوزراء والموظفين حوله.
وبدليل أن القصر الملكي يضطر للعمل مباشرة في قضايا ينبغي ان ينشغل فيها المئات من متكرشي السلطة وأصحاب الوجاهات الذين تظهر عليهم ملامح الرفاه التي توفرها الدولة خصوصا في الرحلات الخارجية مع كل «الكشخة» الملازمة المعتادة بدون إنتاج حقيقي.
قبل أيام فقط سافر سبعة من أعضاء مجلس النواب دفعة واحدة في إطار مهمة سياسية ووطنية نبيلة فكرتها «تقديم الشكر لدولة أوروبية لأنها صوتت برلمانيا لصالح قيام دولة فلسطينية»..اللافت جدا هنا أن خمسة من أعضاء الوفد السياحي البرلماني على الأقل لم يسمع صوتهم إطلاقا طوال أشهر وأسابيع تحت قبة البرلمان فالمهمة اصلا بائسة ولا معنى لها ويمكن إنجازها عبرارسال برقية.
الهدف من العديد من الجولات كان جولة بعاصمة أوروبية مع تذاكر وفنادق درجة اولى وما يتطلبه الأمر بالعادة من إرهاق السفير الأردني المعني وطاقمه والإستعمال المتعسف لسيارات السفارة في تأمين هدايا المدام والأولاد كما يحصل في غالبية الوفود.
أحد الخبراء يحدثني عن ملحوظة لا يمكن ببساطة رصدها عندما يسافر أي موظف أردني كبير لأي نشاط في الخارج حيث يلاحظ كل متابع بأن الموظف الأردني الأكثر صمتا والأقل مشاركة والأهم «الأكثر تدخينا» وسرعان ما يغادر الإجتماع بذريعة التدخين بعد اقل من ساعة مخيبا ظن بلاده وتقدير الدولة المستضيفة لكي يقوم بالأولويات السياحية.
الموظفون الذين تنتخبهم الحكومة لمهام في الخارج يحرصون على الجلوس والنقاش والتجمع معا ولا يحبون الإختلاط بالآخرين ولا تبادل الخبرات.
لذلك غالبا ما يكون الحديث الأبرز لأي وفد رسمي كلاسيكي تقليدي ليس غرض المهمة بقدر ما هو الضغط على السفير أو احد رجال الأعمال الأردنيين بالخارج لتدبير «الوفد المقاتل» بطعام المنسف البلدي تقصيرا لمشاعر الغربة التي لا تتضمن في الأساس إلا الإسترخاء ولعب الورق والتسوق والإسترسال في ممارسة النميمة على كل شيء ما دام اللسان منطلقا في بلاد الغربة ..ذلك بطبيعة الحال قبل العودة لعمان وممارسة كل انواع البطولة الزائفة وإختلاق المعارك الوهمية التي دافع فيها فلان أو علان عن البلد والملك والنظام.
طبعا لا يمكن التعميم لكن وزيرا سابقا قال لي: لوأنجزت وفودنا ربع ما تلوكه ألسنتها خلال السفرات الخارجية لكنا دولة عظمى الآن …ومفردة تلوك هنا لا تقتصر على الطعام وتلك المناسف التي تقام للوفود وللوزراء ولكبار المسؤولين بقدر ما تشمل أيضا أنماط النميمة والاحاديث المكررة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. يقال على ذمة الرواة أن غالبية أعضاء الوفد الأردني في مفاوضات السلام التي أفضت لإتفاقية وادي عربة كانت تقضي فترات المساء في لعب «ورق الشدة» حتى ساعات الفجر مما يفسر بتقدير البعض الكثير من الهفوات التي سجلت لصالح العدو الإسرائيلي في نصوص الإتفاقية.
ضيف خليجي محب للأردن يشخص الحالة الإدارية والإعلامية الأردنية على النحو التالي: لديكم بنت جميلة ورشيقة وصبية وبتوخذ العقل وناجحة جدا وشريفة وعفيفة لكنكم تستسهلون الإساءة لشرفها والمساس به عبر أنماط «النميمة» التي تسيء نخبتكم لبلدها ولنفسها بواسطتها.
ختم الضيف الخليجي حسب الرواية تعليقه قائلا: أنتم لديكم فعلا طبقة عجيبة من الموظفين الكبار وظيفتها الحصرية التميز في الإساءة لشرف الإدارة مرة عبر إبتكار قصص خيالية عن الفساد ومرة عبر تشويه كل شيء في البلاد والعجيب ان طبقة موظفي الدولة هي التي تفعل ذلك وليس أعداء المملكة في الخارج او خصوم النظام.
كأردني بدأت حديثا أهتم بمظاهر الخلل في إدارة بلادي أتفهم مثل هذا التشخيص فأمامي وفي احد المؤتمرات أصاب أحد إستراتيجيي الدولة جميع الحاضرين بالدهشة بسبب رسمه لملامح جديدة للكرة الأرضية وبصورة تمثيلية مقنعة وفي الوقت الذي كان فيه صاحبنا وهو بكل الأحوال مسؤول بارز يثير أجواء التساؤل حول عمق التحليل وخلفية المعلومات سمعناه يهمس في أذن أحدهم متسائلا حول وجود شخص يمكنه أن يتوسط له شخصيا حتى يضمن نقل إبنة شقيقه من وظيفة لأخرى في إحدى الوزارات.
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في الاردن
بسام البدارين